كان رئيس البلدية شخصية فذة لا مثيل لها، يعطف على الناس ويحبهم، فيمهد لهم الشوارع وينشئ المشاريع، ويفتح لهم المستوصفات الطبية، ، ويفتتح المخابز والمطاعم، ويقضي الساعات الطوال في اختيار مناهج التعليم وتعيين المدرسين، ويسهر على راحتهم، يضرب بيد من حديد على من يحاول تقويض الأمن أو يهدد سلامة المدينة، وقد أحبه الناس حباً جماً وأصبح يلقب فيما بينهم بالزعيم.
ولكثرة ما أحبه الناس أرادوا أن يسمى كل شيء في المدينة باسمه فإذا ما افتتح دكاناً سموه دكان الزعيم وإذا ما دشن ممراً سمي الممر بممر الزعيم، كما سمي الشارع الذي يسكن به بشارع الزعيم والحديقة التي بجانبه حديقة الزعيم.
وقد قرر المجلس البلدي في أحد الأيام إقامة مراحيض عامة للشعب وظن الخطاطون جرياً على ما عهدوه أن اسمها سيكون أيضاً مراحيض الزعيم، فوضعوا في الموقع لافتة كتب عليها هنا ستقام مراحيض الزعيم.
غير أن عقلاء المجلس البلدي سارعوا إلى إزالة اللافتة، وسرحوا الخطاطين الغافلين من أعمالهم، وأحيل صاحب الفكرة إلى التحقيق، فكيف يمكن أن يقرن اسم الزعيم بالمراحيض، وكان لابد من اجتماع المجلس البلدي للنظر في هذا الأمر وكان الإشكال واضحاً إنهم يحبون زعيمهم ولا يريدون اسماً آخر غير اسمه في المدينة كلها، ولكن في نفس الوقت لا يليق أن تقرن المراحيض باسمه.
وهكذا انعقد المجلس البلدي عند الصباح، وكان اجتماعاً مغلقاً لا يفتح الباب خلاله إلا لطلب الشاي أو القهوة أو فيما إذا نفذت سجائر أحدهم، واستمر حتى الظهر، فجيء لهم بطعام الغذاء إلى غرفة الاجتماعات، وقد وقف موظفو البلدية كلهم عند الباب ينتظرون نتيجة الاجتماعات بينما تجمهر بعض من فئات الشعب عند بوابة البلدية وأيديهم ترتفع للسماء بالدعاء لكي يوفق الله المجلس البلدي باختيار اسم مناسب.
وقد استجيب لدعائهم فعلاً فخرج المتحدث الرسمي من الاجتماع وعلامات السرور والابتهاج على محياه، وقف على شرفة البلدية مخاطباً المخلصين من أبناء المدينة ليزف لهم الخبر لقد قررنا أن نسميها "مراحيض مؤخرة الزعيم"