عمان – البوابة
للصحفية الإسرائيلية عميرا هس رؤية مختلفة لما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فهي بعكس معظم الإسرائيليين تعتقد أن انتفاضة الأقصى مبررة، ولها ما يدفعها ويؤججها نتيجة القمع والكبت والاضطهاد الذي يمارسه الاحتلال الإسرائيلي بحق المواطنين الفلسطينيين.
(البوابة) التقت عميرا هس، وكان هذا الحوار الهاتفي..
*ما هي الأسباب التي أدت إلى انتفاضة الأقصى؟
- تؤكد الانتفاضة بصورة رئيسية أن السنوات الست أو السبع الماضية كانت عبارة عن خيبة أمل للفلسطينيين الذين أيدوا عملية السلام مع إسرائيل.
وقد أظهرت الانتفاضة حقيقة أن الاحتلال لا يزال مستمراً، وأن إسرائيل بدعم من الولايات المتحدة تبدو وكأنها لا تريد إنقاذ الموقف. حيث لم تظهر إسرائيل والولايات المتحدة بأنهما تنويان تغيير الموقف، ويبقى وضع الفلسطينيين السياسي غير مؤكد، ورهينة في المفاوضات للسياسة الإسرائيلية. وتبقى كافة أشكال السيطرة الإسرائيلية ماثلة للعيان في غزّة والضفة الغربية. وقد حاول الفلسطينيون التحدث عن ذلك، وإخبار الإسرائيليين والغربيين أن الموقف لا يمكن احتماله، ولكن لم يستمع إليها أحد، وإن إسرائيل لا تزال تسيطر على المصادر الرئيسية الثلاثة لحياة الفلسطينيين.
إسرائيل تحتل الأرض الفلسطينية، وتسيطر على مصادر المياه، وتسيطر على تحركات الفلسطينيين، وأنتم تعلمون أن الفلسطينيين محرومون منذ عام 1991 من حقوقهم في حرية الحركة. لذا فإن ما يجري في المجتمع الفلسطيني، وبين أفراد الشعب الفلسطيني وفي المناطق الفلسطينية يتم تقطيعه من قبل السياسة الإسرائيلية. فقد قسمت المناطق إلى أ،ب وج وخاصة منطقة ج التي يُحكم الإسرائيليون سيطرتهم العسكرية والإدارية عليها، وتشكل هذه المنطقة 61.2% من مساحة الضفة الغربية، وتشكل المنطقة ب التي يحتفظ الإسرائيليون فيها بسيطرة عسكرية 26.8% من مساحة الضفة، أما المنطقة التي تقع تحت سيطرة السلطة الفلسطينية الأمنية والإدارية الكاملة فتبلغ مساحتها 12% من مساحة الضفة، وقد جاءت هذه الأرقام بناء على البيانات الإسرائيلية. وفي قطاع غزة، تسيطر إسرائيل سيطرة تامة على 20% من مساحة قطاع غزة الضيق، وتستخدم هذه المنطقة لأغراض عسكرية وكمستوطنات.
ولم يعد الناس في غزة والضفة الغربية يطيقون هذه الأوضاع - وهي محاصرتهم في جيوب معزولة.
أما التقطيع الثاني فهو تقطيع أوصال المجتمع الفلسطيني، فقد عاش الفلسطينيون خلال العقد الماضي تحت حكم التفرقة العنصرية. ويعني هذا أنهم يعتمدون على تصاريح للسفر تصدرها إسرائيل لتمكنهم من التنقل داخل البلاد، بين غزة والضفة الغربية، في إسرائيل وفي السفر إلى الخارج. وهم في الحقيقة تحت رحمة السياسة الإسرائيلية بشكل مطلق، وهذا الأمر يمكن أن نصفه بحرية التنقل، وحق التنقل هذا أصبح امتيازا لعدد قليل من الناس، وهو مختلف أيضاً باختلاف الناس، فبعض هؤلاء لديه الحق في الخروج لمساء واحد، والبعض للعمل، والبعض للتجارة. لذا فإن المجتمع برمته يعتمد على إسرائيل في هذه التصاريح وهذه الحاجات الأساسية التي تتطلبها الحياة الطبيعية. ومن بين حوالي 3 ملايين فلسطيني، لا تعطى التصاريح لأكثر من 200 ألف مواطن للسفر إلى خارج المناطق.
هذا دون ذكر المستوطنات، وتعلمون أنه في السنين العشر الماضية، منذ اتفاقية مدريد، فإن عدد السكان في المستوطنات قد زاد عن الضعف حيث قفز هذا العدد من 91 ألفا إلى 200 ألف خلال عشر سنوات. وبطبيعة الحال فإن المستوطنات تتوفر فيها ظروف أفضل مما يتوفر في القرى الفلسطينية المجاورة، لذا فقد تراكم كل هذا عبر السنين وأصبحت هناك فجوة هائلة بين ما كان يتوقعه الناس من عملية السلام وبين واقعهم الذي يعيشونه. لقد كان هذا شيئا بعيداً جداً عن عملية السلام. لقد تسببت هذه الفجوة، الخدعة، ولا تزال في شحن الغضب وكانت بحاجة إلى عود ثقاب كزيارة شارون لإشعال النار.
وقد جاءت قمة شرم الشيخ لكنها لم تتناول الجذور الحقيقية للمشكلة. ولسوء الحظ فإن معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية تقول أن المشكلة اختلقها عرفات وقادته في فتح، وكأن كل شيء تحت سيطرة عرفات الكاملة. هنا، لا يودون النظر إلى الأمر على أنه انتفاضة شعبية، فهم يبحثون عن كافة الوسائل لاعتباره شيئا مخططا من القيادة الفلسطينية لأهداف سياسية.
*نشعر أن إسرائيل تحولت إلى اليمين منذ اندلاع الانتفاضة، كيف تقيمين الوضع الآن؟
- بالفعل يشعر المجتمع الإسرائيلي بأنه يتعرض للهجوم، وأنه ضحية ويتعرض للمهانة والخيانة، وهناك فئات كانت تعتقد بوجود عملية سلام، أو أنها أرادت أن تعتقد بوجود عملية سلام. ويعتقد هؤلاء أن الفلسطينيين لم يقوموا بالإيفاء بالتزاماتهم، ومنها حفظ الأمن والنظام في المناطق الفلسطينية. وهذه أيضاً مشكلة أخرى لأن معسكر السلام هذا ظل يرفض خلال السنوات الست الماضية. الحكم على الوضع وفقا لما كان يشعر به الفلسطينيون ويواجهونه. وعلى النقيض من ذلك، فإن زعماء معسكرات السلام هذه رأوا أنهم يستطيعون الحكم على الموقف وفقا لزياراتهم وتجاربهم مع القيادة الفلسطينية وقيادة فتح، كان الجميع راضين عن الموقف وخاصة خلال السنوات الأولى، بعد اتفاقية السلام، وكانوا مطمئنين إلى أن الاتفاقية ستنجح. ولذا فإنه يمكن القول بصورة عامة إن معظم الشعب الإسرائيلي ومعسكر السلام الإسرائيلي لم يتحدّوا الوضع الذي كان سائداً طوال السنوات التي تلت عملية السلام.
وقد فضل معسكر السلام هذا القليل جدا تحدي بناء إسرائيل للطرق الالتفافية في غزة والضفة الغربية، ولم يفعل معسكر السلام هذا شيئا إزاء سياسة الإغلاق. فقد اعتمد على القيادة الفلسطينية في السنين القليلة الأولى، وعلى استمرار المفاوضات بالرغم من المستوطنات وإغلاق المناطق. لذا فإن من الممكن أن يكون ذلك نوعا من رنين الضحك الذي فصل بين معسكر السلام في إسرائيل وبقية المجتمع. وهذا لا يعني أن العديد من الإسرائيليين لا يرغبون في سلام حقيقي، ولكنه يعني أنهم فشلوا فقط في الإصغاء إلى الفلسطينيين.
وبطبيعة الحال فإن الإسرائيليين يشعرون بأنه تتم مهاجمتهم، ولكنهم إذا نظروا إلى الأرقام، فإنها تظهر لهم أن الكثيرين من الفلسطينيين لقوا مصرعهم أثناء هذه الاشتباكات - قتل 7 إسرائيليين وأكثر من مائة فلسطيني. ولذا فإن الأمر غير متكافئ على الإطلاق، ولكن يبدو أن من الصعب إقناع الناس في إسرائيل هذه الأيام.
منذ مؤتمر مدريد، تعاقب على الحكم عدد من الحكومات الإسرائيلية المختلفة من الليكود إلى العمل وكنا في الحقيقة مندهشين من أولئك الذين يمثلون اليسار، حزب العمل، فهم أقوى من الليكود في موقفهم في معاداة الفلسطينيين أولا، وحتى في تهديد بقية العرب. وقد أعلن مصدر حكومي صباح الثلاثاء الماضي بأن صاروخ حيتس جاهز للعمل، كيف تفسرين ذلك، هل حقا أن إسرائيل جاهزة للسلام الآن؟
- في الأساس، أنا لا أعتقد أن هناك فرقاً كبيراً بين الليكود والعمل، بمعنى أن كلا الحزبين كان يبحث خلال الثلاثين عاما الماضية عن أفضل الوسائل لتمكين إسرائيل من السيطرة على أكبر جزء من الأرض وبأقل عدد ممكن من الفلسطينيين. وحتى خلال فترة معاهدة السلام في مدريد، ظهر نشاط كلا الحكومتين في ما يختص بالمستوطنات. وكانت هذه السياسة نفسها إبان حكم رابين وبيريز حكم الليكود.
ولم يغير كلا الحزبين من سياسته خلال الثلاث وخمسين سنة الماضية. ورفض كلاهما حدود عام 1967. وأعتقد أن إصرار الفلسطينيين على حدود 1967 كان بمثابة تحدّ لإسرائيل لإثبات أنها ليست دولة استعمارية هدفها التوسع على حساب الفلسطينيين. لذا فإن التمسك بحدود عام 67 والاعتراف بدولة إسرائيل ضمن هذه الحدود كان الهدف الذي يسعى إليه الفلسطينيون لإيقاف التوسع الإسرائيلي.
شعر المجتمع الإسرائيلي بالقوة الكافية من خلال اتفاقية مدريد للاستمرار في التوسع الالتفافي تحت مظلة عملية التفاوض، ولا يزال على ما أعتقد ثمة فرق بين الحكومات والنخبة، وبين النخبة الاقتصادية والعسكرية والسياسية، الذين يقفون خلف هذه الحكومة من جهة والشعب من جهة أخرى.
كان الكثير من الناخبين من حزب العمل وميرتس على استعداد لقبول حل يستند إلى حدود عام 67، وكانت لديهم القيادة لتهيئة الأرضية لذلك. ولكنهم بعدئذ بدأوا الاعتقاد بأن الفلسطينيين كانوا على استعداد للقبول بالتعديل على الحدود وقبول المستوطنات، لذا فإن اتفاقية أوسلو قللت بطريقة غريبة من حساسية أولئك الذين كانوا يعملون أصلاً لصالح الحل القائم على دولتين. فقد تضاءلت حساسيتهم لمطالب الفلسطينيين، ذلك لأن السنين التي مرت منذ معاهدة أوسلو أظهرت للإسرائيليين أنهم يستطيعون الحصول على شيء كان في نقطة ما يعتقد من المستحيل تحقيقه، وهو الحصول على السلام مع وجود المستوطنات. لذا استمر إنشاء المستوطنات وازدهارها وكان هناك سلام بمعنى أنه كان هناك اعتراف متبادل وعملية ترسيخ للهوية الفلسطينية بالرغم من وجود المستوطنات. هذا ما يمكن أن أقول عنه أنه عملية اجتماعية وتحليلية خاضها معسكر السلام الإسرائيلي.
الفرق بين الليكود والعمل هو أن لليكود معارضة، لذا فإذا أمر نتنياهو بإطلاق النار، فإنه يواجه معارضة ولكن عندما يأمر باراك بإطلاق النار، فليست هناك معارضة.
هل تعتقدين بوجود اختلاف في التغطية الإعلامية بين الانتفاضة الأولى بين عامي 1987 - 1993 وانتفاضة الأقصى الجديدة هذه؟
- لم أكن مراسلة صحفية أثناء الانتفاضة الأولى، ولا تنسى أنها استمرت لفترة طويلة. وكان هناك إضراب في التلفزيون ومحطة الإذاعة الإسرائيلية، وحسب ما أذكر كان ذلك في الأيام أو الأسابيع الأولى من الانتفاضة. وبصفة عامة، فإن الصحافة وخاصة المكتوبة أدركت في الشهور الأولى للانتفاضة الأولى أن هذه كانت انتفاضة شعبية، وأنا أعتقد أيضاً أن الجيش والمخابرات رأوا الأمر كذلك. أعتقد أن التلفزيون عرض صوراً للضرب وبعدها إطلاق النار على الأطفال والصغار وأذكر أن هذه الأفعال هزت جزءاً كبيراً من الشعب الإسرائيلي. لكنني أعتقد أن الأمر اختلط على الجيش، لأن التقارير التي صدرت عنه كانت غير صحيحة.. ووجد الجميع أن هناك تقاريرا أكثر صحة صدرت للصحفيين الفلسطينيين من أرض الواقع تتعلق بعدد الإصابات والفظائع من جراء المواجهات التي اندلعت.
في الأسابيع الثلاثة الماضية، التي لا تزال مدة قصيرة، ولا أعتقد أن الانتفاضة ستنتهي بعدها، كانت الصحافة الإسرائيلية تتعامل مع الناس (بنفس الطريقة) التي كانت الصحافة الإسرائيلية تتعامل بها مع القيادة. لذا كان من السهل إلقاء اللوم على القيادة والقول بأنها لم تحافظ على وعودها. لذا فإن وسائل الإعلام لم تكن تعكس الحالة النفسية العامة لدى الإسرائيليين بل كانت تضخها، وتصور الوضع وكأن مزاج السلام لدى الإسرائيليين قد تم الهجوم عليه. لذا فإذا كان على إصدار الحكم بشأن وسائل الإعلام فإنني أستطيع القول إن وسائل الإعلام التزمت جانب سياسة الحكومة الرسمية بشكل أكبر مما فعلته أثناء الأسابيع والشهور الأولى من الانتفاضة الأولى.
يبدو أن إيهود باراك يتخذ الكثير من القرارات التي يمكن أن تساعده في الأزمة السياسية الداخلية في إسرائيل والتي بدأ يواجهها في كامب ديفيد، وأن هناك إمكانية لإجراء انتخابات مبكرة. هل تتعلق قرارات باراك بالمشاكل الداخلية التي يواجهها أكثر من تعلقه بمفهوم السلام مع الفلسطينيين؟
- يمكن أن يكون ذلك، أنا لست جيدة بمعرفة الأمور حينما يتعلق الأمر بالسياسة الإسرائيلية. كما تعرفون، أنا لا أزال أعيش بين الفلسطينيين منذ سبع سنوات. أعتقد، وهذا انطباعي الشخصي وليس انطباعا مدروسا، أن خطواته تحفزها قرارات مدروسة ومحسوبة. وفي نفس الوقت، كما قلت مسبقا، وكغيره من رؤساء وزراء إسرائيل، فإن كلا من الليكود والعمل كان يسلك مسارا عاما منذ عام 91 ، وكلهم يدركون أن الاحتلال الذي كان سائدا في الماضي لا يمكنه الاستمرار في عالم أحادي القطب. وفي نفس الوقت فإنهم يرغبون في إطلاق نوع من الديناميكية لإيجاد اتحاد إسرائيلي فلسطيني. أعني أن هذا يمكن أن يكون ثمرة حقيقية للحل الذي يقوم على أساس دولتين. أعتقد أن كافة هذه الحكومات تبحث عن طرق جديدة للاستبداد بالفلسطينيين، سواء كانوا في إسرائيل أو في المناطق المحتلة منذ عام 1967، لذا فإن الأمر هنا عبارة عن مزيج من الأمور فمن ناحية، فإن قرارات باراك على المدى البعيد تشجع عليها النخبة من الإسرائيليين، وهم الذين يعتقدون أنه لا زال بالإمكان كبح جماح سعي الفلسطينيين إلى السيادة والمساواة في البلاد عن طريق تقسيم الفلسطينيين، فعلى سبيل المثال يأمل هؤلاء بعزل فلسطينيي عام 48 عن فلسطينيي 67، وعزل الفلسطينيين في غزة عن الفلسطينيين في الضفة الغربية. وفي نفس الوقت فإن أفعال باراك تتخذ بناء على حسابات على المدى القريب.
وفي بعض الأحيان بناء على حسابات على المدى البعيد بتأثير من حسابات على المدى القريب.
أعتقد أن من الخطأ تحليل كل شيء بناء على الانتخابات القادمة. فبعد كل هذا، يعتبر باراك من النخبة في إسرائيل فهو لا يمثل شخصاً بحد ذاته، تماما كما كان بيريز ورابين ونتنياهو ممثلين للتيارات في المجتمع الإسرائيلي، وكما أرى فإن هذه التيارات لم تتغير، على الرغم من أن العالم بأسره يعتقد بأن هناك تغييرا وسياسة سلمية. أعتقد أساساً أنه لا يوجد تغيير نوعي في إسرائيل من حيث التفكير بعلاقة مع الشعب الفلسطيني الذي يعيش في نفس البلاد، وأنا أتحدث عن المنطقة التي كانت تحت الانتداب البريطاني.
لا زلت تعيشين في الضفة الغربية منذ سبع سنين، هل كنت هناك حينما قتل الجنديان الإسرائيليان في رام الله؟
- أولا، عشت في غزة لمدة ثلاث سنوات، ومضى عليّ الآن وأنا في رام الله أربع سنوات. ولكنني لم أكن في تلك الأثناء في رام الله فقد كنت بمحض الصدفة مع والدتي في القدس في ذلك اليوم. ولكنني شهدت بعض الحوادث التي كانت عنيفة ذلك اليوم الذي قتل فيه الجنود يوم الخميس. فقد شهدت حادثة بالقرب من منزلي حيث أنني أعيش في مدينة البيرة بالقرب من التقاطع الذي تحصل فيه كافة المواجهات. وقد رأيت بأم عيني أناساً يهاجمون صحفيين اعتقاداً منهم أنهم من الوحدات المستعربة. ولم يتوقف هؤلاء الناس للسؤال عن المكان الذي جاء منه الصحفيون. وقد اكتشفت فيما بعد أن الاثنين كانا مصوران، واحد يوناني والآخر روسي. لقد هوجما بعنف ولكن الشرطة الفلسطينية استطاعت إنقاذهما. لذا أؤكد أنني لم أكن أثناء عملية قتل الجنديين الإسرائيليين، وحضرت إلى رام الله بعد ذلك بعدة أيام.
ولكنك كإسرائيلية، هل تشعرين أن حياتك في خطر وأنت تعيشين في رام الله في أوقات كهذه؟
- لا، حقا، أعني ليس شخصيا فقد شعرت خلال الثلاثة أسابيع الماضية بالكثير من العداء والشك من قبل أناس لا يعرفونني، ولكنهم يعلمون أنني إسرائيلية. أمضيت أسبوعاً في غزة وأنا الآن هنا في رام الله وأشعر بالريبة؟ أشعر بالشك الموجه ضد الصحفيين بشكل عام، ففي بعض الأحيان أخرج ومعي كاميرا فيديو، وعندها يكون لدى الناس شك لأنهم يشعرون أن صورهم تلتقط لتقدم إلى المخابرات الإسرائيلية. كذلك فإنهم إذا رأوا صورهم في التلفزيون، يعتقدون بأن المخابرات الإسرائيلية تستخدم هذه الصور لملاحقتهم. لذا فإن هناك قدراً كبيراً من الشك لم أكن أشعر به منذ سنين. ولا أزال أعتبر هذا أمراً غير شخصي، لأنه إذا سنح لنا الوقت وجلسنا أو وقفنا لشرح الأمور بهدوء، فإن الناس يستطيعون التمييز والتحقق من أنني لست جاسوسة. ولا يزال أصدقائي ينصحونني بأن أتوخى الحيطة والحذر. لذا فإن هناك خطرا من إطلاق النار ورمي الحجارة ولكنه ليس موجها لي شخصياً. فقد قذفت نحوي كتلة إسمنتية قبل بضعة أيام فقط بالقرب من مخيم للاجئين حيث تمر الكثير من السيارات الإسرائيلية التي تحمل لوحات صفراء، وقد قامت إحداها بالتقاطي. وللمرة الثانية أود القول بأنني أدرك أن هذا ليس موجها لي شخصيا، بل إن سيارتي هي التي كانت مستهدفة. إن الموقف حاليا مختلف جدا. فأنا لا أستطيع قيادة سيارتي والذهاب لرؤية والدتي في المساء. لذا أذهب في سيارتي خلال النهار ولا أستطيع العودة في الليل. لقد تغيرت الأمور بكل تأكيد ولكن ليس معي وحدي. يبدو أن قواعد اللعبة قد تغيرت بشكل تام في الأسابيع الثلاثة الأخيرة.
هل تخططين للبقاء في رام الله؟
- لا أعلم، هذا شيء من الأشياء التي تحدث بسرعة كبيرة في الوقت الراهن. لا نستطيع التنبؤ بشأن ما سيحدث في يوم أو يومين، في أسبوع أو أسبوعين، وأنا متأكدة تماماً بشأن توقعاتي وتحليلي. لقد كنت أقول منذ ست سنوات أن الفلسطينيين لن يكون بمقدورهم تحمل الوضع طويلا.. هذا السلام الزائف. حتى أنني كتبت في مقالاتي بشأن توقعاتي لهذه الانتفاضة. وأنا اعتقد الآن أن المحاولات الإسرائيلية لوقف هذه الانتفاضة ستكون أكثر فظاعة. لذا فإنني لا أعلم ماذا سيحدث. لا أعلم كيف سيكون بمقدوري تحمل بقائي هنا، ليس بسبب الخوف من مهاجمتي مباشرة، ولكن من الصعب التبصر فيما سيحدث. لقد بدأت الاعتقاد بأنه من الحكمة لي أكثر الانتقال إلى القدس في الوقت الراهن. لا أعلم لحد الآن.
نبذة موجزة عن عميرا هس
ولدت عميرا هس في القدس عام 1956. وقد وصل والداها إلى المدينة من رومانيا ويوغسلافيا عام 1948. درست التاريخ في إحدى جامعات القدس ثم في جامعة تل أبيب. التحقت بصحيفة هاآرتس في عام 1989 وبدأت بزيارة قطاع غزة والكتابة عنه عام 1991.
وتم ترشيحها في عام 1993 لتكون مراسلة لصحيفة هاآرتس في قطاع غزة، وانتقلت في ذلك الوقت إلى هناك. ونشرت في نهاية عام 1996 كتاباً أسمته "شرب مياه بحر غزّة".