الدكتور جواد العناني: الوسطية العربية نجحت في إثبات فعاليتها السياسية في عالم ما بعد 11 أيلول (2 من 2)

منشور 06 تشرين الأوّل / أكتوبر 2001 - 02:00

عمان- حوار: 

إياد خليفة، خالد أبو الخير، بسام العنتري ومحمد عمر 

 

واشنطن تعيد تقييم استراتيجيتها تجاه العرب 

 

شعبية بوش تحميه من تأثير اللوبي الإسرائيلي 

 

إذا لم يحسن العراق استغلال الفرصة فسيكون موقفه أكثر تعقيدا 

 

الإسلام دين منافس للمسيحية في الذهن الغربي 

 

الولايات المتحدة عادت إلى "الكينيزية" في الاقتصاد  

 

الدكتور جواد العناني الخبير الاقتصادي الأردني المعروف، تقلد عدة مناصب حكومية عبر تاريخه الطويل في العمل مع الدولة الأردنية، كان من بينها رئيسا للديوان الملكي ووزيرا للخارجية ونائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للاقتصاد، وأخيرا عضو مجلس الأعيان قبل أن يطلب إليه مؤخرا تقديم استقالته بسبب آراء عبر عنها علنا حول قضية البعد الفلسطيني في الشأن الأردني. 

"البوابة" التقت الدكتور جواد العناني في حوار مطول حول تطورات الوضع في العالم ما بعد الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وحول تطورات المنطقة، وأبرزها: 

الانتفاضة الفلسطينية: واقعها، آفاقها، وتأثيراتها.  

الوضع الداخلي في الأردن، سياسيا واقتصاديا، إضافة إلى قضية العراق من بين محاور أخرى. 

وفي الجزء الأول من الحوار يتناول الدكتور العناني تشابك العلاقة الأردنية – الفلسطينية، على المستويين الداخل الأردني والعلاقة البينية، كما يتناول تقييم الوضع الداخلي في الأردن.  

وتاليا ننشر الجزء الثاني من الحوار المتعلق بالهجمات الإرهابية على واشنطن ونيويورك، وتأثيرها على المنطقة سياسيا واقتصاديا: 

الدور الإسرائيلي في المنطقة 

 عودة إلى الانتفاضة ودور إسرائيل، في ضوء الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة يوم الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، ثم ما تبعها من سعي أميركي لتشكيل تحالف دولي ضد الإرهاب، بات واضحا حرص الإدارة الأميركية على استثناء إسرائيل من هذا التحالف، وهذه هي المرة الثانية التي يتم استبعاد إسرائيل من تحالف تكونه الولايات المتحدة. فهل سيعني هذا مراجعة لدور إسرائيل في المنطقة، والى أي مدى ستتأثر العلاقة بين الطرفين، وما تأثير ذلك على الانتفاضة أولا ثم على مجمل السياسة الأميركية في المنطقة؟ 

- لا بد أن نلاحظ أولاً وفيما يتعلق بالدور الإسرائيلي، فإن هذا الدور لم يعد قطعاً بالحجم الذي كانت إسرائيل تطمح إليه، وهو أن تكون وكيلة الغرب في محاربة أي قوة معادية أو مناوئة له في منطقة الشرق الأوسط. أثناء الحرب الباردة في ظل وجود الحكم الشيوعي وجدت إسرائيل ضالتها، واستثمرت هذا الوضع استثماراً كبيراً.  

وإذا أردنا أن نستذكر ما جرى في العراق (1990 الغزو العراقي للكويت وتشكيل التحالف الدولي: المحرر)، فإننا نلاحظ أن إسرائيل تم تحييدها، وطلب منها أن لا تقوم بأي دور، حتى لا يتم تهديد التحالف، أو الجزء العربي من التحالف في ذلك الوقت.  

الآن نرى أن الموقف العربي الرسمي متجانس تقريبا، وفي كل أنحاء الوطن العربي، حيال ما جرى في الولايات المتحدة، ولا توجد هناك دولة عربية واحدة قالت بأنها ضد الولايات المتحدة، إلا إذا استثنينا العراق الذي لم يعلن رسمياً حزنه أو شجبه للحادث، وإن كان يتعاطف مع الضحايا الذين سقطوا.  

باستثناء ذلك، لا يوجد موقف رسمي عربي ضد الولايات المتحدة، أو ضد التعاون معها في التحالف.. ولكن كان واضحاً على لسان أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، وعلى ألسنة بعض العرب، إما تلميحاً أو تصريحاً، أنه إذا دخلت إسرائيل في هذا التحالف، فإن الدول العربية ستجد نفسها مضطرة للانسحاب..  

هذا أدى أيضاً إلى دفع الولايات المتحدة التي بدأت، وبعد الحادث مباشرة، في إعادة تقييم مصالحها الاستراتيجية مع الدول العربية والإسلامية، إلى الطلب من إسرائيل أن تتخذ ليس فقط موقفا محايدا، وإنما أيضاً أن تتوقف عن عمليات سفك دماء وضرب الفلسطينيين وأن تتوقف عن التوغل في الأراضي الفلسطينية أو إعادة احتلالها وما إلى ذلك.  

وقد ساد هدوء نسبي بعد هذا الطلب استمر بضعة أيام فقط، وهو ما يعني أن هناك عنصراً أميركياً فاعلاً قد تحرك مما أدى إلى هذا الأمر.  

من هنا، أعتقد أن تحييد الدور الإسرائيلي الآن، يشكل فرصة للدبلوماسية العربية لأن تتحرك حتى تؤكد على حقوقها، وتضع نوعاً من الحلول للأزمات التي كانت عالقة مع الولايات المتحدة، وكانت دائماً موضع النقاش في اجتماعات القمة، وآخرها قمة عمان في آذار/مارس العام الحالي.  

وأولى هذه الأزمات هي قضية فلسطين، وأنا أعتقد أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على لعب دور مؤثر في هذا الأمر، وبما يقود إلى الوصول إلى حل نهائي، وأعتقد أن الحل النهائي قد رسمت خطوطه في إطار كامب ديفيد.  

بقي أن نقول أن قضية السيادة على الأماكن المقدسة، وبخاصة الإسلامية يجب أن تحل فوراً، لا نتكلم هنا عن سيادة تحت الأرض ولا فوق الأرض، ذلك أن العالم الإسلامي في الوقت الحاضر لا يحتمل أن تبقى أي بقعة إسلامية مقدسة عرضة لأي انتهاك من قبل إسرائيل أو غيرها.  

أعتقد إذا تمت تسوية لهذه النقطة بالذات (القدس)، فلا بد أن تكون هنالك حلول قد وضعت في موضوع اللاجئين، وكذلك موضوع الأرض الذي يجب أن يشمل أيضاً موضوع المستوطنات.  

إذا تم التوصل إلى هذا، وتم الاعتراف بالسيادة الفلسطينية على أرض واضحة، فإنني أعتقد أن هناك إمكانية للحل وأن هنالك فرصة يجب أن تستثمر.  

الأمر الآخر، الذي يجب أن نتحدث عنه، هو الوسطية العربية والاعتدال العربي.. فالمواقف العربية كانت تخضع باستمرار للمواقف المتطرفة، على جانبي أي معادلة من المعادلات، إما يسارا أو يميناً.  

ولكن الملفت للنظر أن الوسطية العربية في المرحلة الأخيرة، وبسبب حسن علاقاتها مع الولايات المتحدة، وأوروبا بالذات، وهنا تجدر الإشارة إلى الجهود الطيبة التي بذلها جلالة الملك عبدالله الثاني في هذا المجال، أثبتت موجوديتها، وأعتقد أنها هي التي تولت دفة التعامل العربي مع الولايات المتحدة، مما خفف من وطأة الألم الذي كان من الممكن أن تتعرض له الأقطار العربية والوطن الإسلامي وسمعة العرب والمسلمين.  

وقد رأينا أيضا، على المستوى الرسمي، حرص رئيس الولايات المتحدة على القيام بأعمال ترمز إلى عدم التعرض للعرب والمسلمين داخل الولايات المتحدة، باعتبارهم جزءاً لا يتجزأ من الكينونة الأميركية ذات الإثنيات المتعددة.  

لذلك، برأيي أنه وإن كان هناك نوع من السلبيات الكثيرة التي يتعرض لها العرب والمسلمون بسبب أن التهم موجهة إلى بعضهم بالضلوع في التفجيرات، إلا أنني في المقابل أقول إنه على المستوى الكلي (قد نشأ بعض الجمال من هذا الدمار).  

* في إطار التحالف الذي شكل ضد العراق ضغطت الولايات المتحدة باتجاه استثناء إسرائيل من هذا التحالف من أجل كسب الدعم العربي، لكن ما حصل بعد ذلك أن الولايات المتحدة تراجعت كثيرا أو هي بقيت متجاهلة للمواقف العربية وخاصة حل الصراع العربي الإسرائيلي ورفع الحصار عن العراق، برأيك هل ستؤول الأمور هذه المرة إلى ما آلت إليه في المرة السابقة، وخاصة في موضوع القضية الفلسطينية؟ 

ـ لنتكلم بصراحة، بعض العرب أصلاً ليسوا متحمسين جداً للضغط على الولايات المتحدة لرفع الحصار عن العراق، حتى تأتيهم أخبار من العراق أنه جاهز لتغيير مواقفه والجلوس والتفاوض مع الجيران.  

نحن نتكلم عن موقف عربي ظاهري يقول إنه يريد أن يرفع الحصار عن الشعب العراقي، لاحظ أن استخدام كلمة الشعب العراقي تثير أحياناً حنق الإدارة العراقية، لأنها كأنما تقول أننا نميز بين الإدارة العراقية والشعب العراقي.  

ولذلك، برأيي يجب أن نطالب العراق أولاً بأن يرسل إشارات إيجابية بأنه مستعد للتفاهم مع الجيران، ويجب أن يدرك العراق كذلك، أن عصر المناكدات والمناكفات وفرض العقائديات الفكرية على الآخرين أمر صعب جداً الآن.  

في تقديري، أن هناك دوراً يقع على الأشقاء في العراق، أن يساعدوا من يعمل على مساعدتهم، للوصول إلى الضغط على أميركا، وغيرها حتى يخرج العراق من حالة الأزمة التي يمر فيها، وحتى تتاح الفرصة له ليستعيد قوته وعافيته ويعاد إدخاله _كما يقولون_ في المجموعة الدولية.  

إذا لم يتحرك العراق اليوم، وعلى مستوى الإدارة والمسؤولين فيه، وبسرعة للاستفادة من هذا الوضع، فسيكون موقفه أصعب بعد ذلك. 

وأنا أخشى أن الحربً على الإرهاب، إذا استمرت فترة طويلة، قد تصل أخيرا إلى آفاق غير الأفغان، ومن هنا، فأنا أريد أن أتمنى أن يتحرك العراق بهذه الخطوة، لأنني اعتقد انه إذا تحرك إيجابيا فسيكون له دور فاعل في حل مشكلة المياه بين سوريا وتركيا، وسيكون له دور أيضا في تحديد الدور الإيراني المتعلق بالجمهوريات الإسلامية في وسط آسيا، وسيكون له دور كذلك في إطار المشرق العربي وفي عملية الحل السلمي.  

أعتقد أن على العراق أن يقرر تماماً ما الذي يريده، ونحن نقول أن المواقف الوسطية العربية الراغبة في رفع الحصار عن العراق، قد تكون لديها ذخيرة كافية للضغط على الولايات المتحدة في هذا المجال، إذا أتت إشارات إيجابية من أن السياسة العراقية سوف تكون أكثر استجابة في المنطقة، مما هي على الأقل موصوفة به الآن.  

*وماذا عن إسرائيل، هل ستعاد تجربة التجربة السابقة؟ 

- يجب أن لا ننسى أن أميركا لا تأخذ فقط مصالحها الخارجية، وعلى أهميتها الكبرى، بعين الاعتبار، الساسة الأميركيون أيضا يأخذون الوضع الداخلي بعين الاعتبار.  

فالوضع داخل الولايات المتحدة قابل للتغير، وهو متقلب ما بين فترات الأزمة، وفترات الهدوء، فالآن مثلاً وصلت شعبية الرئيس بوش إلى 90% حسب آخر استطلاعات لـ "غالوب" وهذه نسبة لم يصلها أي رئيس للولايات المتحدة في تاريخها.  

ولكن شعبيته لن تبقى 90%، ولهذا علينا أن نستثمر هذه الطفرة، فهو وبهذه النسبة وعندما يقول بضرورة الوصول إلى حل نهائي في منطقة الشرق الأوسط فانه يجد آذانا صاغية، ولا يكون للمعارضة أو اللوبيات المختلفة تأثير كبير على موقفه.  

إذا نظرنا إلى المصالح الاستراتيجية العليا لأميركا في المنطقة، فهي النفط وإسرائيل، أن تبقى إسرائيل آمنة…، ونحن قبلنا بهذا منذ زمن، قبلنا به منذ مؤتمر مدريد…، أما أن يصبح أمن إسرائيل المقصود منه التوسع على حساب الأراضي العربية، فهذا أمر على أميركا أن تتذكر معه أنه ليس من الضرورة أن تتكامل مصالحها الاستراتيجية دائما، فهذه المصالح قد تتناقص أحياناً، وعليها أن تختار.  

في هذا السياق اعتقد، أن الوسطية العربية هي القادرة على التعبير عن هذا لأميركا أكثر من غيرها، ومن هنا أيضاً أعتقد أن الوسطية العربية والاعتدال العربي الموجود الآن على الساحة العربية قد يكون أمامه فرصة ثمينة لكي يكيف نفسه، كما فعل بعد أحداث الخليج في عام 1991، ويجب أن يتحلى بنفس أطول وباستراتيجية أكبر، وعليه أن ينتبه إلى أن شعبية الرئيس الأميركي لن تبقى على ما هي عليه، وأن التحالفات الموجودة حالياً بين الجمهوريين والديمقراطيين مؤقتة لحين انتهاء الأزمة، أما بعدها فسوف يعود كل إلى مساره، وهنا تصبح القضية أكثر تعقيدا، وخاضعة لحصيلة الظروف المختلفة داخل الولايات المتحدة، ..هناك فرصة ويجب أن نستثمرها. 

علاقة الإرهاب بالعرب والمسلمين  

* فيما يتعلق بالإرهاب، يجري الحديث الآن فقط عن استعدادات عسكرية وإجراءات أمنية للتعامل مع هذه الظاهرة، هل تعتقد أن هذا يكفي لإنهاء هذه الظاهرة، خاصة وانك كنت في موقع المسؤولية وتعاملت مع كثير من القضايا التي مست الأردن، سواء كانت تنظيمات متطرفة أو أعمالا تخريبية. من واقع هذه التجربة كيف تفسر هذه الظاهرة، السبب في تكونها، وهل تكفي الوسائل الأمنية والاستخباراتية والعسكرية لإنهائها؟ 

- الحل في أساسه هو العدالة وتحسين المعيشة والشعور بالأمن. وكما قال الرئيس بوش في خطابه أمام الكونجرس "الخوف قبل الحرية"، ولكن السؤال من أين يأتي الخوف؟ ..الخوف بضاعة معنوية ليس لها ملمس حياتي أو مفهوم حياتي.. هناك الخوف على مستقبل الأولاد، الخوف من الجوع، من المرض من الجهل أمور كثيرة جداً.  

وفي رأيي أن الحل يجب أن يكون على المدى الأطول دائماً، ونحن نتكلم عن محاربة إرهاب ترصد له مئات البلايين من الدولارات، وفي المقابل يجب أن نرصد مئات البلايين لتحسين حياة البشر.  

من غير المعقول أن يكون في العالم نصف مليار مسلم فقراء، معظم فقراء العالم من المسلمين، ثم نقول بعد ذلك إن هؤلاء ليس لهم موقف ولن يكون لهم موقف مناوئ للمؤسسية، إذا كنا نتكلم عن عدم وجود تمثيل حقيقي لهم، سيشعر هؤلاء أنهم خارج دائرة صنع القرار وبالتالي لن يهمهم صنع القرار.  

وعندما نتكلم عن ديكتاتوريات موجودة في العالم الإسلامي فعلينا أن نتذكر أن الناس سيبحثون عن مشروعية دينية مناوئة للمشروعية السياسية لهذه الديكتاتوريات، وسيبحثون عن إمام مناقض، ونحن تاريخياً كنا نحترم الإمام الذي يناوئ وليس الإمام الذي يفتي لصالح السلطان.  

والسبب هو أننا كنا نعتقد أن على الإمام الشرعي أن يحمل هموم الناس إلى الإمام السياسي، لذلك سيظل يخرج إلينا أناس يقولون إنهم يمثلون المسلمين، وإذا لم تكن هناك عدالة، فسوف تبقى هذه الحركات قادرة على التوالد والتفريخ، ومعظمها لا ينتهي.. بإمكانكم أن تلاحظوا ذلك عبر التاريخ.  

أنت تستطيع أن تنهي كل حركات الإرهاب التي تبرز لأسباب دنيوية، ولكن إذا اكتسبت هذه الحركات بعدا عقائديا دينياً، فسيصبح من الصعب جداً إيقافها.  

 هل تكفي النظرة الاقتصادية وحدها لتفسير ظاهرة الإرهاب، هناك فقراء في العالم من غير المسلمين، من الهند مثلا، من أفريقيا، فقراء من أديان أخرى. 

وهناك أعداء لأميركا في كل مكان من العالم وليس من المسلمين أو العرب فقط، ولكن من يقوم بأعمال إرهابية هم المسلمون فقط، أو هكذا يدور الحديث الآن. ألا تعتقد أن هناك جذورا للعنف في الثقافة الإسلامية تحلل مثل هذه الأعمال بينما لا نجدها عند غير المسلمين؟ 

- بصراحة، سؤالك وارد ويجب أن يكون وارداً وأن يطرح، والسبب هو أنني لو كنت غربياً لقبلت بهذه النظرية بسرعة، وذلك نتيجة ما أراه مثلا في الجزائر.. فكيف يمكن لعمليات الذبح في الجزائر أن تبرر لأي إنسان أن هؤلاء الأشخاص الذين يرتكبون المجازر يحلمون بالديمقراطية ويريدونها، على الأقل هذا بناء على ما يرشح من أخبار بأن الذين يقومون بهذه المجازر هم بعض الحركات الإسلامية المتطرفة، وكذلك، تسمع عن أبو سياف في الفلبين، وكيف يقطع الرؤوس ويمثل بجثث الرهائن الذين يختطفهم لتحقيق أهداف مالية أو سياسية.  

لكن وللحقيقة، يجب أن نتذكر بأنه لم يستهدف دين مثلما استهدف الدين الإسلامي.. والسبب هو أنه من الديانات التوحيدية السماوية المنافسة للديانة المسيحية في الذهن الغربي، وفعليا ما من ديانة منافسة على استقطاب الأنصار مثلاً في أفريقيا وغيرها أكثر من الإسلام.  

لذلك نرى أن كثيراً من الدول التي تضم أقلية مسلمة، تقع فيها المشاكل، مثلا ما جرى في يوغسلافيا، في هذا البلد، وتحت حكم تيتو كنا نعلم أن هناك مسلمين وكنا نظن أنهم يعيشون هناك بأمن وطمأنينة، وعندما انتهى حكم تيتو تبين أن هذا لم يكن صحيحاً، وأن المسلمين في البوسنة كانوا في أسوإ حال. 

وفي كوسوفو أيضاً كان المسلمون واقعين تحت ضغوط كبيرة، وفي غيرها كما حدث في مقدونيا. 

الأبعاد الاقتصادية للهجمات على أميركا  

 ننتهي إلى الموضوع الأخير، تركت الهجمات على الولايات المتحدة آثارا اقتصادية كبيرة، سواء للاقتصاد الأميركي أم للاقتصاد العالمي، هناك من يقول إن الاقتصاد الأميركي ومعه العالمي سيدخل مرحلة ركود طويلة وهناك من يتوقع العكس، ماذا تتوقع لهذا الاقتصاد، وما مدى تأثير ذلك على اقتصاديات بلداننا العربية؟ 

عودة إلى "الكينيزية" 

- هناك نقطة اقتصادية لم يذكرها أحد على الإطلاق حتى الآن، وهي أن أميركا، وللمفاجأة، غيرت فلسفتها ونهجها الاقتصادي وأصبحت تتكلم عن نهج اقتصادي جديد.  

فبعد عشر سنوات من الحديث عن نهج الاقتصاد الخاص، بدأنا نرى أن أميركا عادت بعد الضربة إلى تبني فلسفة شبه كينزية، مثلما جرى أيام الكساد الكبير.  

فمثلاً أصبح الكل يتحدث عن دور القطاع العام في إنعاش قطاع الطيران، وفي منح الحوافز الضريبية وتشجيع البورصة وإعطاء حوافز لزيادة الاستهلاك عند المواطن.  

الكل يتحدث عن دور المؤسسات العامة في إعادة تشكيل وتنشيط الاقتصاد، وهذا التغير في المنهجية يسير بسرعة، ودون أن ينتبه إليه أحد، وسبب عدم انتباهنا هو أننا ندخل هذه التغيرات في إطار الأزمة. 

المعارضة لمثل هذا التغير الاقتصادي في الولايات المتحدة محدودة جداً، وحقيقة لا أحد يعارض، لا أحد يعارض هذا الرئيس برغم أنه جاء وهو يتحدث عن الحوافز التي يجب منحها للقطاع الخاص، وعن أن الضريبة يجب أن لا تبقى، وأنه إذا كانت هناك فوائض في الخزينة، فيجب أن تعود للناس لأنهم أقدر على صرفها من الخزينة، والآن بدأ يتكلم عن دور القطاع العام في تحفيز الاستثمار والحفاظ على المؤسسات الخاصة، وبما يشكل عودة إلى كل الأدوار الأساسية التي كانت للقطاع العام، وطبعاً دون إجحاف بالفكر الرأسمالي.  

ضمن المنهجيات الموجودة في النظام الرأسمالي هناك المدرسة الكلاسيكية التي تقول بأن القطاع الخاص هو من يتولى كل شيء، وهناك من يقول إن السياسة النقدية هي الأهم.. والآن توقفنا عن الحديث عن السياسة النقدية، خاصة وأن مؤشرها وهو سعر الفائدة قد هبط إلى الحضيض.. ولا أدري إلى أي مدى أكثر من ذلك يمكن أن يهبط حتى يحفز..  

ولذلك بدأ الأميركيون يتحدثون الآن ضمن منهج السياسة المالية، وهو ما يعني العودة إلى منهجية الكينزية وجذورها، وهذا في تقديري تغير كبير في الفلسفة.  

الآن هذا الكلام يعني أن هناك اعترافاً بالانكماش الاقتصادي، وليس الكساد، حمانا الله منه والذي انعدم معه الاستثمار والإنفاق والوظائف وأصبحت العملة غالية جداً لأنها نادرة وعاد الناس بسبب ذلك إلى أسلوب المقايضة في الشراء والبيع.  

هذا التراجع كان في الأصل موجوداً وكان الحديث يدور حول مدى عمقه، أما الآن ونتيجة الأزمة فيبدو أن الكثيرين قد لجأوا إلى الحذر الشديد وتجنب المخاطر، ومن هنا، وفي ظل هذه الظروف وفي ظل الحمية الوطنية وشعارات من مثل (كن أميركيا واشتر بضاعة أميركية) إلى جانب الدعوات لعدم الشراء من الخارج أو توظيف غير الأميركيين.. بدأنا نشهد تلك العودة إلى كل رموز السياسات التي تخالف المنهجية (التاتشرية - الريجانية) التي ظل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يبشران بها لأكثر من عشر سنوات.  

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، هو حول مدى تأثير ذلك على سياسات الدول النامية.. هل سيظل الأردن مثلا ضمن برنامج التصحيح الاقتصادي، أم هل سيعود للحديث عن زيادة الإنفاق الحكومي، وزيادة الاستثمارات الحكومية وإغلاق الباب أمام العمال الأجانب وغير ذلك؟  

 قد تكون العودة إلى "الكينزية" عودة لفترة محدودة؟  

ـ نريد أن نراقب .. وأتساءل هنا إذا كانت أميركا أعطت لنفسها الحق في ظل ظروف الأزمة التخلي عن المنهجية التي كانت تبشر بها. فلماذا إذًا لا تقر للدول الأخرى الخاضعة لبرنامج صندوق النقد الدولي اتباع هذه السياسات في ظروف الأزمات ؟ هذه نقطة تستوقفني الآن.  

من الصعب أن نحكم ما إذا كان هذا التغير في المنهجية سيكون على المدى الطويل، ولكن في ظروف الأزمة فإنه من الواضح أن هناك تحولاً في الأداء الاقتصادي، وهذا سيتم وضعه في أطر قانونية وستسن لأجله القوانين.  

 توقعاتك للاقتصاد في العالم؟  

ـ أعتقد أن هناك تحولاً في الأرزاق وفي الثروات من قطاع إلى قطاع آخر، بمعنى أنه لن يعود قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة في السنوات الخمس أو السبع القادمة هو من يقود حركة الاستثمار والانتعاش الاقتصادي، القطاعات التقليدية هي التي ستقود كصناعات الحديد والفولاذ، لأن التحول سيتجه إلى صناعات الأسلحة والصناعات الثقليدية والمواد الأولية. 

وهذه إجمالاً ستخلق طلبا كبيرا على صناعات التكنولوجيا المتطورة، وهذا سيستمر إلى فترة معينة، باعتقادي أنها لن تزيد عن 10 إلى 15 عاماً، وستنتهي عندما تكون أميركا قد طورت بعض النواحي التكنولوجية التي تضمن لها التفوق، والدخول إلى السوق العالمية بمنتجات تقنية عالية التفوق مثل تقنيات super conductivty (الموصلية الفائقة) أو semi conducters (أشباه الموصلات) أو Biochips (الشرائح الحيوية) أو Genetic eng. (الهندسة الوراثية).  

 فيما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية الدولية، هل سنرى محاولات لإعادة توزيع الثروة، من أجل تحقيق عدالة أكبر للحد من ظواهر مثل الإرهاب والهجرة وغيرها، بمعنى هل تتوقع أن يقوم صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي بحل مشكلة المديونية العالمية أو على الأقل السعي لشطب ديون الدول الفقيرة؟  

- في هذا الموضوع، لن يتم خلق أو صياغة معادلات جديدة، وسيتم الحديث عن المعادلات القائمة بالفعل (قرار شطب ديون الدول الأكثر فقرا) ولكن تنفيذها ببطء وتلكؤ..  

مثلاً عملية إعفاء الدول الأكثر فقراً من ديونها، هناك قرار بشأنها، الآن سينفذ برأيي.. وسيجري تسريع التنفيذ.  

وأيضا سيعاد النظر في بعض المناطق التي كانت متروكة للصراعات الإقليمية دون أن يلتفت إليها أحد، وهذه سيتم إعطاؤها فرصة للنمو، فالعالم سيصبح بحاجة ماسة إلى الموارد. وفي بعض هذه المناطق دول تملك إمكانيات ضخمة، لكن ظروفها لا تسمح لها باستثمارها.  

السودان مثلاً، ليس بالضرورة أن يكون دولة فقيرة بحاجة إلى مساعدة.. فهوا إذا سمح له أن يتمتع بفترة هدوء نسبي مع وجود مساعدات تكنولوجية خارجية تنظيمية، فإنه يستطيع أن يطور مياهه وأراضيه الزراعية وبلا حدود، ويستطيع أن ينتج لحوما ومنتجات حقلية تكفي العالمين العربي والإسلامي.  

هناك انتباه الآن إلى هذه الدول، وهناك نظرة مستقبلية مستنيرة للدول الغربية إليها، فالدول الغربية تريد أسواقاً للتكنولوجيا، والفقر لا يتناسب مع الطلب على منتجات التكنولوجيا، ومن يقبلون على هذه المنتجات هم من الفئات المتوسطة.. فالطبقة الفقيرة لا تشتري الهاتف المحمول والسيارة.. ومن هنا فإن مثل هذه المنتجات تتطلب خلق تنمية اقتصادية في الكثير من مناطق العالم، ولهذا أعتقد أن برامج الإغاثة ستتحسن وتزداد.  

 الحديث عن تجفيف مصادر الإرهاب وسن قوانين بهذا الصدد، كما الحديث عن عمليات تبييض الأموال وغيرها، وكل هذا مترافق مع هجمة عنصرية ضد العرب والمسلمين، برأيك هل هناك مخاوف حقيقية على الاستثمارات العربية الإسلامية في العالم، وبماذا تنصح؟ 

ـ أعتقد أن الوطن العربي مطالب الآن بوضع قانون استثمار موحد يحترمه الجميع، ويكون قادراً على جذب الاستثمارات العربية التي أعتقد أنه لن يكون مرحباً بها في الخارج.  

ونحن نسمع الآن عن بلايين من الأموال التي تضيع أو تتم خسارتها في الخارج، وأن أصحابها ربما لا يستطيعون الوصول إليها، وأعتقد أن كثيرا من المستثمرين العرب لن ينسوا احتمالية مصادرة أموالهم في الغرب بحجة محاربة الإرهاب.  

وفي تقديري يجب أن يوضع على المستوى العربي قانون استثمار موحد يحترمه الجميع، وتكون فيه معايير معينة تعطي طمأنينة للمستثمر العربي حيثما استثمر في الوطن العربي، وكذلك أن يكون هناك تشجيع لهذا الاستثمار فنحن بحاجة ماسة له، وهو في نفس الوقت لن يكون مرحباً به كثيراً في الغرب.  

---------------------- 

الدكتور جواد العناني: 

يحمل شهادة ماجستير من جامعة فاندربيلت ودكتوراه في الاقتصاد من جامعة جورجيا في الولايات المتحدة الأميركية.  

شغل العناني مناصب وزير العمل، وزير التموين، وزير الصناعة والتجارة والسياحة في الحكومة الأردنية بالإضافة إلى ترؤسه للجمعية العلمية الملكية. 

وفي عام 1985 أسس العناني مركزاً للدراسات تعنى بالقضايا الاقتصادية والاجتماعية ويقدم استشارات للشركات الأردنية والعربية بالإضافة إلى المنظمات الدولية. ويعد المركز أيضاً دراسات بشأن الاستثمارات والجدوى الاقتصادية للمشاريع الجديدة.  

كذلك شغل العناني منصب وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء ووزير الإعلام في الحكومة الأردنية في الفترة ما بين عامي 1993 و 1995، وكان عضوا في مجلس الأعيان الأردني منذ عام 1993م ومستشاراً لسمو الأمير الحسن بن طلال، ورئيسا للديوان الملكي الأردني.  

كان العناني عضواً في الوفد الأردني المفاوض في مباحثات السلام مع إسرائيل منذ عام 1991، وعمل كمنسق للوفد المفاوض في الفترة ما بين عام 1993 و 1995م .  

ألف العناني ثلاثة كتب وله العديد من المقالات—(البوابة)  

مواضيع ممكن أن تعجبك