اسطنبول – سوسن صلاح
دخل العراق العام الثاني عشر من الحصار، بالتزامن مع احيائه الذكرى الحادية عشرة لحرب الخليج الثانية، التي اندلعت فجر الـ17 يناير/كانون الثاني 1991، وتحالفت خلالها 33 دولة، بهدف اجبار القوات العراقية على الخروج من الكويت التي احتلتها اواخر العام 1990.
وبرغم موت الملايين من الاطفال العراقيين نتيجة نقص الغذاء والدواء بفعل الحصار، ناهيك عن تردي اوضاع البلاد بعامة، الا ان اية بوادر لا تلوح في الافق لتبشر بقرب انتهاء الحصار، بل على العكس من ذلك، تنذر التطورات على صعيد الحرب التي اعلنتها الولايات المتحدة ضد ما تسميه "الارهاب" بضربة جديدة لهذا البلد العربي، وان لم يكن كذلك، فان البديل الاميركي الجاهز هو المزيد من تضييق حلقة الحصار، عبر احياء مشروع العقوبات الذكية، لتحل مكان برنامج الغذاء مقابل الدواء.
العراق، احيى الذكرى الحادية عشرة للحرب، والتي وافقت الخميس، وكذلك فعلت اميركا، ولكن كلا منهما احيى ذكرى المناسبة بطريقته..فالعراق اكد عبر خطاب القاه صدام حسين، على عدائه للولايات المتحدة التي يرى انها ام الويلات التي حلت به، اما الولايات المتحدة فقد افتتحت الاحتفالية بهذه الذكرى عبر اطلاق مزيد من التهديدات بشن حرب مماثلة للتي اعلنتها عام 1991.
الحرب الاعنف في التاريخ
الحرب، وكما يراها العالم الغربي، كانت نذرها الاولى قد انطلقت اواخر العام 1990، مع بدء الرئيس العراقي صدام حسين "مغامرته" غير المحسوبة، والتي تمثلت في دفع جيوشه إلى الأراضي الكويتية عام 1990.
ومن أجل إخراج القوات العسكرية العراقية من الأراضي الكويتية، حشدت الولايات المتحدة تحالفا عالميا ضم 31 دولة، وشن هذا التحالف فجر الـ17 يناير/كانون الثاني 1991 حربا واسعة النطاق على العراق.
كان قرار بدء الحرب، التي فضلت اميركا التقليل من شانها، عبر تسميتها "عملية" عاصفة الصحراء، فيما اطلق عليها العراق "أم المعارك"، قد تم اتخاذه في مكتب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، واعلن عنه حوالي الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الخامس عشر من يناير 1991، عقب اجتماع عقده بوش مع كبار مستشاريه للأمن القومي.
وبدأت العملية (الحرب)، بضربة جوية وصفت بانها الاشرس في التاريخ.
أقلعت الطائرات المشاركة في الضربة الجوية الأولى، التي استهدفت بغداد، من حاملات للطائرات في الخليج العربي والبحر الأحمر وقاعدة إنجرليك الجوية في تركيا والقواعد الجوية في المملكة العربية السعودية والبحرين.
استمرت غارات اليوم الأول 240 دقيقة، واشتركت فيها 400 طائرة، نفذت 1200 طلعة، كان نصيب القوات الجوية السعودية والكويتية منها اكثر من 300 طلعة.
وقد ساهمت طائرات الآواكس في تامين الدعم اللوجيستي لهذه الطلعات، فيما صبت قاذفات البواخر الحربية الأميركية نحو 100 صاروخ من طراز توما هوك على القوات العراقية.
وبعد قليل من بدء الحرب، كانت الغارات تطال المدن العراقية: الموصل وأربيل والكوفة ونينوى (شمال) والسماوة وبغداد والبصرة (جنوب).
وكانت حربا لا قبل للعراق بها..فقد وصل عدد جنود التحالف اكثر من 750 ألفا، وكان بينهم نحو 500 ألف أميركي و200 ألف عنصر يشكلون الوحدات العربية التي انضمت إلى التحالف، فيما وصل عدد السفن الحربية المشاركة في العمليات العسكرية أكثر من 100 سفينة غالبيتها أميركية، ووفرت نحو 1800 طائرة مقاتلة و1700 طائرة هليوكوبتر غطاء جويا منقطع النظير للعمليات العسكرية على الارض.
ولم توفر الولايات المتحدة ايا من مدمراتها البحرية الشهيرة بقوتها، فقد اشركتها في الحرب، وكان من بينها المدمرة "ميزوري" التي قامت بقصف مواقع مختارة داخل لكويت مستخدمة قذائف ضخمة تزيد زنة الواحدة منها على ألف كيلو غرام، والمدمرة "ويسكانسن" والتي كانت تشارك للمرة الأولى منذ الحرب الكورية إضافة إلى حاملات الطائرات "سارتوغا" و"كينيدي" و"تيودور روزفلت" و"أميركا" و"ميدواي" و"رينجر".
وزيادة على التفوق العسكري في العديد والمعدات، فقد وظفت الولايات المتحدة احدث وسائل التكنولوجيا الحربية المتطورة في الحرب، كما سخرت ثمانية أقمار صناعية لعمليات لتصوير فوق المواقع العراقية في الكويت والعراق، وللإنذار المبكر ضد الصواريخ سكود وسكود "ب"، وكذلك للتنصت على الاتصالات اللاسلكية للقوات العراقية.
شراسة وعنف ودمار غير مسبوق
وشهدت هذه الحرب شراسة وانعدام رحمة بالعدو من كلا الجانبين، وكان العنفوان الاميركي في توجيه الضربات وبكل السبل العسكرية المتاحة، اكثر طغيانا وصبغا لوجه هذه الحرب، فقد استخدمت القوات الأمريكية كافة انواع القنابل والذخائر، وحتى القنابل العنقودية المحرمة دوليا، تم استخدامها، ولاحقا اكتشف انه تم استخدام قذائف يدخل اليورانيوم المنضب في صنعها، وهي القذائف التي أدت إلى ظهور الكثير من الأمراض السرطانية لدى ابناء الشعب العراقي كما تؤكد بغداد وغير هيئة عالمية.
وفي سياق الشراسة التي اتسمت بها هذه الحرب، تبرز حادثة قصف ملجأ العامرية الذي كان يؤوي في داخله مئات من النساء والأطفال والشيوخ، الذين لاذوا اليه هربا من قصف الطائرات الأمريكية.
وقد شاهد الملايين في العالم، عبر شاشات التلفزة، اندلاع النيران في الملجأ وتناثر مئات الجثث للأطفال والنساء والشيوخ.
وإلى جانب الأهداف العسكرية فقد طال القصف والتدمير الأهداف المدنية والبنية التحتية من جسور وانفاق وشبكات للطاقة الكهربائية والمياه، وكانت حربا تدميرية بحق، ولا يزال العراق غير قادر بعد مضي 11 عاما على اعادة بناء منظومة خدماته الاساسية بالشكل الذي يمكن ان يخدم المواطنين.
الحصار المقيم
وبرغم ان الحرب اتت اكلها اميركيا وعالميا، حيث خرج العراق من الكويت، ودمرت قدراته العسكرية والاقتصادية، الا ان الإدارة الأمريكية لم تكتف بذلك، بل وزادت عليه بالضغط على الدول الاعضاء في الأمم المتحدة من أجل فرض حصار اقتصادي على بغداد.
وفرضت الأمم المتحدة الحصار الاقتصادي على الشعب العراقي نزولا عند الضغط الاميركي، وبسبب هذا الحصار المقيم، فقد العراق الآلاف من أطفاله وشيوخه ونسائه بسبب النقص في الغذاء والدواء.
ولم يقتصر النتائج السلبية للحصار الاقتصادي على الشعب العراقي وحده بل امتدت هذه النتائج إلى الدول المجاورة للعراق، والتي تكبدت خسائر بالمليارات، بفعل الازمات الاقتصادية التي اجتاحتها وما تزال الى اليوم.
وزيادة على كل ذلك، فقد فرضت الامم المتحدة قوانين وتشريعات هدفت في مجملها لمراقبة العراق من الداخل، ومنعه من تطوير قدراته العسكرية، وشهدت الارض العراقية لجان التفتيش على الاسلحة، اللجنة تلو الاخرى..واليوم يرفض العراق الاستمرار في استقبال اللجان، وتتخذ الولايات المتحدة من هذا الرفض ذريعة لتهديد بغداد بضربة جديدة.
وفي محصلة سنوات الحصار الاحدى عشر، فان الحصار ما يزال مقيما، ونذر التصعيد تنبئ بمزيد من الضربات التي لم تنقطع يوما عن العراق، وان كانت تتفاوت في حدتها وتقتصر في الاونة على شمال العراق.—(البوابة)