عمان - نزيه ابو نضال
في افتتاح مهرجان الشعر في ملتقى شومان مساء اليوم علا نشيج الأمة ونشيدها عبر أربعة أصوات كبيرة:
حيدر محمود من الأردن، احمد دحبور من فلسطين، قاسم حداد من البحرين، عز الدين ميهوبي من الجزائر .
غني حيدر محمود توقاً لا ينطفئ كي يظل الشعر ممسكاً ب (اللا) المقدسة في زمن (النعم) الخانعة:
"على الشعراء إذن أن يموتوا من الوجد
كي يدرك الناس أن الكلام الذي لم يقولوه قالوه دون كلام
وأن على النار أن تنطفي قبل أن يشعر الورد بالبرد
أو يذهب الأيك معنا هديل الحمام
هو الشعر لا شيء يشبهه في الغمام ويشبهه كل ما في الغمام
وأجمل ما فيه ما لم نقله وما لم يجئ بعده أجمل وعد غرام
سأبقى قريبا من النصر
كي لا يحملني أحدا تبعات الكلام
فهذا المساء العراري يجعلني قابلا للصدام
ويجعلني قاطعا مثل حد الحسام
ولا خيل عندي تطارد من سيطاردني
او تعاند من يعاندني
أو تراود من سيراودني
قلت إني سأبقى قريبا من النصر
لكنني أدعو الله لي ولكم ولكل المصابين مثل بداء البراءة
حسن الختام
دحبور وحيفا
الشاعر الفلسطيني احمد دحبور غني قصيدة من أدب العودة بعنوان " وردة للناصرة" عبر من خلالها عن مرارة عميقة لانه يعود إلى وطنه حيفا فيكتشف في لحظة اللقيا انها لحظت الخيبة والغربة الجديدة.
ثم يهتف بقصيدة ثانية هل كانت عودتنا إلى الوطن من اجل أن تلتقي أم من اجل أن ننقسم ونتفرق ؟!
يقول في قصيدة وردة إلى الناصرة:
وردة للناصرة
دمعة تسري على خدٍّ جليليٍّ
من الجرح الجليليِّ،
إلى عودة عُمْرٍ أعْوَزتْهُ الذاكرة
دُلّني يا ولدي
يا سيدي
يا جَدُّ :
هل شاهدتني ، من قبلُ ، مَيْتاً وتحريْتُ القيامهْ؟
أم أنا العائد من غاشبة المنفى إلى برّ السلامهْ؟
إن أكنْ عدتُ , فعبّئْ ذكرياتي الشاغرةْ
رُد ، من وجهي ، إلى التربةِ ، غُضْناً وابتسامهْ
إنني منها-
فنسّبني إليها بعلامهْ"
ثم يقول:
"رُبِّ حيفا أنجبتْني،
فلماذا إن وقعتُ الصوت: " يا حيفا"
تنزَّلْتُ إلى وادي الملامةْ؟
إنها إصبع هذا البر،
تُدْلي بشهادات عن البحرِ،
ولكنْ ليس لي من ظفْرها حتى قُلامَه!
والصدي منقطعُ
والذي يرجع من أشلاء صوتي،
شجر أخًبرَ عنه الوجَعُ
كنتُ خبّأتُ جنونَ الوعد للقْيا،
ولكن هل سيكفيني الجنونً؟
هل أنا العاصي الذي قالت له القُدرةُ : " كنْ"،
فاختار عُمْراً لا يكونُ؟
كنتُ ملفوفاً بعامين من الكرمل والنسناسِ،
حين انفجرتْ ، في شجر الكينا، الرياح الأربعُ
ما الذي كان أبي يخشاه حتى ارتكبتْ أخطاؤهُ فِعْلَ السُّنونو؟
ليته قال : اذبحوا طفلي،
ولم يرجلْ،
فمن يدري إذا ما صرتُ إسماعيل،
أو طائرَهُ الأخضر،
أو .. لا شيء حتى
إنّ للاشيء في تربته معنى ونَعْتا
ليت أني ،ليت أنا
غير أنا
غير أني ها هنا الآن:
لماذا ؟ وبماذا ؟ والسنونو حائرةْ
عودةُ أم هجرةٌ ثانية يا أيها السربُ المعني؟
دلني يا ولدي ، يا سيدي ، يا جدُّ:
هل حقاً أنا في الناصرة؟
هل أنا حقاً أنا
أسأل السهل عن الوادي هناكْ
أم أنا غافٍ، وذاك
حُلُمْ تأويلهُ أني هنا؟
ثم ماذا حين اصحو
هل يصح
أن تغيب الأرض عن عيني ويغشاني سكون؟
خذ يدي يا ولدي، واقرأ يدي ينبئك جُرحُ:
إني أقرأ باللمس ،
لماذا لم اجد حيفا وقد لامستها؟
أين أنا؟ أين تكونُ؟
خذ يدي، يا سيدي اضربني تصدق أنني حيُّ،
وفي قلبي جحياد خاسَرهْ
خذ يدي يا جدُّ، ولتحرثْ دمي بالوشم،
تستيقظ ينابيعُ،
ويمتد ربيع القدس من نومي إلى يومي،
وتنهد السجونُ
فلقد غردتِ الريحُ وردَّتْ بالتباريح الغصونُ:
يا طيورً طائرة
يا وحوشاً سائرهْ
بلغي دمعة أمي، أن حيفا لم تزل حيفا،
واني أسأل العابر عنها في ربوع الناصرة".
قاسم حداد والمرأة الكسيرة
قاسم حداد جاء من البحرين يحمل هموم الخليج الغارق في كوابيس الظلمة فالتقط من وسط هذا الانهيار العظيم قضية المرأة المفكرة والمتوحدة في الغرف الموحشة ليعبر من خلالها عن لحظة لا تقبل الا خياراً وحيداً وهو الانعتاق باتجاه افق يتوهج بشموس لا تغيب يقول من قصيدة بعنوان " حكمة النساء":
"أجهشت النساء المغدورات برجالهن
أوشك الجزعُ أن يبلغ بهن
ليرمين خواتمهن في وجوه الرجال
لكنهن استدركن فامسكن عن الخلع واستدرن نحو دورهن
يدهن الأسرة بالتوابل
ويؤججن القناديل بزعفران السهرة
ويذهبن في استجواب المرايا
يشحذن أسماء عشاقهن بالأكباد
وكان في ذلك حكمة
سألتْ امرأةٌ
وهي تشق القمصان من كل جانب
لماذا لا تطلق الغابة كائناتها فصلاً واحداً
تمتحن بها طبيعة النساء المغدورات
رهينات الوحشة في الغرف الشاسعة
مثل شتاء الغربة؟
سألتْ امرأةٌ ، محسورة الروح
وكان في ذلك حكمة" إلى أن يقول:
"أخذت امرأة عدة زوجها
وبدأت في كسر ارتاج الابواب
وخلع النوافذ بستائرها المسدلة
فتحت ثغرات الفضاء في جوانب الدار
وسمحت لشمس الليل أن تسهر في البهو
وللنجوم ان تحرص المداخل
لئلا يستوحش كائن في الظلام
كانت تلك مبادرة باسلة
استيقظت بها احجار الغابة
ونهضت لها شكيمة المبارزات
لم تكن المرأة وحيدة في شهوة الشغل
وكان في ذلك حكمة"
الميهوبي ورعب الجزائر:
ومن وجع الجزائر وحيث الذبح اليومي يتم وفق كافة الشرائع والانظمة نشج الشاعر عز الدين الميهوبي مأساة الجزائر المعاصرة ، من خلال تجربة بالغة القسوة فرأسه مطلوب كنقابي وصحفي وبرلماني وكشاعر ورائي إلى الغد .. فكم مرة سيموت؟ وماذا سيقول العراف الذي راح يستطلع منه كوابيس موته؟!
بعد عام كان العراف نفسه في كفن .. أما الشاعر فلا زال يتحسس عنقه وسط السكاكين الدامية:
"افتحوا صدري وقولوا
مثلما قال علي بابا لسمسم
افتحي الباب فافتح
وطني المعقود بالجنة يذبح
ربما أخطأت حينما اخترت للشمس مدارا في عيوني
ربما أخطأت حين اخترت للأرض طيورا وفراشات وظل الزيزفوني
ربما أخطأت حين اخترت للبحر نقطا من جفوني
ربما أخطأت لكن هل رأيتم وطنا يكبر بي
ربما أخطأني الموت فجئت وحدي
أنا ما أذنبت في حق جنوني
وأنا ما قلت يوما ودعوا الطوفان بعدي لم أكن في الفتن وحدي
أنا ما كنت نبيا يقلع الوحل بكفيه جراحا مثخنة
لا ولا كنت كما قالوا لكل الأزمنة
أنا لا أملك غيري ربما
ربما أخطأني الموت سنة ربما نصف سنة
أنا ما أذنبت لكن ربما يغفر لي صمتي ويزيل احتراقي في رماد الأمكنة
ربما أخطأني نصف سنة "
إلى أن يقول
" مرت قلت لأمي احضنيني واجعلي صدري وسادة
وارسميني بين عينيك قلادة
ربما وليت وجهي شطر روما
وتعلقت بخيط من دخان في جهات الأرض أو أخطأت في نطق الشهادة
أو تبوأت بطين غير طين أنا ما بدلت ديني
وقلت يا أمي احضنيني
وطني الموشوم في قلبي عبادة
وطني أكبر من أخطاء قلبي وزيادة" --(البوابة)