عمان-بسام العنتري
تواصل الجارتان: الهند وباكستان، دق طبول الحرب، وسط تفاؤل حذر بان يسفر التحرك البريطاني عن نزع فتيلها، فيما يشهد الدور الاميركي عجزا فاضحا في هذا الصدد، وفي حين تتضارب التوقعات حول امكانية ان تنخرط اسلام اباد ونيودلهي في حرب ستكون الرابعة ضمن مسار نحو 70 عاما من النزاع على ولاية كشمير، فان المخاوف تتضاعف هذه المرة، لحقيقة ان البلدين باتا يملكان قدرات نووية تجعل من أية مواجهة بينهما محفوفة بعواقب مرعبة.
وييدو الرئيس الباكستاني برويز مشرف، ضمن سياق ارهاصات هذه الحرب، اقوى واكثر قربا من الشارع السياسي الباكستاني.
فهذا الشارع المزدحم بالاحزاب التي ناوأت سياساته مطولا، "عاضده هذه المرة، لانه لم يرضخ لمطالب الهند التي ترى في نفسها (ولايات متحدة) مصغرة، حيث لاحق قيادات المليشيات الاسلامية المسلحة في باكستان، ولكنه في المقابل، ابقى على دعمه لنشاطاتها ضمن اطار حركة التحرر والجهاد في كشمير"، طبقا لما يراه الصحفي والمحلل السياسي الباكستاني حميد مير.
وضمن هذا الفهم يعقد مير مقارنة سريعة ويخلص الى نتيجة مفادها ان مشرف في ردة فعله على الضغوط الهندية "ليس (كما)الرئيس الفلسطيني عرفات" الذي يواجه ضغوطا مماثلة للقضاء على المليشيات المسلحة في بلاده.
وفي وقت يرى فيه العديد من المحللين ان الولايات المتحدة باتت عاجزة تماما عن لعب دور مؤثر في مساعي نزع فتيل الازمة الناشئة على خلفية العملية الانتحارية التي استهدفت البرلمان الهندي، الا ان البعض يرى ان هناك بصيص امل في ان تسفر الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، عن تغطية هذا العجز الاميركي، وصولا الى تحقيق انفراج يقود الى اعادة البلدين لمنطق الدبلوماسية، ويردهما عن لغة الحرب.
وفي هذا السياق، فقد توقع مير في حديث مع "البوابة"، ان ينجح بلير، الذي تمثل بلاده رمزا رئيسيا في التحالف الدولي، الى جانب علاقاتها التاريخية مع الهند وباكستان، في انجاز تقارب دبلوماسي بين الجارتين، والضغط عليهما باتجاه تغليب لغة الحوار.
واستنادا الى هذه الرؤية، فان مير يعرب عن اعتقاده "أن المنطقة لن تشهد في المستقبل القريب حربا كبيرة بين الهند وباكستان"، كما انه يستبعد تماما اللجوء لخيار السلاح النووي، والذي جدد البلدان امس اتفاقا بينهما يقضي بعدم استخدامه او استهداف منشآته في أي نزاع بينهما.
ويشير الصحفي الباكستاني في اطار رؤيته هذه الى رفض العالم نشوب هذه الحرب بين الدولتين النوويتين، ويبدي تفاؤله في ان تلعب الجهود التي تبذلها العديد من العواصم دورا في نزع فتيل الازمة.
هذا، ومن المتوقع ان يصل بلير الى باكستان في السابع من الشهر الجاري، حيث سيجري مباحثات مع مشرف، وبعد ذلك سيتوجه الى نيودلهي لاجراء مباحثات مماثلة مع فاجبايي.
الى هنا، واتصالا بالدور الأميركي تحديداً، فإن مير يرى أن السبب في عدم قدرة الولايات المتحدة على لعب دور مؤثر في هذه الأزمة يكمن في "خشيتها من أن تقع في مطب اتهامها من قبل الهند بانتهاج سياسية الكيل بمكيالين".
ويوضح "أن الهند، التي تحاول من خلال هذه الأزمة إظهار نفسها كـ "ولايات متحدة" مصغرة، عمدت الى تكرار نفس الخطاب الذي استخدمته واشنطن في تعاطيها مع حربها ضد طالبان وأسامة بن لادن، فواشنطن لم تقدم أي دليل يدين بن لادن، ومع ذلك كانت تطالب بترحيله من أفغانستان، ونيودلهي الآن تفعل الشئ نفسه، عبر عدم استعدادها لتقديم أي دليل يدين المسلحين الباكستانيين، وفي نفس الوقت فإنها تطالب بترحيل 20 شخصاً من باكستان، وهكذا فإن أي ضغط أميركي على الهند سيقابل بتهمة الكيل بمكيالين من جهة نيودلهي".
غير أن مير، وبرغم تفاؤله هذا، يبدي تشاؤماً حيال تجاوب نيودلهي مع المبادرات والوساطات الدولية، ويرى أن "الهند تبدي عدائية كبيرة في هذه المسألة".
ويلفت في السياق إلى أن "الهند، وبعد نحو أسبوعين من إنهاء بلير زيارته لنيودلهي، ستبدأ مناورات عسكرية هي الأكبر في تاريخها على الحدود مع باكستان، وباعتقادي أن الجيش الهندي الذي سيحشد قواته على الحدود، ليس معنيا بتدريب جنوده، وإنما هو معني بالتغطية على عملية حشد هذه القوات ضمن من استعداداته للحرب".
إلى ذلك، قد استبعد مير وقوع مواجهة بين الشارع السياسي الباكستاني، ورئيس الوزراء برويز مشرف، على خلفية الإجراءات التي بدأ باتخاذها ضد المليشيات الإسلامية المسلحة، وهي الإجراءات التي تنظر إليها بعض القوى السياسية الباكستانية على أنها جاءت استجابة للضغوط الهندية والأميركية.
وفي الوقت الذي نظرت إليه فيه الأوساط السياسية الباكستانية لإجراءات مشرف، من زاوية إنها تشكل تراجعا في نهج الدفاع عن القضية الكشميرية، إلا أن مير أكد أن "مشرف لم ولن يساوم في هذا الموضوع".
وقال "أن مسألة ملاحقة المليشيات المسلحة منفصلة تماما، ضمن سياسية مشرف، عن موضوع دعم حركة تحرير كشمير".
وأوضح أن "ملاحقة المليشيات المسلحة، كانت بدأت قبل احداث 11أيلول/سبتمبر، وقد يكون مفاجآة أن يعلم الكثيرون أن حملة الملاحقات ضد "عسكر طيبة" و"جيش محمد" بدأت في الثاني والعشرين من أغسطس 2001، وفي ذلك اليوم تم اعتقال 450 من عناصرهما في كراتشي".
وأضاف "وهكذا، فإن المسألة كانت، حتى قبل احداث ايلول/سبتمبر، من ضمن سياسية حكومة مشرف التي ترى أن هذه المليشيات يجب أن تنقل نشاطاتها إلى كشمير، وليس إلى داخل باكستان، ومشرف لم يطلب من هذه المليشيات وقف الجهاد في كشمير، وأنما طلب إليها أن لا تظهر سلاحها داخل المدن الباكستانية".
هذا، وقد عقد مير مقارنة بين حالة الرئيس مشرف والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، من حيث ان كليهما يخضع لضغوطات اميركية وغربية لدفعه الى التحرك ضد المليشيات المسلحة الداخلية، ثم قال خالصا الى نتيجة "احب ان اقول لكم هنا ان مشرف ليس ياسر عرفات"
وحول اعتقال زعيمي هذين التنظيميين، وما إذا كان يشكل استجابة صريحة لمطالب نيودلهي، يقول مير أن "مشرف اعتقلهما بسبب تورطهما في نشاطات سياسية داخل باكستان، ولم يفعل ذلك بسبب إنهما يقودان مليشيات ذات صبغة نشاط دولية، حال منظمة القاعدة، وبالتالي فإن هذه الإجراء لم يكن استجابة للمطالب الهندية".
ويضيف انه "وفي هذا الإطار فأن المجتمع الدولي لا ينبغي أن ينتظر الكثير من مشرف حيال حركة التحرر في كشمير والمستمرة منذ 70 عاماً".
وحول احتمال وجود دور إسرائيلي في هذه الأزمة خاصة وأن تل أبيب قلقة ومهتمه منذ أعوام بالقدرات النووية الباكستانية، فإن مير يرى أن "إسرائيل تتعاون منذ زمن مع الهند، وخبراؤها العسكريون موجودون في الهند منذ سنوات، وهناك معلومات تؤكد أن مسؤولين من سلاح الجو الإسرائيلي موجودين أيضاً وبشكل ظاهر في الأراضي الهندية".—(البوابة)