الحافلة
لاحقته زوجته، ذات نوبة فجور وغضب، حتى المنحنى، حاملة عصا مكنسة، حتى أنها نست أن تلم شتات شعرها الاشعث ولسانها. قبل أن يظهر نفر من موظفين بالزي الرسمي، مدججين بالهراوات يسعون في اثره.. تلاهم الدائنون وصاحب البيت وموظفو مؤسسات اقراضية مخلصون، سماسرة، ومجرمون يمارسون نشاطات شتى.
لسبب أو لآخر، أو ربما لأسباب شتى، نسي لماذا هو مطارد منذ استقل حافلة الركاب التي تنطلق من شارع لم يعد يذكر اسمه.
إتخذ مكانه في المقعد الخلفي، تحسباً لأن يستقل الحافلة أحد من مطارديه، فمن مكمنه هذا يمكنه أن يلحظ كل من يستقل الحافلة أو ينزل منها، كما بمقدوره أن يغادرها بسهولة من الباب الخلفي الذي لا يبعد عنه سوى متر ونصف.
بعد سنوات أمكنه أن يسخر من فكرته تلك، فمطارديه، هذا إذا كان حقاً ثمة مطاردين له، لا يستقلون الحافلات عادة ويشمئزون من ركوبها. فقرر أن يغير مقعده، إلى كرسي قريب من السائق أتاح له رؤية أفضل للشوارع.
تغيرت الشوارع كثيراً، وأزدحمت بشتى انواع المركبات، والبشر. وصار معتادا أن تتغير مسارتها، فتلك التي كانت باتجاهين تحولت الى اتجاه واحد، وجرى جرف أرصفة اعتاد سابلة وباعة متجولون طرقها. غير أن الملاحظ ان كل ما جرى فعله، بما في ذلك اقامة جسور وانفاق، رسخ من الأزمة المرورية ولم يحلها، في مدينة تصدأ من فرط عتقها.
سره انه تحلل فجأة من شتى الالتزامات، فلا أجرة بيت، ولا زيارة لا تحتمل الإرجاء الى المؤسسة مع مقدم كل شهر، ولا اقساط مدارس، وقرض البنك، ولا حتى راتب. سره تحلله حتى من مشاعره تجاه من كانوا أهله.. زوجة على المقاس، تفيض شكوى وصراخاً، وأولاد حاول جهده الا يكونوا مثله، فكانوا رغما عنه.
استسلم للسير والدوران، وأعتق النسيان.
طوال سنوات، سلى نفسه بالتنصت على أحاديث ركاب الحافلة، فتلك سيدة تشكو من ارتفاع الأسعار، وموظف يحكي عن الظلم الذي أحاق به، وشرطي يتذمر من ارتفاع نسبة الجرائم، وحزبي" لا يعجبه العجب ولا صيام الحكومة في رجب"، ومراهقة تبدي حنقها على مقدار الحرية الذي تسمح لها عائلتها به. أحاديث شتى لأناس من مختلف المشارب والأصول والأعمار، تجمعهم رغبة عارمة في التذمر والشكوى.
:أفسح لي مكاناً.
ودفعته قليلا باليتها الفسيحة، سيدة في مقتبل الاربعين، أصرت على الجلوس لصقه.
كانت الحافلة وقت الظهيرة ممتلئة عن بكرة أبيها، عندما باغتته في مكمنه، وبدأت حديثين، وأحد جرى على لسانها، لم تكف فيه عن التذمر من أزمة المواصلات والشقق والعرسان والطرقات، والآخر.. نطق به جسدها المفتقد للانسجام ككتلة هلامية يصعب تحديدها. أحيانا كان صوت الجسد يعلو على صوت اللسان، فلحظ مستغرباً احمرارا على وجنتيها خاله بعيد المنال.
السيدة التي اعتادت إقتحام وحدته، لأيام، والجلوس بجانبه واضعة طرف اليتها على فخذه، حتى عندما لا تكون الحافلة مزدحمة، سألته مرة: أراك دائما في الحافلة.. أليست هناك محطة تتوجه إليها!.
باغته السؤال كمن ألقي على رأسه جردل ماء. وأعيته الإجابة، لكنه بدّل الموضوع بسؤال مباغت عن أحوالها، فانفتحت شهيتها للحديث وجرى الكلام على لسانها بكل الوان الطيف، حتى حل الليل.
غادرت مقعدها بجواره قائلة: أراك في الغد.. والأفضل أن يكون لديك جواب.
قال مندهشاً: جواب..
قالت شاهرة اصبعها بتأنيب: لماذا لاتغادر الحافلة؟.
تمنى وهو يضع وجنته على زجاج النافذة متطلعا إلى الأضواء والنجوم لو أن الأضواء تنطفي ليرى قبة السماء بلا حجاب، تماما كما رأها مرة في طفولته على سفوح قريته البعيدة.
وتمنى أن لا يرى المرأة ثانية. لكنه كبت حسرة فقدها.
تسير الحافلة الهوينا صاعدة الطرقات العالية، بالكاد تلتقط أنفاسها، ثم لا تلبث أن تنحو للسرعة في الشوارع المنبسطة، حيث يبدو إعلان لسيدة تتمدد على قارعة يافطة، تسأل المارة عن وجهتهم. لكن السؤال ليس من بقية الديباجة الإعلانية، يمكن القول انه محض خروج عن النص.
تلتقي عيناه بعينيها كلما مرت الحافلة صوبها، أبدا تسألها. وأبدا لا يحير جواباً.
جاوره مرات صانع اقفال كبير السن وفقير الحال، بملابس رثة وبنطال مهتريء، قال أنه سيغيره منذ سنين اربع، ولم يفعل. قال له مرة: أريد أن أتقاعد.
ولما لم يجبه..تابع كلامه: لقد كبرت كما ترى، ومن هم مثلي تقاعدوا منذ سنين. أم ترى أن من كان مثلنا لا يتقاعد ابداً.
اجابه يرنو الى الطريق: لا يتقاعد ابدا.
صانع الاقفال اهداه قفلاً وقال مودعا : حين تغادر الحافلة مر بمحلي، سأعطيك مفتاحه.
منذ ذلك اليوم.. صار الرجل القفل، بالنسبة للركاب الذين يتغيرون دائما، فقد عرف حاملاً لقفل لا يدري احد لماذا يصر على الإمساك به.
قبل لقبه الأخير كان حاز عشرات بل مئات الألقاب، فهو: الرجل الصامت، ملك أو سيد الحافلة، وهو نابليون، وهتلر وموسيليني معاً، واحيانا سيدهارتا.
في قرارة نفسه.. لم يرق له أي من هذه الألقاب.
جرت محاولات في السابق لإبعاده عن الحافلة، قاومها كلها، فهو لم يكن راكبا عادياً. لكنه راكب ابدي. ويشهد جميع الركاب، صغارا وكبارا بأنه شخص لطيف وغير مؤذ، يأخذون عليه فقط انه قليل الكلام وكثير الشرود، ولا باع له بالسياسة.
تسير الحافلة بسهولة إنسياب قارب في مياه لا لون لها. تغويه السيدة المستلقية على قارعة الإعلان، والمرأة التي غادرت آليتها مقعده ولم تعد، وشرطة السير والحرس البلدي وصانع الاقفال، والقفل. و تسير.