السوريون في الشارع والجامعة والمدرسة يكفرون بالسلام وينتظرون حربا مع إسرائيل

تاريخ النشر: 26 نوفمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

دمشق – نبيل الملحم 

 

سأل بعض الصحفيين فر انسوا شاتيليه عن آخر كتاب فلسفي قرأه فرد بأنه أشعار من تراث هنود تارامارا إحدى القبائل الهندية في أميركا الجنوبية، فألح الصحفيون الذين استولت عليهم الحيرة قائلين: من المؤكد أننا لم نعبر عما نريده جيدا فنحن نعني آخر كتاب فلسفي وليس.. ورد شاتيليه: نعم.. نعم لقد فهمت ما قصدتموه تماما، الشيء الفلسفي الوحيد الذي قرأته هو كتاب الأشعار ذاك. 

طالبة جامعية: سأكون انتحارية ضد السلام معهم  

شئ يقترب من ذلك قالته هيا شمس البنت الجامعية التي تدرس الأدب الإنكليزي في جامعة دمشق، لقد قالت: الدرس الوحيد الذي تعلمته في حياتي الجامعية هو أنني حملت يافطة صغيرة مكتوب عليها ناصروا الانتفاضة أما قبل ذلك فكنت شيئا آخر أو ربما لا شئ على الإطلاق. 

هيا تقول لـ"البوابة" إنها من عائلة تحتقر السياسة، فالسياسة هي مزيج من الأكاذيب وبسببها على وجه التحديد، أي بسبب السياسة، ضاع أبوها، "هكذا علمتني أمي منذ أن ولدت، ولذلك لم أكن أعير أي اهتمام لنشرة الأخبار أو للنشاطات الطلابية التي تتصل بأي حديث سياسي، وكنت أفضل الموضة على أي شعار أو حزب.. كنت أفضل أي بنطال على أي واحد له علاقة بأية سياسة، وكنا نستمع بالصدفة، أو بحكم التسلية إلى من يتحدث عن الحرب مع إسرائيل. هنالك من كان يقول أن السلام أفضل من الحرب، وأن السلام سيجلب معه فرص عمل وبحبوحة اقتصادية وسياحة، بصراحة كنت بيني وبين نفسي أرغب في تعلم لغات عديدة، من بينها العبرية، استعدادا لمرافقة أفواج السياح الذين سيأتون إلى بلادنا، ولم أكن أجرؤ على البوح بذلك خوفا من أية تهمة توجه لي.. فجأة سمعت باسم محمد الدرة.. قالوا لي بأن طفلا صغيرا كان وراء والده وأن الإسرائيليين قنصوه.. لم أعر الأمر انتباها كبيرا، ولكن المحطات أعادت المشهد مرات ومرات.. لم يكن هذا المشهد هو الأكثر تأثيرا، كانت هناك مشاهد أخرى.. لقد تابعت فيما بعد، أي خلال الشهرين الفائتين، نشرات الأخبار، والسؤال الوحيد الذي كان يخطر لي: لماذا يموت هؤلاء الشباب؟ أعتقد أنني عرفت الآن لماذا يضعون أنفسهم في مواجهة مع الموت.. الآن أدركت أن هنالك ما هو أكثر شأنا من الموضة . 

هيا شمس تضيف أن ما تغير فيها صريح وواضح، وتقول: هؤلاء لا يشتغلون بالسياسة، هؤلاء يبحثون عن وطن.. عن مكان وفراش ومخدة وعن معنى كبير أظن أنني الآن أعرفه.. كل ما أتمناه الآن أن لا أكون دليلا سياحيا لأحد.. وأوجه رسالتي إلى الإسرائيليين أينما كانوا.. أقول لهم لا أريد السلام معكم ولا أريد سياحتكم.. إذا حصل وصار بيننا وبينكم سلام، سأطالبكم بان تعيدوا دماء شبابنا في فلسطين إلى أجسادهم، وإلا فإنني سأكون أول المتطوعين والمتطوعات لعملية انتحارية مع أول مجموعة سياحية ستأتي إلى بلادنا، إنني أدعو إلى الحرب، إلى أية حرب. لا أريد أن ننتصر، ولا يهمني إذا انهزمنا، أريد الحرب فقط، الحرب المكشوفة، الجيوش والناس جميعا يشاركون بها، لم اكن أظن بأنني سأكره أحدا، ولكنني بالتأكيد أكره كل الإسرائيليين، أي إسرائيلي، لقد بت عنصرية جدا. 

ظهور جيل قيادي جديد 

عاطف المحاميد طالب دراسات عليا، يعتقد بأن ما أحدثته الانتفاضة وما تلاها يؤكد على الأرض حقائق جديدة حاول أن يرتبها بقوله: 

إنني اعتبر أن مروان البرغوثي هو رمز لظاهرة جديدة ولدتها الانتفاضة. أعني بهذه الظاهرة الجيل الثاني في القيادة الفلسطينية، ما حدث أن الجيل الأول انتهى ولم يبق منه إلا أبو عمار، والآن هنالك جيل تشكل. خليل الوزير وصلاح خلف ووديع حداد وجورج حبش وغيرهم من الرموز الفلسطينية راحوا ضحية الاغتيال السياسي، أو ضحية الزمن والعمر والتآكلات البيولوجية، وبقي أبو عمار بمفرده من الجيل الأول، ولكن ها هو الجيل الثاني يظهر وبقوة، ولولا الانتفاضة لما ظهر هذا الجيل، ومهمة إسرائيل الآن هي القضاء على هذا الجيل، ولذلك فالقصف يستهدف مواقعهم وأماكن إقامتهم.. هذا الجيل هو جيل ميداني، ولكن النكبة الكبرى أن الجيل الثاني ظهر فلسطينيا ولم يظهر عربيا. الانتفاضة تتصاعد، والانتفاضة تعني حركة تحرير فلسطيني من طراز جديد، ولكن ليس وراءها عبد الناصر، وليس وراءها اتحاد سوفياتي، كما ليس وراءها شخصيات عربية كبرى كتلك التي شهدها منتصف الستينات. 

روائي: الشعوب لا تعترف بسقوف الأنظمة  

ما الذي يقوله الروائي علي عبد الله السعيد ؟ 

عبدالله الذي قرأ إجابات الطالب المرشح ليكون أستاذا جامعيا كما قرأ إجابات الطالبة الجامعة لا يختلف لامع هذه ولا مع ذاك، ولكنه أكثر يقينا حين يقول بأن مرحلة الستينات التي قادتها الكرملين نحو هذا، ليست أكثر ثراء من هذه المرحلة، ليضيف بأن قوة اليأس أكبر من قوة السلاح النووي. ويقول عبدالله سعيد يقول: أهم ما في الموضوع أن الشعب الفلسطيني مؤقتا والشعوب العربية لاحقا صاروا يعرفون سقوف الأنظمة.. الشعوب العربية الآن تبحث عن سقوفها هي، لا عن سقف التسوية ولا عن ضرورات الأنظمة، والمؤكد أنه لا سقف للشعوب، فقد رفعت الانتفاضة السقوف الواطئة من فوق رؤوسنا. 

في دمشق مجموعة من طلبة الثانوي يتساءلون: هل الحرب على أبوابنا أيضا ؟ 

طالب ثانوي: إما أن يذهبوا إلى مقبرة الفيلة أو نذهب نحن 

طالب يبدو أكثر نباهة يجيب: وما الذي يحدث الآن؟ أليس ما يحدث هو الحرب ؟ 

الطالب إياه يضيف: يكفي الحديث عن القرارات الدولية، الحرب لا تستلزم احترام القرارات الدولية. أنا لا أطالب الإسرائيليين بتنفيذ القرارات الدولية، أنا أتمنى أن يشنوا الحرب المفتوحة علينا، وعندها إما أننا سنكون جديرين بالحياة وإما لا . وإذا لم نكن جديرين بالحياة (بلانا)، الفيلة أشرف منا إذا تمسكنا بالحياة، والحياة أكبر منا، فعندما يعجز الفيل عن الوقوف يذهب إلى مقبرة الفيلة ويجلس فيها حتى يموت.. بيننا وبين إسرائيل واحد من اثنين، فإما أن نذهب إلى مقبرة الفيلة، وإما أن يذهبوا هم. ليس ممكنا أن نتعايش نحن وهم، هذه ليست خياراتنا، هذه هي الحقيقة التي تبدو أبدية، وصدقوني أنه لا حقيقة سواها، وإلا ما الذي يدفع المستوطنين إلى كل هذا العنف بمواجهة الفلسطينيين؟ العجيب أن المطلوب من عرفات أن يضبط الفلسطينيين بينما المطلوب من المستوطنين تدمير الفلسطينيين؟ 

ممرضة: الجرحى أحضروا فلسطين إلينا 

ما الذي تقوله ممرضة في الهلال الأحمر السوري؟ 

تقول الممرضة: عندما وصل الجرحى الفلسطينيون إلى مشفى الهلال قادمين من فلسطين وهم يحملون جراحهم شعرت أن أشياء كثيرة اختلفت بي. لم أعد ممرضة تقوم بوظيفة عامة وتنتظر انتهاء دوامها الوظيفي، عندما وصل الجرحى الفلسطينيون شعرت أن لقب الملائكة البيضاء يخصني، ولأول مرة في حياتي منذ أن أصبحت ممرضة أشعر بأنني محترمة.. تصور أنني فرحت جدا. ستقول لي كان عليك أن تحزني، لا، المفروض فعلا أن أحزن، ولقد خجلت من نفسي كيف أفرح أمام مشهد الجرحى هذا؟ كل ما في الأمر أنني اكتشفت أن لمهنتي كرامة.. لم أستطع أن أذهب إلى فلسطين فجاءت فلسطين إلي. 

تلاميذ يريدون الوصول إلى فلسطين مشيا 

تلاميذ صغار في مخيم خان الشيخ طالبوا بأن نذهب إلى مدير المدرسة ونقول له بأن يعطل الدراسة لأنهم جاهزون لإلقاء الحجارة، وعندما نسألهم على من؟ يقولون نذهب مشيا إلى فلسطين. 

كل شئ فيما مضى ينفع كمادة أولية للقول أن السوريين التقطوا القصيدة الفلسطينية جيدا، وأن الكتاب الفلسفي هو ما سبق.. هو قصيدة تكتبها الانتفاضة ليس من تراث تاراومارا، وإنما من الفعل اليومي لناس قرروا اليأس فكان أكبر الهزات لوجدان عربي كاد أن ينام—(البوابة)