تغص الساحة الهاشمية في وسط عمان بعشرات العراقيين الذين ينتظرون سائقي سيارات الأجرة الآتين من بغداد إما للاستعلام عن الأوضاع هناك وإما لتلقي معلومات أو رسائل من ذويهم وأقاربهم، أو للتفاوض معهم على الأجرة التي سيدفعونها لهم بدل نقلهم إلى بغداد.
وخلافاً لكل التقديرات عن أعداد اللاجئين الذين "سيهربون من جحيم الحرب" الى مخيمات اللاجئين، لم يسجل مركز الكرامة الحدودي وصول أي لاجئ عراقي حتى مساء أمس، ولا يزال المخيم المعَد لاستقبال هؤلاء "خاليا". والأغرب من ذلك أن مئات العراقيين حزموا أمتعتهم وعادوا إلى بلادهم. ووفقا لمدير مركز الكرامة الحدودي العقيد أحمد الهزايمة عبر أكثر من 620 عراقيا الحدود إلى بغداد حتى مساء الجمعة.
ومساء أمس، غادرت مجمع سفريات "رغدان" القريب من الساحة الهاشمية وكراج المحطة، ثلاثة أوتوبيسات نقلت نحو 120 راكباً في اتجاه بغداد. وبرر أحدهم اللامبالاة التي بدت على وجوه كثيرين منهم، بقوله: "نحن جيل نشأنا في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وهذان عقدان من الحروب جعلا الحرب جزءا من حياتنا اليومية".
وقال محمد خلف الذي يعمل في البناء منذ ستة أشهر لـ"النهار" انه عائد "للدفاع عن أرض العراق وعن الأهل"، مضيفاً أنه طلب من أهله الذين يقطنون في منطقة الفلوجة شمال بغداد، أن يخزنوا مواد تموينية تكفيهم سنة كاملة، وأن يشتروا سلاحا "لمقاتلة الأميركيين إضافة إلى السلاح الذي قالوا لي إن الدولة سلمتهم إياه (...) وقد أرسلت إليهم خمس ورقات" أي 500 دولار.
وشاطره رأيه يوسف أحمد، وهو بنّاء يسكن مع محمد، وأكد أن "أرض العراق ستكون مقبرة للأميركيين والبريطانيين... الأميركيون الغزاة يقولون انهم أتوا لتحريرنا من قيادتنا، قيادة العراق يحددها شعب العراق لا الغزاة".
ولم يتحمَّل جبار خميس المشاهد التي بثها التلفزيون، وفيها الطائرات الاميركية تدك بغداد والقوات الاميركية تحاول محاصرة المدن العراقية، "لذلك تركت عملي (بيع الحلي التقليدية في وسط البلد) لأعود إلى بلدي... لا ينقصني شيء للالتحاق بالمقاتلين، فأنا مدرب تدريباً جيداً على استخدام السلاح". وقد ترك زوجته وأولاده في عمان "واستودعتهم الله الذي لن يتركهم ولن يترك العراقيين وحدهم".
"أريد العودة الى بغداد لأكون مع أسرتي هناك، خصوصاً أنّني كبير إخوتي"، هكذا برر الشاب العراقي أحمد هليل ( 25 عاما) عودته الى بغداد التي تركها الى عمّان قبل شهرين ونصف شهر للعمل.
ويقول حيدر كاظم (وهو شيعي قدم من مدينة الناصرية الجنوبية) إن غالبية العراقيين الراغبين في العودة هم من الشباب الذين تركوا أسرهم وجاؤوا الى الاردن بحثاً عن فرصة عمل أو وسيلة للسفر الى أوروبا أو دول الخليج للعمل هناك. وهو يحضر نفسه للعودة بعد أن ينجز عمله في عمان. وأكد أن "شباناً عراقيين كثراً عادوا الى بلادهم اثناء الحرب... لا اعرف عددهم لكنهم كثر".
ومنذ بدأت الحرب الاميركية - البريطانية على العراق بدأ شبان عراقيون مقيمون في الأردن تصفية أعمالهم تمهيدا للعودة إلى بلادهم، فيما اكتفت أسر أخرى مقيمة بالدعاء الى أن يلطف الله بأبنائها.
وتقدر احصاءات غير رسمية عدد العراقيين في الاردن بنحو 300 ألف، اكثرهم يقيمون بطريقة غير شرعية.
ويقول حيدر (19 عاما): "حضرت الى عمان وحدي للعمل عند أقرباء لي يملكون محلاً للاتصالات في منطقة سحاب، الا انني أريد العودة للدفاع عن العراق".
وتجمعت في منطقة قريبة من الساحة الهاشمية مجموعة أخرى كانت تحاول تأمين وسيلة نقل رخيصة للعودة الى العراق فيما ارتفعت اجرة النقل للسيارات إلى ما يقارب ألف دولار وفقاً لنوع السيارة، الامر الذي منع العديد منهم من مجرد التفكير في الموضوع.
ويقول فارس عياش من البصرة إنه ينتظر منذ يومين توافر مقعد شاغر في إحدى الحافلات العراقية، الا أن الحجوزات الكثيفة والاسعار المرتفعة منعته من أن يكون الان بين اهله تحت القصف. ويوضح أنه "منذ اندلعت الحرب قررنا العودة، الا ان عملية تصفية الحسابات مع اصحاب العمل أخرتنا ونحن الان ننتظر حافلة تعيدنا الى العراق".
أما "أم منير" المقيمة في الاردن منذ خمسة أشهر والتي تعتاش مما تبيعه في "بسطة" لبيع السجائر، فاستهجنت السؤال عما اذا كانت تريد العودة الى بغداد ام لا، وتساءلت: "كيف أسافر وانا أُعيل في عمّان ولدين صغيرين؟".
“أم منير" ذات السنوات الخمسين والاتية من مدينة كربلاء تستمع الى أخبار الحرب من النساء العراقيات فقط. وكذلك هي الحال مع "أم علي" التي تمتهن العمل نفسه وهي أتت وحدها من البصرة قبل خمسة أشهر، وتقول إنها تجني من البسطة خمسة دنانير يوميا، تكفيها بالكاد أجرة السكن والمأكل. وهي تشترك ومجموعة من النساء العراقيات في السكن في منطقة الجوفة ولا تملك إلا أن تدعو الله "بحرمة العتبات المقدسة أن ينصرنا على الأعداء والخوَنة".
عن صحيفة "النهار" اللبنانية.