الحرب على الإرهاب: الخدعة الكبرى
خالد أبو الخير
التاريخ لا يرحم.. والقانون( وهو هنا النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة) لا يحمي المغفلين او على الأقل ذوي النوايا الحسنة.. ولعبة الأمم التي يجب أن تستمر رغم أن الجميع فيها خاسرون، تغيرت قوانينها التي عبر عنها مايلز كوبلاند في كتابه "لعبة الأمم"، لتصبح: الجميع خاسرون وأميركا وحدها التي تكسب. قد يقول قائل: وحلفاء أميركا؟ وسوف أقر بذلك ولكن ليس كلهم، فهؤلاء الحلفاء ينقسمون إلى قسمين، الأول: حلفاء استراتيجيون منهم إسرائيل وبريطانيا يستفيدون حتماً. والثاني: حلفاء وقتيون أو مؤقتون وآخرون بحكم الضرورة وأبقار حلوب. وتندرج تحت هذا القسم دول كثيرة، لا داعي لتعدادها فجلكم يعرفها. وهؤلاء لا يستفيدون قطعاً لكنهم يفيدون، وإن استفادوا فاستفادتهم مؤقتة.
باكستان بالتأكيد تندرج بجدارة تحت القسم الثاني، والعرب أيضاً، وسيخرجون من الحرب التي شنتها أميركا ضد الإرهاب التي أوشكت على وضع أوزارها بخفي حنين، هذا إذا لم يدفعوا من جيوبهم بترولا ودماء وأراض وسيادة وغير ذلك.
لنبدأ من باكستان التي أكلت الطعم بغباء الأسماك، وقبلت عن طيب خاطر التعاون مع واشنطن في ضرب أفغانستان وإقصاء حركة طالبان وصدقت الوعود الأميركية بأن تحالف الشمال لن يدخل كابول وأن تغيير النظام لا يعني استبعاد البشتون وجناح قيل إنه معتدل في طالبان، الأمر الذي يضمن بقاء النفوذ الباكستاني في أفغانستان وهو أمر مهم جداً وحيوي بالنسبة لإسلام آباد التي تواجه عدواً متربصاً بها في الجنوب والشرق فكيف إذا كان الحال نفسه في الشمال. لكن الأميركيين تنصلوا من كل وعودهم عندما حانت ساعة الحسم وضربوا بعرض الحائط الطلبات التي أطلقتها الحكومة الباكستانية في هذا الصدد وهي بمجملها طلبات خجولة وضعيفة بشكل لافت للنظر. بل وضحكوا على ذقون المسؤولين الباكستانيين عندما ادعوا أن قوات التحالف الشمالي دخلت كابول بدون إذنهم؟ على الرغم من أن الرئيس الأميركي التزم بألا تدخل هذه القوات العاصمة الأفغانية، مما ينبئ بأن هناك خططا سرية وأهدافا غير معلنة تتجاوز أفغانستان إلى باكستان ستتضح ملامحها أكثر فأكثر خلال الأيام القليلة القادمة، ربما يتوجها هجوم إسرائيلي- هندي على القدرات النووية بمباركة أميركية، مهد له بسيناريو شيطاني قد يبدأ بركوب موجة الشارع الناقم على الحكومة وحدوث انقلاب يطيح بالجنرال برويز مشرف يوصل متطرفين إلى السلطة وبذا يوجد المبرر لهكذا ضربة.
المرجح للأسف أن المسؤولين الباكستانيين سيمضون في شرب كأس الخديعة حتى الثمالة، لأنهم باتوا بلا حول أو قوة بعد أن ساروا بلا تردد في الركب الأميركي، وفتحوا أجواءهم وقواعدهم الجوية لهم، وبعد.. أن أكل الثور الأبيض!
العرب بدورهم باتوا هم أيضا في وضع صعب، فالأرجح إن الرئيس بوش سيتنصل من تصريحه بإقامة الدولة الفلسطينية وحل مشكلة الشرق الأوسط، خصوصاً وأن هذا التصريح الذي جاء أصلاً لإغراء العرب بالدخول في التحالف ضد الإرهاب لم يأخذ شكل الالتزام، وتطبيقه يحتاج بالضرورة لموافقة إسرائيل، الأمر الذي يعني العودة إلى المربع الأول، ولكن ليس الآن.. وإنما بعد ضرب العراق وتصفية المنظمات التي وصمتها واشنطن بالإرهابية ومنها: حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي وغيرها. الأمر الذي قد ينقل نار حرب أميركا ضد الإرهاب إلى دول أخرى إضافة إلى العراق ويهدد بإشعال المنطقة.
وفي تعداد الدول المستفيدة من الحرب وغير المستفيدة لا بد من التطرق إلى روسيا التي استفادت بالتأكيد، فنظام الحكم الذي حل في كابول خلفاً لطالبان موال لها بقدر يقارب موالاته لأميركا ( نظراً للقرب الجغرافي والدعم الذي قدمته على مدى سنوات للتحالف)، وبالتالي يمكن القول إن روسيا التي خرجت من باب أفغانستان أيام الاتحاد السوفياتي عادت من الشباك. إضافة إلى استفادتها المالية بسماحها للقوات الأميركية باستخدام قواعد جوية في أوزباكستان.
صحيح أن روسيا تعارض الآن توسيع رقعة الحرب إلى العراق لكن واشنطن تعرف جيداً كيف تسكتها بحفنة من الدولارات، كما فعلت إبان حرب الخليج الثانية.
الخدعة الكبرى تسير وفق ما هو مرسوم لها.. ولا أحد يعرف عند أي مدى ستنتهي.