عززت سوريا من وجودها العسكري في لبنان بعد العدوان الذي شنته الليلة قبل الماضية الطائرات الاسرائيلية على مواقعها، كما وضعت قواتها في حالة تأهب قصوى، في وقت عمت فيه التظاهرات المنددة بالعدوان كلا من لبنان وسوريا، وكشفت ردود الفعل عن انحياز أميركي وبريطاني مكشوف إلى جانب إسرائيل ونددت العواصم العربية بالعربدة الإسرائيلية.
قالت "قناة" الجزيرة إن القيادة السورية عقدت مساء أمس اجتماعا طارئا لتدارس الموقف بعد الغارات التي شنتها الطائرات الحربية الاسرائيلية على مواقع للجيش السوري الليلة قبل الماضية وأسفرت عن سقوط شهيد وإصابة أربعة آخرين بجروح متوسطة، كما دفع الجيش السوري بتعزيزات جديدة إلى لبنان تحسبا من عمليات عسكرية إسرائيلية جديدة خاصة بعد المواقف الإسرائيلية المهددة بتكرار العمليات العسكرية ضد الجيش السوري، والتصريحات التي طالبت سوريا بكبح جماح حزب الله وسحب قواتها من لبنان.
وكانت إسرائيل قد أكدت بعد العدوان بأنها تريد نقل "رسالة واضحة" إلى سوريا التي تحملها مسؤولية الهجمات التي يشنها حزب الله على إسرائيل منها الهجوم في قطاع مزارع شبعا الذي أسفر السبت عن مقتل جندي إسرائيلي.
وقال رعنان غيسين الناطق باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون "على الجانبين الفلسطيني والسوري أن يفهما بأن هناك حكومة جديدة في إسرائيل ومعها تغيرت قواعد اللعبة".
وقال وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن أليعازر "لقد لقنا السوريين درسا ونحملهم وحدهم مسؤولية ما حصل" في إشارة إلى هجمات حزب الله الشيعي خصوصا في مزارع شبعا عند الحدود مع سوريا ولبنان وإسرائيل.
وفي هذه الأثناء تظاهر الآلاف من المواطنين السوريين واللبنانيين في دمشق وبيروت لإسناد الموقف السوري والتنديد بالعدوان، وطالب المتظاهرون القيادات العربية بالثأر من العدوان الإسرائيلي.
ولمحت سوريا بالرد على العدوان الإسرائيلي وأعلن وزير الخارجية فاروق الشرع من موسكو حيث يقوم بزيارة أن "إسرائيل بقيامها بمثل هذا العدوان قد ارتكبت خطأ فادحا ستدفع ثمنه باهظا في الوقت المناسب".
وأضاف أن "إسرائيل، بأعمالها العدوانية هذه، لا تقتل فقط الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، وإنما تقتل أيضا عملية السلام، وتزيد من دائرة التوتر وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط".
وقال ناطق رسمي سوري إن "سوريا تعتبر هذا العدوان السافر ضد قواتها تصعيدا خطيرا من شأنه أن يؤدي إلى زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة (...) مؤكدة أنها تحتفظ لنفسها بحق "الدفاع ضد أي عدوان".
وأفاد مراسلو وكالة "فرانس برس" أن حزب الله والجيش الإسرائيلي كانا في حال تأهب على جانبي الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
وقال حزب الله في بيان وزع مساء أمس على الصحافة في بيروت "إن يد العدو التي امتدت إلى أرضنا وأشقائنا سنقطعها" وأن "المقاومة الإسلامية (الذراع العسكرية لحزب الله) تعرف أين ومتى وكيف تصعق هذا العدو وتنزل فيه الضربة الموجعة".
ردود فعل: تنديد عربي
ووجه لبنان الذي وقع العدوان على أراضيه وحيث، ينتشر نحو 35 ألف جندي سوري رسالة إلى أنان لإدانة "العدوان الإسرائيلي الذي يشكل انتهاكا فاضحا لسيادته".
وفي اتصال هاتفي مع نظيره السوري بشار الأسد حذر الرئيس اللبناني إميل لحود من حصول "مواجهة شاملة" في المنطقة. وقال إن "الغارات الجوية الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية تطور خطير يعبر عن النهج الدموي الذي يعتمده (رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون) منذ قدومه إلى السلطة" مؤكدا أن "هذا النهج من شأنه أن يدفع باتجاه المواجهة الشاملة".
ويؤكد محللون في بيروت أن التصعيد بين سوريا وإسرائيل قد ينسف فرص التوصل إلى تسوية كانت تلوح في الأفق حول الوجود السوري في لبنان.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين الذين انجروا في دوامة العنف مع قوات الاحتلال الإسرائيلية في الأراضي المحتلة منذ أكثر من ستة أشهر فإن الغارات الإسرائيلية "تصعيد خطير".
وقال الرئيس ياسر عرفات إن الغارات الإسرائيلية على مواقع عسكرية سورية في لبنان بمثابة "تصعيد خطير يجر المنطقة كلها إلى وضع في منتهى الحرج".
كما دانت مصر والأردن الدولتان العربيتان اللتان وقعتا معاهدة سلام مع إسرائيل الغارات الإسرائيلية.
وأكد الرئيس المصري حسني مبارك أن "مصر تنبه إسرائيل إلى ضرورة الكف عن هذه الممارسات الخطرة وتنفيذ الاتفاقيات التي سبق التوصل إليها والتجاوب مع الجهود المبذولة لاستئناف مفاوضات السلام طبقا للمرجعية الدولية المعتمدة ومن النقطة التي توقفت عندها".
ودعا مبارك "القوى الدولية المعنية بتحقيق السلام" في الشرق الأوسط إلى "تحمل مسؤولياتها" في حين وصف وزير الخارجية الأردني الذي يقوم بزيارة لإسرائيل الغارة بأنها "تصعيد غير مبرر".
دان وزير الخارجية الجزائري عبدالعزيز بلقاسم في الجزائر العاصمة "الاعتداءات الإسرائيلية".
وقال بلقاسم "إن الجزائر تدين الاعتداءات الإسرائيلية على اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين وتدعو المجتمع الدولي إلى اعتماد موقف حازم حيال هذه الاعتداءات".
وأضاف "من الضروري إدانة هذه الاعتداءات التي تدل على أن الشارع والإدارة الإسرائيلية لا يريدان السلام".
وأعلن وزير الداخلية السعودي الأمير نايف بن عبدالعزيز، الذي تعتبر بلاده حليفا قريبا من الولايات المتحدة، في طهران أمس أن الدعم الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل يعزز دعم الدول العربية والإسلامية للقضية الفلسطينية.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية عن الأمير نايف قوله إن "الولايات المتحدة تقف إلى جانب إسرائيل (...) وهذا يدفع العرب إلى وضع خلافاتهم جانبا وتوحيد جهودهم مع جميع الدول الإسلامية وفي طليعتها إيران للدفاع عن القضية الفلسطينية".
وقالت الوكالة إن الأمير نايف التقى رئيس مجلس الشورى الإيراني مهدي كروبي والرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني الذي أدان "الهجمات البربرية اليومية التي يشنها النظام الصهيوني على السكان الفلسطينيين العزل".
وتطرق الأمير نايف مع المسؤولين الإيرانيين إلى التعاون بين الدول الإسلامية لتسوية الأزمات في المنطقة منها اختبار القوة بين العراق والولايات المتحدة والحرب الأهلية في أفغانستان.
ونقلت الوكالة عن الوزير السعودي قوله في هذا الخصوص إن الرياض وطهران تتحملان "مسؤولية كبرى لضمان الأمن والاستقرار في المنطقة".
ودانت جامعة الدول العربية الغارات الإسرائيلية على مواقع سورية في لبنان واتهمت حكومة أرييل شارون بالسعي إلي جر المنطقة إلى "حافة الهاوية" وأضافت في بيان أن "هذا العدوان يشكل تصعيدا خطيرا في السياسات الإسرائيلية ويعبر بوضوح عن النهج الدموي والتخريبي لعملية السلام".
انحياز أميركي بريطاني مكشوف
وفي سياق ردود الفعل على العدوان الإسرائيلي برز الموقف الأميركي المكشوف بانحيازه لإسرائيل حيث حمل حزب الله مسؤولية "تصعيد أعمال العنف".
وأعلن المتحدث باسم البيت الأبيض آري فلايشر "خلال الساعات الـ 48 الأخيرة، لاحظنا تصعيدا خطيرا للعنف على طول خطوط الانسحاب وتدين الولايات المتحدة هذا التصعيد الذي بدأه حزب الله".
وأعلن فلايشر أيضا أن "الولايات المتحدة تحث جميع الأطراف على التحلي بضبط النفس (…) وأنه تذكير آخر بضرورة وضع حد لدوامة العنف في الشرق الأوسط".
وفي وقت سابق دعا السفير الأميركي في بيروت ديفيد ساترفيلد إلى "التحلي بأقصى درجات ضبط النفس" بعد الغارات الجوية على مواقع عسكرية سورية في لبنان ليل الأحد الاثنين والتي جاءت على حد قوله ردا على "استفزازات متعمدة" من قبل حزب الله.
وقال ساترفيلد عقب اجتماعين منفصلين عقدهما مع الرئيس اللبناني إميل لحود ورئيس وزرائه رفيق الحريري وأوضح "أن الأهم هو ما كنا نقوله منذ أشهر بأن العمليات العسكرية المقصودة والاستفزازية في جنوب لبنان لا يمكن أن تؤدي إلا إلى تصعيد الوضع" .
وأعرب عن أمله في أن تفهم الرسالة وان تتوقف هذه الهجمات " الاستفزازية " الآن، مشيرا إلى أنه إذا ما استمر ذلك فهو ليس في مصلحة لبنان أو سوريا استمرار مثل هذا النمط من النشاط .
وردا على سؤال حول رأيه في بيان القصر الجمهوري الذي يقول إن لبنان ومقاومته سيواصلان حق تحرير مزارع شبعا استشهد الدبلوماسي الأميركي بكلام الممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستيفين دي ميستورا حين قال أن الهجمات عبر الحدود في منطقة شبعا هي انتهاكات للشرعية الدولية وتناقض إرادة الأمين العام ومجلس الأمن وإنها مناقضة للواجبات الناجمة عن القرار 425.
وخطت لندن على طريق واشنطن إذ ألقت باللوم على عمليات حزب الله الهادفة لتحرير مزارع شبعا. وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية مساء أمس أن بريطانيا "تشجب" العنف و"تأسف" لسقوط القتلى.
وقال المتحدث باسم الخارجية البريطانية إن "بريطانيا تشجب العنف من أي جهة أتى وتأسف للقتلى الذين سقطوا من جراء هذا الهجوم".
وأضاف "ندعو كل الأطراف إلى التحلي بضبط النفس ونحثهم بقوة على استئناف المفاوضات".
الأمم المتحدة تدعو لضبط النفس
وفي سياق ردود الفعل الدولية أيضا، اعتبرت الأمم المتحدة العدوان الإسرائيلي بأنه "انتهاك للخط الأزرق" الذي رسمته القوات الدولية بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في آبار/مايو الماضي.
وقال ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في جنوب لبنان ستفان دي ميستورا بعد لقائه مع وزير الخارجية اللبناني محمود حمود إن "ما جرى الليلة الماضية خطير"، مضيفا "إنه انتهاك جديد لـ(الخط الأزرق) الذي نحاول أن نحميه لأنه رغم كل شيء ضمانة للعالم العربي".
وذكر أنه "أدلى بتصريحات حازمة جدا" بعد الهجوم الذي نفذه حزب الله الشيعي اللبناني السبت في قطاع مزارع شبعا وأسفر عن مقتل جندي إسرائيلي، معتبرا أن الهجوم يشكل أيضا "انتهاكا" للقرار 425.
وقال "يجب أن نستمع لموقف الأمم المتحدة التي تشعر بالقلق وتراقب تصعيدا لردات فعل إسرائيلية من الجانب الآخر لـ (الخط الأزرق) على أهداف سورية في الأراضي اللبنانية".
ومن ناحيته وجه الأمين العام للأمم المتحدة في اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء اللبناني "نداء إلى التهدئة وضبط النفس".
قلق دولي
وفي موسكو "دان" نائب وزير الخارجية الروسي فاسيلي سريدين بشدة هذه الغارات. وذكر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي كان يستقبل وزير الخارجية السوري فاروق الشرع "بدور سوريا المهم في التسوية السلمية في الشرق الأوسط".
وأعربت فرنسا عن "قلقها الشديد" إثر الغارة الإسرائيلية داعية "جميع الأطراف إلى وضع حد للعنف".
كما أعربت الحكومة الألمانية عن "قلقها الشديد" ودعت "بشكل عاجل جميع الأطراف إلى الامتناع عن القيام بالمزيد من العمليات العسكرية وعن إراقة الدماء"—(البوابة)—(مصادر متعددة)