الحب ليس أعمى

منشور 03 كانون الثّاني / يناير 2009 - 01:09

باهر النابلسي

 

 

الإنسان عقد حياته، فبينما يكتفي ذكر الطاووس بنفش ريشه والتباهي به لكي يغري الأنثى بالزواج، ويكتفي الغزال بإفراز رائحة المسك، والعصفور بجلب الأعواد والزقزقة، تفرض المرأة على الرجل سلسلة متشابكة من الأحداث والالتزامات التي تطوق عنقه طيلة حياته، فمادياً يستدين لكي يقيم الفرح الذي يرفع الرأس، ويكيد العزال، ويليق بزوجته المصونة، وأهلها الأكابر الكمل، ويبقى يدفع أقساط هذه الديون لعدة سنوات، ولكن الجانب المادي هو أهون الجوانب، وهو الجانب الذي ينتهي، أو يمكن أن ينتهي، أما اضطراره للكذب (الأبيض) خلال فترة الخطوبة، فيدفع ثمنه طوال عمره، فهو مثلاً لا بد أن يمدح أكل أمها الرائع، حتى لو لم يستطع بلعه (يا سلام أطيب أكل ذقته في حياتي) وبعد الزواج لا يستطيع أن يغير أقواله، ولا يستطيع إلا أن يتظاهر بالسعادة الغامرة عندما تدعوه حماته على الغذاء، وتهتم به اهتماماً خاصاً، وتتأكد من أنه يبلع اللقمة تلو اللقمة، والأنكى من ذلك أنه بعد الغذاء، لا بد أن يستمع إلى محاضرات أبيها في السياسة، فقد مدح آراءه أيضاً أثناء الخطبة ( ياسلام إن لك أباً حكيماً حصيفاً كم أحب أحاديثه وأتعلم منها)

أما الأهم من هذا وذاك فهو تعبيره عن هيامه بخطيبته من ورود الخدود، إلى روعة الشفاه، والرموش الذباحة، والشعر الغجري المنثور، ولا شيء أحب إلى قلوب البنات من ذلك، فتعيد عليه السؤال وماذا تحب في أيضاً؟ أنفك ياسلام لك أنف روماني أشم لا يبرح خيالي، وماذا أيضاً؟ ويحتار صاحبنا عم يبحث ثم يجد الجواب، العنق، نعم العنق سبحان الخالق كأنه عنق غزال، وفي الوقت الذي ينسى فيه صاحبنا هذه الأحاديث بعد الزواج تكون هي قد حفظتها عن ظهر قلب، ولا تنسى أن تختبر مشاعره بين آونة وأخرى ولكنه يكون قد نسي ما قال والأهم من هذا وذاك يكون قد تحرر من محاولة استمالتها فقد استمالها وانتهى الأمر والأهم من هذا وذاك، أن الزواج يجعل الحب الأعمى مبصرا، فإذ بالرجل العاشق ذو الحس المرهف رجل واقعي، يرى الأمور كما هي بل لربما أسوأ، إذ يبدأ بالشكوى من طعم الملح في أكل أمها، ومن ثرثرة أبوها، ولا يتردد في التعبير عن مقته لشعرها المنفوش، ورمشها المغشوش، وحتى أتفادى غضب الرجال وإحراجهم لا يفوتني أن أذكر أن هذا لا ينطبق عليهم جميعاً بل على القلة منهم، وأنا أعرف واحدا غير رأيه وأقواله تماماً ليس في زوجته فقط، ولا بالحب فقط، بل بفكرة الزواج أصلا، إذ قال لي أنه كان وزوجته سعداء لأكثر من عشرين سنة إلى أن التقيا، ومن أقواله أيضاً فكر يا صديقي أنك إذا قابلت قاطع طريق، فهو يطلب منك حياتك أو نقودك، أما المرأة فهي تطلبهما معاً، وهو يتندر على مقولة أن الحب أعمى قائلا فإذا كان كذلك لماذا تنفق النساء كل هذه الأموال على المكياج، والملابس المثيرة.

 

 

 


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك