الرئيس الإسرائيلي: السلام في الشرق الاوسط قريب

منشور 15 أيلول / سبتمبر 2000 - 02:00

القدس – احمد رافت  

 

كان انتخاب موشيه كاتساف رئيسا لإسرائيل أمرا لم يتوقعه سوى قلة من الناس، السبب الأول والأهم، لأن منافسه على منصب الرئاسة هو شيمون بيريز، رجل الدولة ذو الخدمة الطويلة وأحد افضل الشخصيات في إسرائيل. لكن كاتساف الدخيل دخل السباق إلى الرئاسة وهو يعاني من نقطة ليست في صالحه، وتتعلق بمنبته الأصلي، حيث أنه من مواليد إيران قبل 59 عاما، وأنه ينتمي إلى اليهود السفرديم القادمين من الشرق، والذين لم يحظوا تقليديا بالكثير من السلطة على المسرح السياسي الإسرائيلي، فقد كانت جميع الوظائف العليا في الحكومة تذهب في السابق لليهود الاشكنازيين ذوي الأصول الأوروبية.  

فوز كاتساف المفاجئ كان حدثا تاريخيا، ليس لأنه أول يهودي من السفرديم يتولى رئاسة البلاد وحسب، بل لأنه أول رئيس يعين من الموجة الثانية من المهاجرين الى إسرائيل.  

فخلافا لجميع أسلافه الذين جاءوا إلى البلاد قبل قيام اسرائيل، فان كاتساف وعائلته لم يأتوا الى البلاد الا بعد سنوات من قيام الدولة، في عام 1951.  

لم يأت كاتساف وعائلته الى اسرائيل من موطنهم الاصلي إيران لأسباب عقائدية أو دينية، بل بهدف تحسين أوضاعهم المعيشية. وينتمي الرئيس الإسرائيلي الجديد لأسرة متواضعة، فهو الوحيد من بين أفراد الأسرة الذي أتيحت له فرصة الدراسة في الجامعة، ويعود الفضل في ذلك الى اصرار والدته وتضحياتها. هنا، قرأ التاريخ، وكان في الوقت ذاته يتابع اهتماما مبكرا لديه بالسياسة.  

على الرغم من مشكلة انتمائه إلى اليهود السفرديم، تمكن كاتساف من تدبر أمر انتخابه رئيسا لبلدية كريات مالاخي، إحدى ضواحي تل ابيب، وهو مازال في العشرين من عمره، وهي ضاحية كان ما زال يقيم فيها حتى يوم انتقاله الى قصر الرئاسة. وفي مرحلة لاحقة، انضم كاتساف الشاب لليكود، وهو تجمع من الاحزاب اليمينية في اسرائيل. أما الوظائف التي تولاها لاحقا، بعد أن انتخب عضوا في الكنيست الاسرائيلي فشملت منصب وزير النقل، ووزير السياحة، ثم منصب نائب رئيس الوزراء في حكومة بنيامين نتنياهو الليكودية السابقة.  

لم ينس كاتساف أو عائلته أصولهم الإيرانية، ويقول الرئيس الاسرائيلي الايراني المولد، "بعد 50 عاما هنا في اسرائيل ما زالت والدتي تتحدث الفارسية، وتطهو الاطعمة الفارسية ، وتستمع الى الموسيقى الفارسية، وتقرأ الصحف الفارسية، وهي تشاهد التلفزيون الايراني عبر الستالايت". قال هذا في أول مقابلة صحفية يدلي بها لصحيفة غير اسرائيلية.  

وبينما هو يرشف الشاي الذي أعد حسب الطريقة الايرانية، تحدث الرئيس كاتساف، الذي ما زال يتحدث الفارسية بنفس الطلاقة التي يتحدث بها العبرية، عن عمله الجديد وآماله ومخاوفه حو الشرق الاوسط.  

* أنت أول يهودي من السفرديم يجري انتخابه رئيسا لاسرائيل. فهل يعني ذلك أن اليهود الشرقيين يثأرون لأنفسهم في النهاية، أم أن الأمر مجرد إشارة على تحسن ميزان القوى بين الطائفتين؟ 

_ أنا انتمي إلى اليهود السفرديم. لا أنكر وجود حساسيات بين اليهود الشرقيين والغربيين في بلدي، لكن انتخابي بمثابة محاولة لتوحيد الانقسامات داخل المجتمع الإسرائيلي.  

فنسبة كبيرة من أعضاء الكنيست الذين انتخبوني هي من الاشكناز. لم تنتخبني طائفة معينة، فلو كان الأمر كذلك لما حصلت على أصوات كافية. ويصح الأمر ذاته بالنسبة للتقسيمات السياسية ما ين اليمين واليسار، والتقسيمات الدينية، بين اليهود المتدينين وغير المتدينين."  

أعتقد أن لانتخابي معنى مختلفا. فأنا المهاجر الوحيد الذي جاء إلى البلاد بعد تأسيس دولة إسرائيل ليصبح المواطن الأول فيها. وهذا يعني أن إسرائيل قد استوعبت الحقيقة الجديدة وقررت أن في وسعي أن أمثل بشكل أفضل النسيج الاجتماعي في البلاد. الدولة ومؤسساتها تكرس جل اهتمامها لتوحيد المجتمع الإسرائيلي".  

*كنت في الحكومة اليمينية السابقة، التي كان يرأسها بنيامين نتنياهو، نائبا لرئيس الوزراء. فكيف تخطط للتوفيق بين كونك ليكوديا ورئيسا للحكومة الحالية، التي يرأسها العمالي ايهود باراك؟  

- انتخابي كان ممكنا، جزئيا، بفضل أصوات أعضاء الكنيست من الائتلاف الحالي المؤيد لحكومة ايهود باراك. ومن أصل 17 حزبا ممثلة في الكنيست الحالي، انتخبني نواب يمثلون 16 حزبا. يجب ألا ينظر إلى انتخابي على انه انتصار للمعارضة، أو كثأر لليمين من اليسار. أو أن الجماعات المتدينة قد فازت على غيرها، أو أن اليهود السفرديم قد انتصروا على الاشكناز.  

الحقيقة مختلفة جدا. ففي اليوم الأول الذي انتقلت فيه من منزلي الخاص إلى قصر الرئاسة، وضعت أفكاري السياسية في درج وخبأته في خزانة. أنا امثل جميع الإسرائيليين من اليمين واليسار، متدينين وغير متدينين، سفرديم واشكناز والعرب الإسرائيليين أيضا. غالبا ما ينسى الناس أن حوالي 20 بالمائة من سكان إسرائيل هم عرب يحملون الجنسية الإسرائيلية.  

*دعنا نتحدث عن سبب آخر للانقسام في المجتمع الإسرائيلي:  

الدين. لقد أثارت حكومة باراك قضية إعادة النظر في الدستور الحالي الذي قد يفصل بشكل واضح ما بين الدين والدولة ، فما رأيك في ذلك؟  

يعيش في إسرائيل أناس جاءوا من اكثر من 70 دولة وخمس قارات. بلدنا يضم تشكيلة واسعة من الثقافات والاختلافات الاجتماعية واللغوية. إنه مجتمع معقد للغاية. لكنه مجتمع غني جدا من وجهة النظر الثقافية. لكن هذا الغنى غالبا ما يكون سببا في انقسامات عميقة. اليهود الذين جاءوا إلى إسرائيل بعد الحرب العالمية الأولى يختلفون اختلافا كبيرا عن اليهود الذين جاءوا قبل بضع سنوات، بعد سقوط الإمبراطورية السوفياتية. وبالشكل ذاته، فان المثل التي جلبتهم مختلفة أيضا، وكذلك نظرتهم إلى المجتمع، والسياسة، والاقتصاد، والدين. توقعات اليهود القادمون من الدول الإسلامية مختلفة عن توقعات اليهود الذين عاشوا في الغرب. بعضهم جاء من دول يحكمها ديكتاتوريون، بينما جاء الآخرون من دول ديمقراطية. لقد جلبوا معهم خبرات مختلفة وثقافات مختلفة. هدفنا.. وهو تحد يستحوذ على اهتمامنا كله.. هو بناء مجتمع يجد فيه جميع هؤلاء الناس مكانا لهم. كان يمكن أن تكون الأمور أسهل بكثير لو لم نكن نقاتل من أجل بقائنا. علينا ألا ننسى أن بعض جيراننا لم يعلنوا أبدا نهاية للحرب بيننا . وكما ترى فإن كل شيء يقسمنا هنا، بما في ذلك التوقيت، والطريق نحو السلام مع العرب. أتمنى أن أكون رئيسا لكافة الناس ، على اختلافهم، والذين يشكلون دولة إسرائيل.  

 

 

 

* يبدو أن القدس ما تزال في صلب الخلاف بينكم وبين الفلسطينيين، هل يمكن الوصول لأي حل وسط حول مستقبل هذه المدينة؟  

- ليس هناك أي حل وسط أفضل من الوضع الحالي. إن الوضع الراهن الحالي هو الضمانة للأديان التوحيدية الثلاثة (الاسلام، المسيحية، واليهودية) وحق العبادة وزيارة الأماكن المقدسة الخاصة بهذه الأديان.  

خلال الألفي سنة الماضية، وحتى قبيل حرب الأيام الستة عام 1967، كان واحد أو اكثر من هذه الأديان الثلاثة يحرم من هذه الحرية.  

حرية العبادة هذه لم يكن لها سابقة في تاريخ القدس، لذا فإنني لا أرى لماذا يجب علينا أن نغير شيئا ما زال ساريا بالفعل. وبصراحة، فإنني لست مقتنعا على الإطلاق بأن المسيحيين يرغبون حقا بوضع مصير أماكنهم المقدسة في أيدي زعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات.  

وبالنسبة لي، سأفعل كل شئ لأضمن أن المسلمين والمسيحيين سيتمتعون دائما بحرية العبادة وحرية الحركة في القدس، وسأعارض أي شخص يحاول أن ينكر هذه الحرية على المسلمين والمسيحيين وبالطبع اليهود.  

 

 

* هل تعتقد إذا ما وضعنا جانبا قضية القدس الشائكة، أن بالإمكان الوصول إلى اتفاق مع الفلسطينيين في فترة زمنية قصيرة نسبيا؟  

- أكيد تماما، فقد حقق الفلسطينيون كافة أهدافهم التاريخية، كما أن الإسرائيليين مستعدون للسلام. لقد حصل هناك تغيير جذري بأسلوب تفكيرنا، ففي السبعة أعوام الماضية لم يكن هناك أي إسرائيلي على استعداد لأن يقابل ياسر عرفات أو يتحدث معه، ناهيك عن مصافحته.  

لكن القرار التاريخي لرئيس الوزراء آنذاك اسحق رابين، (والذي اغتيل لاحقا بسبب مبادرته عام 1995 على يد يهودي متطرف) بلقاء ياسر عرفات في البيت الابيض، والتحدث معه وتوقيع اتفاق ومصافحته، كل ذلك غير كل شئ.  

أما اليوم فان نحو 98% من الفلسطينيين يعيشون في أرض يسيطر عليها ياسر عرفات بينما نحو 2 بالمائة فقط يعيشون في المنطقة التي يسيطر عليها الجيش، هذه خطوة هامة بلا شك. بالطبع فان هاك قضايا أساسية كقضية القدس والحدود النهائية يجب أن تحل على أن الحصة الكبيرة من هذا العمل استكملت، وما أود رؤيته الآن أن ينبذ ياسر عرفات العنف للأبد.  

 هل تعتقد أن ياسر عرفات لا يزال يرى في العنف بديلا للحوار؟  

- لست أنا الذي اعتقد ذلك، إنه يقول ذلك بنفسه، ولقد قال مؤخرا بأنه إذا لم تستجب إسرائيل بصورة إيجابية لمقترحاته، فانه يحتفظ بالبديل..  

هل يمكن أن يكون هذا البديل شيئا آخر غير العنف والإرهاب؟ لم أسمع ياسر عرفات، خلال السبع سنوات التي مضت منذ توقيع اتفاقات أوسلو يقول للفلسطينيين عبر التلفزيون أو الراديو، "أيها الأبناء لقد بدأت مرحلة جديدة، فلندعو لإيقاف العنف والإرهاب." 

لم يتردد الرئيس المصري أنور السادات قبل عشرين عاما بالدعوة للسلام ونبذ العنف، لكن عرفات يستمر بالتهديد باستخدام العنف كأداة لممارسة الضغط من خلالها، والأمر السيء هنا هو أنه لا أحد في الغرب يفكر بأن يخبر هذا الرجل بأننا لم نعد نعيش في زمن أقاصي الغرب، بل إننا نعيش هذه الأيام في عالم يتم فيه حل المشاكل بالجلوس حول مائدة المفاوضات.  

* يبدو أن الولايات المتحدة في عجلة من أمرها لإغلاق ملف الشرق الأوسط. ألن يعرض الضغط الذي يمارسونه العلاقات الإسرائيلية والتي كانت دائما ممتازة للخطر؟  

- بالتأكيد لا، فقد تكون هناك خلافات بالرأي بين الأصدقاء، لكن على كل واحد أن يحترم الآخر دائما. اعتقد بأنه لم يكن ممكنا لهذه العملية (السلمية) أن تنطلق دون تدخل الولايات المتحدة. لكن في نهاية الأمر نحن الإسرائيليون وحدنا الذين باستطاعتنا أن نقرر نوع السلام الأفضل لنا، لأننا نتحدث عن بقائنا وليس عن بقائهم.  

قد نختار التشاور مع الأميركيين وتبادل الأفكار معهم، لكنهم لا يستطيعون أبدا فرض قراراتهم علينا، ولا أظن أنهم يريدون ذلك. يجب أن نقرر نحن الإسرائيليون وحدنا ماذا سيحدث، والولايات المتحدة تحمل احتراما كبيرا لنا لا يدفعها لمحاولة إخضاعنا.  

* لقد راقبت أوروبا حتى الآن عملية السلام من جوانبها. ألا تعتقد بأنها يجب أن تضطلع بنصيب أكبر من المسؤولية وتصبح مشاركة بها؟  

- إننا نطل على نفس البحر تمام كالأوروبيين وهذا ما يجعلنا جيرانا، سواء أردنا ذلك أم لم نرد. يمكن لأوروبا أن تكون مفيدة جدا في عملية السلام، لكننا يجب أن نكون على وعي بأن كثرة الطباخين تفسد الحساء.  

إن الأميركيين يضطلعون بدور القيادة في عملية السلام في الشرق الأوسط وقد يؤدي إشراك أوروبا على أعلى المستويات إلى إطلاق نوع من المنافسة والذي قد يؤدي إلى تعريض كل شئ للخطر.  

لقد طرأ مؤخرا تحسن كبير على الموقف الأوروبي فيما يتعلق بالشرق الأوسط، ولكننا يجب أن لا ننسى أن أوروبا منحت الفلسطينيين دعمها بصورة خاصة عبر السنين، ولقيت نداءاتنا المستمرة بعدم وضع ظهورنا بمواجهة الحائط آذانا صماء.  

إذا كانت أوروبا تريد دورا فنحن نرحب بأن يكون لها ذلك ولكن بشرط أن تتعهد بأن تكون عادلة وإيجابية.  

 

 

* لقد ولدت في ايران، ولنكون أكثر دقة في مدينة يزد (في وسط إيران) وهي مسقط راس نظيرك ، الرئيس الحالي محمد خاتمي، وترأس إيران الدول التي تعارض عملية السلام.  

- "أنظر بتفاؤل كبير نحو البلد التي ولدت فيه. لا يزال ارتباطي بإيران قوة جديدة، وأرى لزاما علي القول أن في إسرائيل احترام كبير جدا لتاريخ وحضارة هذه الأمة العظيمة. وتعود العلاقة بين اليهود وإيران إلى آلاف السنين، ولذا فان العشرين سنة الماضية لا يمكن اعتبارها سوى ثغرة صغيرة لا تبعث على السرور. 

عندما كانت الثورة الإيرانية في أوجها، سألت صديقا إيرانيا يعمل في السلك الدبلوماسي عما ستؤول إليه العلاقات بين البلدين (إيران وإسرائيل) إذا ظفر آية الله خميني بالنصر. أخبرني صديقي أن الروابط بين البلدين سيلحق بها الضرر، ولكن هذه العلاقات ستستأنف بعد العشرين أو الخمسة وعشرين عاما القادمة.  

وكان الصديق الإيراني محقا، فعلا، فإننا سنعود مرة أخرى عما قريب. لا يوجد نزاع بين بلدينا، كما أن السياسات التي تتبناها حكومة طهران الحالية لا معنى لها. إن موقف إيران يفتقر تماما إلى المنطق ولذا فانه لن يدوم".  

* إيران متحالفة مع سوريا، البلد الذي توقف معه الحوار.  

- سوريا مستعدة للاعتراف بإسرائيل وسيستأنف الحوار معها قريبا. لم ينقطع الحوار بيننا بسبب أنه لم يكن بمقدورنا الاتفاق على قضية سهلة كمسألة تثبيت الحدود عشرة أمتار (أو ياردات) في هذا الجانب أو ذاك. إن السبب الذي أدى إلى توقف كل شئ كان خوف الزعيم السوري الراحل من أن يجد نفسه أمام سيناريو جولان آخر بين يديه مع ما يصاحب ذلك من مطالب تدعو إلى المزيد من الحرية أو ديمقراطية أكبر.  

ولحسن الحظ، فان ابنه بشار (الذي تسلم مقاليد السلطة بعد وفاة والده في وقت سابق من هذا العام) لا يشاطر والده هذه المخاوف. وبسبب ذلك، فإنني متفائل جدا. أن الشرق الأوسط هو الآن على طريق السلام. وسنقوم قريبا بسحب فرقنا الرياضية من البطولات الأوروبية لأننا نفضل رؤيتهم وهم أمام الفرق العربية والآسيوية".  

مواضيع ممكن أن تعجبك