دعت الحكومة السودانية امس الى "وقف شامل للنار وانهاء الحرب" الاهلية "، مؤكدة "التزامها" اتفاق نيروبي مع الثوار وتصميمها على "مواصلة التفاوض" للتوصل الى "اتفاق سلام دائم". في حين توقع حزبان سودانيان معارضان فشل الاتفاق لانه وضع من دون التفاهم مع فصائل جنوبية اخرى واحزاب شمالية رئيسية.
وجدد مجلس الوزراء السوداني في بيان صدر في ختام جلسة استثنائية رأسها الرئيس عمر حسن احمد البشير "موقف الحكومة الثابت في الدعوة الى وقف شامل للنار وانهاء الحرب"، مشيداً بـ"مناشدة الرئيس الكيني دانيال اراب موي اطراف النزاع وقف الاعمال العدائية". وكانت الحكومة السودانية توصلت مع "الحركة الشعبية لتحرير السودان" السبت الى بروتوكول اتفاق في شأن النقطتين الاساسيتين في خلافهما وهما حق تقرير المصير في جنوب السودان والعلاقات بين الدين والدولة، لكنهما لم يعلنا وقفا للنار. ورعت الاتفاق الهيئة الحكومية لمكافحة الجفاف والتصحر في القرن الافريقي وشمال افريقيا "ايغاد".
واستمع مجلس الوزراء الى تقرير مستشار الرئيس لشؤون السلام غازي صلاح الدين العتباني وطلب منه "مواصلة الاعداد للجولة المقبلة بما يضمن نجاحها". وستجري هذه الجولة في كينيا بين 12 آب/اغسطس و7 ايلول/سبتمبر المقبلين. كما طلب المجلس من كل الوزارات والمؤسسات "اعداد خططها وبرامجها لمرحلة السلام المقبلة ومتطلباتها". ودعا "الجهات ذات الصلة" الى "القيام بحملة ديبلوماسية واعلامية لشرح ابعاد هذا الاتفاق واستقطاب دعم دول الجوار والدول الشقيقة والصديقة والعالم اجمع وتأييدها".
وفي ختام الاجتماع، سئل العتباني عما تردد عن تحفظ مصري عن الاتفاق، فأجاب: "لم يصلنا اي تحفظ من مصر ونحن نهتم بالموقف المصري ونقدر للمصريين وقوفهم الدائم الى جانب وحدة السودان للتوصل الى السلام".
واضاف: "نهتم كثيراً ايضاً ان نبلغهم اولاً بأول اي تطورات في عملية السلام ونحن متأكدون من دعمهم وحدة البلاد وهذا ينطبق ايضاً على الاشقاء في ليبيا وبقية الدول العربية". وقال: "نؤكد التزامنا المبادرة الليبية - المصرية المشتركة متى تحركت".
المبادرة المصرية - الليبية
وفي هذا السياق، اعتبر محللون سياسيون مصريون ان مخاوف مصر الناجمة عن تجاهل مبادرتها المشتركة مع ليبيا لتحقيق السلام في السودان ونجاح الهيئة الحكومية للتنمية (ايغاد)،
في انجاز اتفاق نيروبي بين قرنق والخرطوم ناجمة عن نقص اساسي في المبادرة يتعلق بغياب نقطتي حق تقرير المصير وفرض الشريعة الاسلامية.
وقال نائب مدير مركز "الاهرام للدراسات الاستراتيجية والسياسية» وحيد عبد المجيد ان «المبادرة المصرية الليبية لم تكن منتجة منذ البداية لانها تجاهلت اهم نقطتين هما الشريعة الاسلامية وحق تقرير المصير".
واضاف "كان من المحتم ان تظل المبادرة عديمة الجدوى والقيمة في حين ان مبادرة ايغاد، ومنذ البدء، كانت معنية بالنقطتين".
وحول تجاهلها نقطتي الشريعة وتقرير المصير، اوضح الباحث في المركز ذاته نبيل عبد الفتاح ان "المبادرة كتبت بعبارات عامة نظرا لعدم رغبة القاهرة في فرضهما تاركة الامر للتفاوض ظنا منها بأن هاتين النقطتين ستبحثان تلقائيا وبالتالي ستدرجان في ما بعد».
وتنص المبادرة المصرية الليبية المشتركة التي انطلقت في اب/اغسطس 1999 على التعددية الحزبية وتشكيل حكومة اتحاد وطني انتقالية والحفاظ على وحدة السودان وعقد مؤتمر للمصالحة الوطنية لكنها تستبعد مبدأ حق تقرير المصير، نظرا لمخاوف القاهرة وطرابلس من ان يؤدي ذلك الى انفصال جنوب السودان.
ووافقت الحكومة السودانية والتجمع الوطني الديمقراطي على المبادرة لكن الاخير طالب باجراء محادثات حول فصل الدين عن الدولة التي تعتمد الشريعة الاسلامية وحول تقرير المصير للجنوب.
ومن جهتها، لحظت الهيئة الحكومية للتنمية في شرق افريقيا (ايغاد) هاتين النقطتين المهمتين وبدأت منذ 1993 برعاية مفاوضات بين الخرطوم والمتمردين الجنوبيين طبقا لاعلان مبدئي ينص على حق الجنوب في تقرير مصيره.
يشار الى ان ايغاد، وهي هيئة للتعاون الاقليمي مقرها جيبوتي، السودان وكينيا واثيوبيا واريتريا واوغندا وجيبوتي والصومال.
وردا على سؤال حول تفضيل الخرطوم لوساطة ايغاد، اوضح عبد المجيد ان «السودان حرص، بعد 11سبتمبر، على اعطاء قوة دفع للمفاوضات وفق مبادرة ايغاد وذلك ضمن مساعيه لتبرئة نفسه من تهم الارهاب وفي الوقت ذاته القت واشنطن بثقلها وقامت بدور متوازن في المفاوضات».
ورأى ان موقف الولايات المتحدة كان "متوازنا ولم يكن منحازا الى (زعيم التمرد الكولونيل جون) قرنق، فأدى التدخل الى حل وسط ترضاه الخرطوم وخصوصا بالنسبة لحق تقرير المصير".
الا ان عبد الفتاح قال ان "التدخلات الواضحة بعد الاعلان عن فشل المفاوضات تكشف الدور والضغوط التي مارستها ايغاد وواشنطن لتمرير المرحلة الاولى من الاتفاق الذي ينطوي على الكثير من الغموض».
وتابع ان "الحكومة وافقت لانها تواجه مشاكل اقتصادية وشبه عزلة دولية بسبب صورتها السلبية المرتبطة بالارهاب وانتهاك حقوق الانسان اضافة الى رغبتها في مواجهة المعارضة وخصوصا الشيخ حسن الترابي" الحليف السابق لنظام الرئيس الفريق عمر البشير.
ورأى ان "النظام يبحث عن مجموعة من الاوراق تسمح له بتحقيق توازن ما في ظل الاتهامات العديدة».
واوضح ان الحركة الشعبية "تحاول ان تظهر للدول العربية وايغاد وواشنطن انها تتمتع بالمرونة السياسية مما يسمح لها بالتفاوض ونفي فكرة انها تريد الانفصال".
واعرب عن اعتقاده بأن مصر "ستحاول استيضاح صيغة بعض الفقرات الغامضة حول تقرير المصير وظروف التوصل الى الاتفاق".
لكن عبد المجيد رأى ان "ظروف ما بعد 11سبتمبر (ايلول) لعبت دورا في تسريع المفاوضات والاتصالات وجعلت الحكومة السودانية اكثر ميلا الى التفاهم".
وحول مخاوف مصر ازاء تقرير المصير للجنوب واحتمال ان يسفر عن انفصاله، اجاب عبد المجيد «انها مخاوف قديمة فمصر والدول العربية كلها لا تريد تغيير نظرتها الى الامور فلا احد يرغب في الانفصال من اجل الانفصال".
واعتبر ان "فترة ست سنوات من الحكم الذاتي للجنوبيين ستكون كافية لتغيير ارائهم" وخصوصا مع "تسوية موضوع توزيع الثروة النفطية قبل الاستفتاء لتقرير المصير".
واكد ان "الفدرالية تساعد على التوحيد وليس العكس"، مؤكدا ان "المخاوف المصرية لا اساس لها لان فترة السنوات الست للحكم الذاتي قد ترسخ فرص الوحدة وليس الانفصال".
الا ان عبد الفتاح اشار الى مخاوف مصر والعرب من انفصال الجنوب، مشددا على "بقاء السودان موحدا كضرورة للامن القومي المصري والعربي لان النيل مسألة بالغة الحيوية".
المعارضة
في المقابل، توقع حزبان سودانيان معارضان فشل الاتفاق. وقال المسؤول في الحزب الاتحادي الديموقراطي علي محمود حسانين ان اقتصار الحوار على الحكومة و"الحركة الشعبية لتحرير السودان"، "لن يؤدي الى السلام الدائم". وايد معارضون آخرون ذلك.
وقال خبير في العلوم السياسية ان ثمة شكوكاً في تأييد الاحزاب الجنوبية الاخرى الاتفاق، معرباً عن اعتقاده بأن نفوذ واشنطن والتأثير الغربي سيثبتان الاتفاق. وعلى رغم ترحيب حسانين بأي اتفاق لانهاء الحرب، صرح ان الحزب يعتقد ان المجموعات الاخرى ينبغي ان تشارك في "حوار ديموقراطي لمعالجة اسباب اندلاع الحرب". وقال ان الاتفاق يتضمن ثلاثة دساتير الاول قائم على الشريعة الاسلامية للشماليين وآخر علماني للجنوبيين اضافة الى دستور فيديرالي تحضر له الخرطوم و"الحركة الشعبية". وطالب بتمثيل "التجمع الوطني الديموقراطي" وهو ائتلاف يضم متمردي الجنوب واحزاباً شمالية في المفاوضات التي ستجرى الشهر المقبل.
واعتبر المسؤول في حزب المؤتمر الوطني الشعبي الذي يتزعمه حسن الترابي، محمد الامين خليفة ان "الارادة الشعبية الوطنية" كانت غائبة في كينيا وان "القوى الغربية استخدمت نفوذها لممارسة لضغوط على الطرفين" للتوصل الى اتفاق. وحذر من ان النظام الدستوري ذا الطبقات الثلاث سيؤدي في النهاية الى تقسيم السودان، موضحاً ان الاتفاق يبقى هشاً لانه حصل من دون اتفاق لوقف النار. وكان خليفة عضواً في المجلس العسكري الذي اوصل البشير الى السلطة عام 1989 وتولى مناصب حكومية رئيسية اضافة الى مشاركته في جولات عدة من المفاوضات بين الخرطوم والمتمردين.
تحفظ شعبي
وعلى الصعيد الشعبي، رحب السودانيون الذين طالت معاناتهم بالاتفاق، لكنهم تحفظوا عن الزعم انه يعني سلاماً دائماً. وقال اوليفر وهو واحد من جنوبيين كثيرين نزحوا فراراً من الحرب للعمل في العاصمة: "لست متحمساً لهذا الاتفاق لان حكومة الرئيس البشير وقعت الكثير من اتفاقات السلام ولم تنفذ اياً منها".
وكثيرون في الشمال يلقون اللوم على "الجيش الشعبي لتحرير السودان" وهو الجناح العسكري لـ"الحركة الشعبية لتحرير السودان" لرفضه انهاء الاعمال العدائية في الجنوب حيث حقول النفط الرئيسية في السودان والتي تمثل مصدراً رئيسياً للدخل الحكومي. وقال سوداني من الشمال اكتفى بتعريف نفسه باسمه الاول توفيق ان "الجيش الشعبي لتحرير السودان لم يكن دائماً مستعداً لانهاء العداوات. ويرفض دائماً اعلان وقف النار"—(البوابة)—(مصادر متعددة)