الديمقراطية ومكونات المجتمع المدني

تاريخ النشر: 28 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمان – نزيه أبو نضال 

 

قال هاني الدحله رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان في الأردن:" إن الديمقراطية لن تكون حلاً في واقعنا العربي، إذا لم يرتبط التطبيق الديمقراطي بإنجاز هدف الوحدة.. ذلك ان الدول الصغيرة والمفتتة لن تكون مؤهلة لبناء مشروع حقيقي للدولة وللمجتمع المدني". 

جاء ذلك في محاضرة ألقاها الدحله في ندوة حول الديمقراطية عقدت مساء الثلاثاء ضمن فعاليات ورشة العمل الفكرية حول "قضايا النهضة والتنوير"، التي شارك فيها الدحله والباحث الأردني حاتم رشيد. 

وكانت محاضرة الدحله بعنوان "الديمقراطية"، فيما اختار رشيد لمحاضرته عنوان: "تأملات في المجتمع المدني". 

وابتدأ الدحله بتعريف ماهية الديمقراطية فقال: "لعل أقدم تعريف للديمقراطية، وهو تعريف توارثناه عن أيام الاغريق وحتى الآن، هو القول بأن الديمقراطية حكم الشعب بالشعب وللشعب... 

وطبعا المقصود بهذا التعريف / هو ان الشعب مصدر السلطات. فهو الذي يختار الحاكم.. وهو الذي يعين له سلطاته.. وهو الذي ينتخب من يراقبه ويضع حدا لسلطاته ويحاسبه على أعماله.. وهو الذي يعين حدود وصلاحيات السلطات التي استقرت فيما بعد على ثلاث سلطات / هي التنفيذية والتشريعية والقضائية" 

ولأن معرفة الظاهرة الفكرية لا تفهم تماماً إلا في سياق تطورها التاريخي توقف الرحلة عند أبرز المراحل التي مرت بها فقال: 

"بداية لا بد من الاعتراف بأن الديمقراطية مفهوما وتطبيقات هي انتاج غربي.. وأكبر وأقدم ديمقراطيين معروفين على مستوى العالم / هما بريطانيا وفرنسا.. ومن هاتين الدولتين انتشرت التطبيقات والمفاهيم الديمقراطية التي أرساها البرلمان البريطاني خلال مسيرته الطويله.. والثوره الفرنسيه وما جاء بعدها من أنماط حكم. 

وقد ساهمت دول أوربية أخرى مثل المانيا وايطاليا وبلجيكا وغيرها من الدول الأوروبية في اغناء التجربة الديمقراطية بالدراسات والنظريات الفلسفية والقانونية.. التي طورت الديمقراطية حتى وصلتنا بمفاهيم حديثة هي التي نحن بصدد البحث فيها" وأضاف الدحلة: "ورغم أن الديمقراطية أصبحت في العصر الحاضر منتشرة في كافة بقاع الدنيا وأصبحت معظم دول العالم تزعم أنها دول ديمقراطية الا أن واقع الأمور بل أن طبيعة التجارب الديمقراطية تجعل الديمقراطية حتى في حالة تطبيقها فعلا هي ديمقراطية نسبية" موضحاً بأن الدول التي تدعي ممارسة الديمقراطية وفق دساتير وضعتها وبإجراءات ادعت انها ديمقراطية.. لا تزال الأوضاع فيها بعيدة عن المفاهيم الديمقراطية الصحيحة".. 

بعد ذلك انتقل الدحلة إلى التجربة العربية في حقل الممارسة الديمقراطية، محاولاً تفحص الأساس المادي والفكري لهذه التجربة فقال "وفي ما يخصّ العرب والتحوّل الحضاري لا بدّ من التمييز بين المستوى المادّي للحضارة ومستواها الفكري أو الثقافي. والبتّ في المستوى الأوّل ليس بعسير. إنّ العرب، أعني كلّ الدّول والمجتمعات العربيّة، بل كلّ دول العالم بصدد تحوّل حضاري سواء كمساهمة فيه أو موضوعا له. إذا اعتبرنها أنّ العالم دخل طور ما بعد الصناعة وأنّ هذا الطّور تميّز بالعولمة والشمولية (Mondialisation-Globalisation) فمن البديهي أن نسلم بأنّ العرب كغيرهم يعيشون تحولا حضاريا. لكن النظر في مسألة التحول الثقافي لا يؤدي إلى نفس الاستنتاج ويصعب الجزم بأن العرب –ككل- بصدد تحول ثقافي إذ لا بد على هذا الصعيد من التمييز بين الدول والمجتمعات العربية ويمكن القول إجمالا إن منها من تخطى منذ زمن خطى التحول الثافي ولا يزال ومنها من لم يفعل أو فعل بحذر مفرط. وخلاصة القول إنه سواء اعتبرنا الحضارة بمعناها المادي أو الفكري لا نجد للعرب موقعا خاصا متأتيا من عروبتهم. فالعولمة شملت كل الشعوب عربية كانت أو لا كما أن ليس للعرب موقعا خاصا تجاه التحول الثقافي إذ بينهم اختلاف كبير بل جوهري أحيانا."  

ويخلص الدحله انه على اساس هذه التأسيسات السلبية المادية والفكرية في مكونات الواقع العربي فقد انتهت الامور الى أن اوضاع الحكم في معظم افكار الوطن العربي هي اوضاع غير ديمقراطية.. وتتسم بالفردية والشمولية والاستبداد وغياب التعددية السياسية ومؤسسات المجتمع المدني وانتهاك حقوق الانسان.  

واضاف "ومع ذلك فمعظم إن لم نقل جميع هذه الافكار تدعي انها تتمتع بالديمقراطية، وان الحكم فيها ديمقراطي أو اسلامي قائم على الشورى". 

تأملات حاتم رشيد 

في ورقة البحث الثانية المعنونة باسم "تأملات في المجتمع المدني" اشار الباحث حاتم رشيد بأن اهمية طرح مسألة المجتمع المدني قد تعاظمت مع انهيار الاتحاد السوفياتي، أي بما يعني ضرورة توفر اسس ديمقراطية سليمة في المجتمع لتوفير الحماية الضرورية له من عوامل التفتت والتخريب الداخلي والخارجي. 

بعد ذلك انتقل حاتم رشيد الى مكونات المجتمع المدني "يشمل الهيئات والروابط والتنظيمات الممتدة بين نقطتين متباعدتين هما الاسرة والدولة. وعلى طول هذه المسافة تظهر الاحزاب، النقابات، الروابط النسائية، النوادي، وسائل الاعلام غير الرسمية والشخصيات العامة المستقلة عن التوجيه الرسمي. 

وتتميز هذه التشكيلات بانها مبنية على التطوع والاختبار للاعضاء، بهدف الدفاع عن مصالحهم المادية والمعنوية بصفتهم الفردية والاجتماعية والوطنية. 

ويمسي هيجل مجموع العلاقات الحياتية المادية بالمجتمع المدني". 

وحول تاريخية المجتمع المدني قال "اذا اعتمدنا ماركس فانه يشير الى ظهور المصطلح في القرن الثامن عشر الفيلسوف الاسكتلندي ادم فرجسون يسأل في كتابه "مقال في تاريخ المجتمع المدني" كيف يمكن للمجتمع ان يحمي نفسه من خطر عسكرة نظامه السياسي بمعنى خطر طغيان الدولة على المجتمع واعتماد الاوامرية والايعازية في التعامل معه. 

ان المدنية تبدو نقيضاً للعسكرة نقيضاً لتدخلية الدولة المفرطة. 

وبما يؤول الى التحضر والتمدن، فهو نقيض العسكرة الدولية." 

وبعد ان استعرض المفاهيم المتعددة لمكونات المجتمع المدني واشتراطاته، ومن مختلف المناهج والمدارس الفكرية والفلسفية خلص حاتم رشيد الى القول بأن الحاجة ماسة لمجتمع مدني من اجل التنوير الثقافي وهو الموضوع الرئيس للمسألة، واضاف وبدون ذلك فهناك "كتلة بلا أفق مبدع.. كتلة يستقر تفاعلها في طوابق العقل السفلى، وربما في الهزل الثقافي الذي يتجلى فيما نراه من ركاكة وسطحية وتزوير حقيقي لصفة المثقف، إذ يتم اليوم احتلال المناصب والمنابر من قبل اميين طفيليين لا علاقة لهم بالثقافة إلا من زاوية جهلها ومعاداتها وتقبيحها." 

وختم رشيد ورقته بالقول : "إن أي فساد يمكن أن يكون محدود التأثير، أما الفساد والافساد الثقافي فتأثيره تدميري، وهو يصل بسرعة الضوء الى الجوهر الحقيقي للمجتمع ليصيبه في الصميم، مدمراً وباحثاً في الحياة روح الموت" 

وتتواصل فعاليات الورشة الفكرية حول قضايا النهضة والتنوير في الساعة السادسة من مساء اليوم في رابطة الكتاب الأردنيين وتستمر هذه الفعاليات الى يوم مساء غد الخميس--(البوابة)