استضافت دارة الفنون في عمان مساء أول أمس الروائي والقاص العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي وذلك في إطار البرنامج الذي تقيمه الدارة تحت عنوان "آداب وفنون وادي الرافدين".
وقدم الربيعي خلال ذلك شهادة إبداعية عن تجربته الكتابية بعنوان "تداعيات خارج بيت الطاعة أيضا".
وقد نوه الربيعي في مطلع شهادته أنه سبق وأن كتب حوالي ثلاثين شهادة نشرها متفرقة في كتبه، وأوضح أنه لم يسبقه كاتب عربي في فكرة جمع شهادته في كتاب.
واعتبر الربيعي الكتابة أشبه بالنبتة البرية، تأخذ مداها علوا أو امتدادا عن الأرض، فهي ليست نبتة يشذبها المقص وكأنه يمنحها مساحة محدودة لا يمكن ان نتعداها.
وأضاف: "إن الفكرة قد تبدأ بشكل مجرد، بعيد، لكنها بمرور الوقت، تتضح معالمها، آنذاك يصبح بإمكاننا ان نكتب وعندما نكتب فإن روح النبتة البرية تحل فينا، ويلقى مقص التشذيب، ويبدأ النص بأخذ مداه، يتنفس ملء رئتيه ويلتهم ما شاء من الكلمات ومن مساحات الورق".
وفي حديثه عن جيله قال إنه من جيل فتح عينيه على الخوف، وكان هذا الخوف ملخصا بكلمتين زاجرتين هما: "عيب"و"حرام"، وأضاف:" بين العيب و الحرام عشت طفولتي فأذعنت مرغما، وأنا من يحمل في داخله نيرانا، لقد كانت أحاديث الجنة والنار ترعبني، وكنت أحاول البحث عن جواب: هل سأحرق يوما ان اقترفت هذا العمل؟"
وتدرج الربيعي في حديثه عن حياته موضحا وبشكل تفصيلي أيام دراسته في بغداد، وقال:" لقد أدركت مبكرا أنني أستطيع أن لا أذعن إلى بيت الطاعة، هذا الذي تفرضه ذائقة أدبية سائدة حيث اعتبرت مسألة الشعر الحر خروجا عن بيت الطاعة". وأوضح الربيعي أن الخطوط تداخلت، وأصبح لا بد من أن ينتفض المبدع الشاب على السائد والمتوارث، وأن لا يذعن له ويدخل بيت الطاعة، لأنه إن دخله من الصعوبة عليه أن يغادره إلا مشوها.
وأشار الربيعي في حديثه إلى القراءات الجاذبة له مشيرا الى قراءاته لجبران خليل جبران، ونجيب محفوظ، وطه حسين والعقاد.
وقال عن المشهد الأدبي الذي واكبه أنه يتشكل له بما يشبه (بيت الطاعة) الذي يهدد من يخرج عنه، وأكد أنه لا بد من هدم البيت كاملا، و محوه من الخريطة، ثم إزالة أنقاضه، لنبدأ بتشييد عماراتنا الأخرى المختلفة.
وفي حديثه عن نصه قال:" إن نصي بصري أيضا، ما دام الفنان التشكيلي لم يغادرني، وقد ألممت بجديد المدارس الفنية من الانطباعية حتى البوب آرت، واللصق، والسريالية، من خلال سبر اللوحات التي أشاهدها لا من خلال ما يكتب عنها".
وأضاف:" إنني أحقق قراءتي المختلفة، وبالتالي توظيفي لمختلف تقنيات هذه اللوحات، والتقاط ما فيها من تفرد لأعيد صهره في كلمات".
وأكد أن كل هذه الاستنتاجات بدأت أفكاراً منذ سنوات تلمذته في معهد الفنون الجميلة، وقد أخضعها هو للتساؤل، محاولا إنجاز نماذج تطبيقية، قدم مجموعة كبيرة منها.
وأشاد الربيعي بالدور الكبير للفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا الوافد مبكراً إلى بغداد ليكون من منشطي الحركة الأدبية والفنية على مدى نصف قرن.
وفي حديثه عن الرواية قال: "إننا عندما نقرأ ما يكتب في العالم من روايات رائعة، ولما ظهر من أسماء جديدة في العشرين سنة الأخيرة، فإن حالة من الإحباط ستصيبنا إذا قارنّا كتاباتنا بكتاباتهم، وهذا قد يدفعنا للتوقف والكف عن الكتابة، لكننا عندما نقول: لماذا لا نكتب رواياتنا بشروطنا نحن، و ننحي ذلك "الآخر" الذي يرعبنا ويشلنا، إن نحن أردنا اللحاق به، ونبدأ بدايتنا الخاصة المختلفة المتفردة التي تضيف ولا تكرر ما أنجزه هذا الآخر؟".
وفي حديثه عن اثر السياسة في كتاباته قال إنها إحدى السمات الأساسية فيها، وأشار إلى كونها مسألة ملحة في الكتابة العربية بشكل عام وخاصة السردي منها.
وأكد أنه تحت نير أنظمة حكم ديكتاتورية لا قيمة للإنسان فيها، حيث لا تزدهر إلا السجون والمعتقلات، تعمل أحذية العسكري وسطوة الأنظمة الشمولية على إخراس الكاتب ومحقه وتغييبه ، بدلاً من أن يكون ضميراً لوطنه، وأضاف أن المجتمع المدني غائب، والديمقراطية مزحة، فهي "ديموقراطية" الحاكم في أن يفعل ما يريد.
وتحدث الربيعي عن فجيعته عندما دخل الساحة الأدبية كمساهم بشكل مباشر عام 1964 من خلال الصحافة واللقاءات والندوات و اكتشف أسماء تحتمي بانتماءات مزعومة لهذه الجهة او تلك. وقال :"إن هناك خدعة اسمها الأسماء حيث يتم تلميع هذا واطفاء ذاك لا لسبب إبداعي بل لسبب حزبي،وبالتالي وجدنا أنفسنا ننخرط في حركة أدبية فيها من التزوير أكثر مما فيها من الحقائق".
وفي حديثه عن خرقه للمألوف في كتاباته قال:" إنني في كتاباتي السردية قد كتبت ما لم يكتب". مشيراً إلى روايته "الوشم" التي كانت مثار تساؤل عند صدورها عام 1972 .
وأكد في ختام شهادته أن الخارج من بيت الطاعة لا بد له أن يهد الجدران ويحطم أوثان الزور في أي مجال كان، وبدون ذلك لن يستقيم الأمر- -(البوابة)