كتب الروائي السوداني الكبير الطيب صالح عدة روايات في طليعتها (موسم الهجرة إلى الشمال) و(عرس الزين) إلا أنه رغم مضي ثلاثين عاما على كتابته هذه الروايات ، لم تظهر له روايات أو قصص أخرى،ولم ينشر شيئا باستثناء بعض المقالات في الصحف والمجلات.
قبل سنوات قليلة عمد إلى كتابة خواطر وملاحظات حول شخصيات أدبية وفكرية من التراث العربي القديم، كذي الرمة والمتنبي والمعري، لذلك هو ينكر أن يكون ثمة انقطاع في نتاجه الثقافي كونه مستمرا في الإنتاج الأدبي، ولا يضيره ـ كما يقول ـ عدم صدور روايات جديدة له، لأنه يعبر عما يجده، أو يشعر به، بهذه الطريقة أو تلك، المهم عنده أنه مازال يكتب ويبدع عبر هذا الجنس الأدبي أو ذاك.
يقول الطيب" إن لدي رغبة شديدة في التعلم والمعرفة وعندي إحساس بأني إذا لم أكتب من الآن وصاعدا، فلن يتغير شيء في العالم، وبهذا المعنى ما دام عقلي يقظا، فهذا يكفي.. إن قراءتي كتبا جميلة، ومعايشتي شعراء رائعين هو نوع من التعبير الإبداعي. فالقراءة أيضا إبداع."
جاء هذا في حديث للطيب صالح لصحيفة البيان الإماراتية نشرته اليوم الأحد حين سئل عن أسباب توقفه عن كتابة الرواية ، وعن مكانة الأدب العربي في الخارج، وبخاصة في أوروبا القاهرة، قال الطيب "هناك أناس يكتبون شعرا ولا يقرأون الشعر، وآخرون ينتجون رواية ولا يقرأون رواية.. ثمة أصوات كثيرة، آلاف الأصوات العظيمة في الدنيا في ما مضى وفي الوقت الراهن و ما أنا سوى قطرة في هذا البحر، ومع ذلك لا أظنني انقطعت بالمعنى العميق والتعبير الحقيقي للتواصل.
ورفض الطيب صالح تصنيف عزلته كنوع من الاكتئاب وقال "أنا لست مكتئبا ولا يائسا، ولو كنت كذلك لانقطعت عن كل شيء الكتابة والقراءة والاكتراث.. بينما أنا في حوار وتواصل مع ما سبقني من عقول في الثقافة العربية وفي الثقافة الأجنبية، وإذا شعرت بحاجتي لأن أكتب رواية سأفعل. لكن ليس على مبدأ أن القضية قضية حياة أو موت إذ ليس هدفي تكوين مجد روائي. فمثلا هناك أناس مثل نجيب محفوظ الذي كان يجلس كل يوم في وقت محدد من الساعة كذا الى الساعة كذا ليكتب وهناك بلزاك أيضا، أنا معجب به، كانوا يسمّونه الآلة الكاتبة ، لكن في اعتقادي أن العمل بهذه الطريقة يخلّ بتوازن الحياة و يأكلها. والانسياق كليا وراء سراب الإبداع قد يؤدي إلى نتائج خطيرة ، أنا أحاول فقط أن أوازن بين الأمور، و ربما أنا أرتكب حماقات في ما بقي لي من سنوات".
وعن ارتباط الإنتاج والإبداع بالعمر أجاب الروائي السوداني :هناك بعض الصحة في أن كل مرحلة من العمر تقود إلى نوع معين من الإنتاج الفني أو الأدبي، لكن ثمة أناسا يبرهنون على عدم صحة هذه النظرية، فهناك من بدأوا بالكتابة في سن متأخرة، وهناك أيضا أناس وفقوا بين ألوان مختلفة من التعبير.
وعزا الطيب عزوفه عن الكتابة إلى واقع الكاتب والأديب الاقتصادي، مقارنا هذا الوضع بوضع الكتاب الإنجليز أو الفرنسيين الذين تدعمهم الحوافز، ويحصدون مقابل ما يبذلونه من جهد فينتجون أكثر لأن كل رواية تقدم لهم مردوداً.. بينما نحن ليس لدينا أي مردود" وخاطب الطيب الذين يطالبون أي كاتب أو روائي بأن يكتب أكثر قائلا: "هذا المصنع الذي تريده أن ينتج عليك أن تضمن استمرارية إنتاجه. أنا أعمل مثل بعض أصحاب حوانيت القرى حيث يكون صاحب الحانوت له مزاجه، يفتح حانوته يوما ويغلقه يومين، يسافر شهراً ويعود ليفتحه من جديد. أنا أشتغل بهذه الطريقة..
وعن نظرته إلى جائزة نوبل, وأسباب أو شروط الفوز بها أجاب :"لا يعني أن الفائز بجائزة نوبل هو الوحيد الذي يستحقها ،هناك كثيرون في العالم يستحقونها ولا يفوزون بها. لقد كان جراهام جرين الكاتب الإنجليزي أعظم روائي في العالم ومع ذلك لم يفز الجائزة ، و ايثالو كالفينو الذي توفي قبل خمس عشرة سنة تقريبا روائي عظيم ومع ذلك لم يفز بها. و من كتاب أميركا اللاتينية أعطيت الجائزة لماركيز, ولم تعط لجورج أمادو أو لبورخيس. و أنا أعتقد أن أمادو كان الأهم، وهذا أيضا رأي الكثيرين من كتاب أميركا الجنوبية أنفسهم. في هذه الجائزة عنصر حظ وعناصر أخرى طبعاً.. و من بلادنا العربية فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل، وهو كاتب عظيم، و قد سألت في مكتبات لندن عن كتب مترجمة له فقالوا :من يكون؟.. قلت لهم: لقد نال جائزة نوبل قبل يومين، فقالوا ليس عندنا أي كتب له.. وهذا يوضح أن هناك نوعا من المقاومة للأدب العربي في الخارج، وقبول أدبنا في أوروبا لن يكون إلا نتيجة تحول في وجدان الأوروبيين. لكن زمان الأدب العربي مقبل لا محالة، لأن في هذا الأدب شيئا يحتاجه الأوروبيون والغربيون عموما لكنهم لم يدركوه بعد. وأعتقد انهم سيفعلون يوما- -(البوابة)