عمان- نايجل ثورب
لم يكن من المتوقع أن تكون سويسرا المكان الذي يتم فيه توقيع مذكرة تفاهم لإيجاد تحالف طالما ظل مستبعدا بين فئتين لإضافة فصل جديد إلى البلد المنقسم على نفسه إلى شمال وجنوب.
وتحول صديق الأمس فيه إلى عدو.
فقد ورد خبر من سويسرا كما جاء في مقال لـ "البوابة" مفاده أن متمردي جنوب السودان والجماعة المنشقة عن الحزب الإسلامي الحاكم في الخرطوم، شمالي السودان اتفقوا على استخدام وسائل سلمية لإجبار الرئيس السوداني عمر حسن البشير على القبول بحكومة متعددة الأحزاب، وقد أدى التحالف المفاجئ إلى اعتقال الترابي، العراب المنبوذ للثورة الإسلامية في السودان.
إن الفوضى السياسية التي يعيشها السودان حاليا والمعركة التي يواجهها عمر حسن البشير لتشكيل قاعدة أوسع وأكثر استقرارا يمكن فهمها فقط من منظور الولادة غير الطبيعية لهذا البلد وتاريخه المضطرب، ويمكن تتبع المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعاني السودان منها حاليا منذ فترة الحكم الاستعماري للبلاد.. فالسودان شأنه في ذلك شأن المناطق
الإفريقية الأخرى التي كانت خاضعة للاستعمار، كان كيانا سياسيا وجغرافيا وعرقيا غير طبيعي صهرت فيه هذه الاختلافات نتيجة للحماس الملتهب الذي ظهر إثر الاستقلال. فبعد التحرر من عبء الاستعمار الأوروبي ناضلت أكثر من 500 جماعة عرقية مختلفة مع كل ما لديها من انتماءات إقليمية ودينية وقبلية متأصلة من أجل إيجاد هوية وأهداف جديدة لها في بلد واحد، ووفقا للتعليق الذي أورده ويليام لانغويش مؤخرا على شبكة أتلانتك فإن حدود السودان كما رسمها المستعمر البريطاني تبدو وكأنها تشجع على الاضطرابات، ففي السودان الذي تبلغ مساحته ثلث مساحة الولايات المتحدة لا توجد عمليا أية صناعات أو مصادر طبيعية باستثناء مياه الأنهار وبعض الاحتياطات النفطية غير المستغلة، أما الفقر والمجاعة والمرض فهي سمات متوطنة في السودان.
منذ القدم وحتى عصرنا هذا شكل الجزء الشمالي من السودان منطقة تعرف باسم النوبة، وقد بدأ نفوذ العرب ينتشر في شمال السودان منذ دخول المصريين إلى النوبة إبان حكم المملكة القديمة ( 2575- 2134) قبل الميلاد وبحلول عام 1550 قبل الميلاد تقلصت النوبة لتصبح مقاطعة مصرية، ومن الفترة بين عامي 1880- 1885 وبالرغم من استمرار الحكم المصري للمنطقة فإن البلاد أصبحت تحت الحكم البريطاني، وبين عامي 1877 و 1880م شغل الجنرال البريطاني تشارلز جورج جوردن منصب الحاكم والإداري للسودان المصري وحاول وضع حد لتجارة العبيد، وقد تغير المد السياسي مرة أخرى حينما ثأرت القوات الإسلامية عام 1883 وقامت بإبادة الجيش المصري في المنطقة، وبعد سنتين قام السودانيون بطعن الجنرال جوردن بالرمح وقطع رأسه حينما احتلوا الخرطوم وفي عام 1898 تمكنت حملة عسكرية مشتركة من القوات البريطانية والمصرية من العودة إلى السودان والسيطرة عليه بعد معارك دامية واستمرت السيادة المصرية والبريطانية المشتركة على السودان للسنين الخمسين التالية إلى أن أصبح بلدا مستقلا عام 1956.
قاوم سكان الجزء الجنوبي من السودان النفوذ المصري وبقيت حضارتهم وتقاليدهم ودينهم مخلصة لإفريقيا السوداء، التي تقع إلى الجنوب من منطقتهم. وفي عام 1972 أصبح جنوب السودان منطقة حكم ذاتي وفقا لاتفاقية أديس أبابا للسلام التي عقدت بين الحكومة السودانية وأنانيا، وقد برزت إمكانيات الجنوب الاقتصادية 1978 حينما اكتشف النفط في منطقة بنتيو وقد أدى التوتر المتصاعد إلى حرب أهلية أخرى في الجنوب وقامت الحركة الشعبية لتحرير الجنوب بقيادة جون غرنغ بمحاربة قوات الحكومة السودانية.
لذا فإن تاريخ هذا البلد ترك فيه أغلبية عربية في الشمال وشعبا إفريقيا أسود في الجنوب، ويعتبر 70% من السودانيين من المسلمين السنة وهم يعيشون في الشمال، أما باقي الـ 25% من السكان فهم يعيشون في الجنوب وهم مسيحيون أو يتبعون للديانات الإفريقية التقليدية مثل الروحانية، وبينما أن اللغة الرسمية في السودان هي اللغة العربية إلا أن سكان الجنوب يتحدثون خليطا من اللغات الإفريقية. ويواجه برنامج الحكومة السودانية الحالي والخاص " بالتعريب" مقاومة عنيفة من قبل الجنوبيين لأنهم فخورون بقوة بتراثهم الإفريقي، كما وأن محاولات الحكومة لفرض قانون الشريعة الإسلامية على غير المسلمين ساهم أيضا بإشعال المقاومة الجنوبية ضد الحكام والثورة المضادة. وبعد فترة وجيزة من الديمقراطية عام 1986 اجتاح السودان انقلاب عسكري غرس بذور الوضع الحالي بين إسلامي عسكري هو عمر البشير ومفكر إسلامي مدني هو الشيخ الترابي وقد شكل الاثنان حلفا قويا استطاعا من خلاله الإطاحة بحكومة المهدي المنتخبة في انقلاب أبيض.
وقد أعلن عن عمر البشير رئيسا لمجلس قيادة الثورة وظل رسميا حاكم السودان إلى أيامنا هذه. وبعد الانقلاب بفترة وجيزة عهد المجلس السياسي بالسلطة بهدوء إلى الترابي وجماعته الإسلامية في الجبهة الإسلامية الوطنية وهي جماعة سياسية منبثقة عن الإخوان المسلمين. وفي أوائل عام 1991 أنشأت الحكومة السودانية نظاما جنائيا جديدا لتفعيل الشريعة الإسلامية وأعلن عن البشير رئيسا في انتخابات عام 1996، التي ندد بها بشكل واسع اعتبرت مزورة، وبحسب كلمات لانغويش فإن البلاد أصبحت كسفينة يقودها ربانان.
إسميا الشيخ الترابي هو زعيم الحركة الإسلامية السودانية ورئيس مجلس النواب علقه الرئيس البشير في الثاني عشر من كانون الأول / ديسمبر عام 2000م.
وهو الزعيم السابق والسكرتير العام للمجلس الوطني السوداني، وقد برز الصراع بين الزعيمين الترابي والبشير في نفس الشهر الذي حل فيه البرلمان حينما حاول الترابي إقرار التعديلات الدستورية التي كان من شأنها لو أقرت تحد من سلطات البشير الرئاسية.
وقد دعت هذه التعديلات في حينها إلى اعتبار مكتب رئاسة الوزراء مسؤولا أمام المجلس النواب وكردة فعل على هذا التهديد لرئاسته قام البشير بطرد الترابي وحل الجمعية الوطنية وتعليق لعمل بأجزاء من الدستور وحين فشلت محاولة داخلية لإعادة توحيد المجلس الوطني قام وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم أل ثاني لتخفيف التوتر السياسي خلال زيارته للخرطوم خلال أوائل شهر كانون الثاني / يناير ولكن دون جدوى وقد أمضى الترابي نفسه ثلاثة أيام في قطر في إطار تلك المحاولة، ولسوء الحظ فإن وزير الخارجية القطري بدعمه للبشير أثبتت أنه وسيط غير مستقل وكان اقتراحه الرئيسي هو أن على الترابي تقديم استقالته كسكرتير عام للمجلس الوطني والسماح للبشير تعيين نفسه بدلا منه في محاولة للخروج من مأزق ربانين لسفينة واحدة. وفي محاولة لتثبيت سلطته على قاعدة قوية دعا البشير إلى انتخابات عامة في كانون الأول/ ديسمبر عام 2000 م قاطعها معظم أحزاب المعارضة بما فيها مجلس الشعب الوطني الذي تأسس كجماعة انشقت عن حزب المجلس الوطني.
ولكي يحافظ البشير على منصبه كرئيس للبلاد، فإن عليه أن يواجه تحديات قوية من الترابي وأحزاب المعارضة الأخرى وذلك بنسج خط سياسي قوي من الخيوط القوية المتشابكة حاليا في البلاد، وقد أعلن البشير في مطلع هذا الأسبوع أنه سيشكل حكومة تضم الأحزاب السياسية المختلفة التي توصلت إلى اتفاق مع مجلس الوطني وقد نشرت الشروط القاسية التي اشترطها حزب الأمة المعارض ذو الشعبية القوية للإئتلاف مع المجلس الوطني شكوكا حول مقدرة البشير على تشكيل حكومة جديدة مستقرة، ويقول حزب الأمة إنه سينضم إلى حكومة البشير فقط إذا تم تشكيلها عقب انتخابات عامة جديدة وإذا ضمت إليها أعضاء من الأحزاب المعارضة الأخرى. إن مناورات الترابي خلف الكواليس في سويسرا والإئتلاف غير المتوقع الذي شكله مع حزب المعارضة الجنوبي، الجيش الشعبي لتحرير السودان كما يعتقد المراقبون جعلت مركز الرئيس البشير غير مضمون فأصدقاؤه السياسيون الجدد لا يمكن الاعتماد عليهم كما أن هناك أسبابا تدعوه إلى القلق من الترابي صديقه القديم الذي تحول إلى عدو وسيعتمد تفاؤله في السلطة بصورة كبيرة على مقدرته على تحطيم الترابي والسيطرة على المجلس الوطني، وقد أظهر الشيخ الترابي بجلاء أنه سيحارب ذلك، وجدد التزامه بالحركة الإسلامية السودانية التي تحاول جاهدة للنأي بنفسها عن المجلس العسكري الممقوت شعبيا والذي منحها القوة السياسية.
إن أهمية السودان كما يلاحظ لانغويش لا تكمن في كونه السودان فالاضطراب السياسي الحاصل في الخرطوم تراقبه بقلق كافة دول شمال إفريقيا والكثير من دول الشرق الأوسط التي كما يعتقد المراقبون تترنح على حافة انقلابات إسلامية. ويقول الرئيس المصري حسني مبارك وهو عدو للحركة الإسلامية السودانية والذي قدم دعما للبشير لقد قطعنا رأس الأفعى (الترابي) وأن الذيل (البشير ) سيتم التعامل معه قريبا، ويستمر الإخوان المسلمون في مصر بتشكيل تهديد سياسي كبير يواجه الرئيس المصري حسني مبارك.
وبسبب أهمية التجربة الإسلامية في السودان بالنسبة للمسلمين فإن الترابي أصبح أهم صاحب نفوذ إسلامي في العالم، ووفقا لبعض التقارير فإن أمير قطر عرض على الترابي التقاعد في قطر وذلك لإزاحته عن الحياة السياسية في السودان.
لا غرابة في ضلوع قطر في الشأن السوداني لأن دور الحركة الإسلامية النشيط في الحكومة السودانية ما زال مصدر قلق للحكومات العربية التي حسبما ذكرت التقارير انضمت إلى الولايات المتحدة وحلفائها الأفارقة لمحاولة منع انتشار الحركات الإسلامية المتطرفة في المنطقة.
وتبقى مسألة مقدرة الترابي وأصدقائه من المتمردين الجنوبيين على إزاحة البشير وتشكيل حكومة جديدة ذات قاعدة أوسع توحد ما بين شمال وجنوب السودان مرهونة بالزمن.
ويطالب المتمردون في جنوب السودان كما تطالب المعارضة في جنوبي نيجيريا بالاحتفاظ بحرية الدين لديهم ولعب دور أكبر في الحكومة والحصول على حصة عادلة من عائدات النفط المستخرج من الآبار في منطقتهم.
ثمة درس واضح يمكن تعلمه من الاضطرابات السياسي الذي طال أمده في السودان وهو أن اغتصاب السلطة بعد انقلاب ناجح هو شيء ولكن إقامة حكومة مستقرة على المدى الطويل تعمل لصالح شعبها هو شيء آخر—(البوابة)