الفن التشكيلي المصري في عيون روسية

تاريخ النشر: 22 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

صدر كتاب آفاق الفن التشكيلي للمؤلف والناقد الفني الروسي اناتولي بوجدانوف وقامت الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر بنشر ترجمته العربية في الشهر الماضي عن ترجمة للدكتور اشرف الصباغ·  

والكتاب يبدو، حاملاً لتناقض مثير، فهو من ناحية يعرض للفن التشكيلي بعلمية ودقة، ربما لا نجدها في أي مؤلف مصري، وهذه إيجابية وهو من ناحية اخرى يعد نموذجاً لتأثير الأيديولوجيا في المعرفة لدرجة إفسادها في بعض الأحيان، وهذه سلبية بدت سافرة تماما في انبهار بوجدانوف بتيار الواقعية الاشتراكية في الفن المصري، واعتباره معياراً للحكم على أعمال هذا الفن سلبا أو إيجابا. 

ويتوقف بوجدانوف عند افتتاح مدرسة الفنون الجميلة عام 1908م بالقاهرة كمحطة تاريخية مهمة أتاحت للشباب المصري فرصة الدراسة في بلادهم، على الرغم من اعتماد على المدرسين الأجانب. حيث شكل الخريجون الاول للمدرسة جيل الرواد في ميادين الرسم والنحت وبدأوا نشاطهم الفني بمطلع العشرينات ليؤسسوا بداية طريق المدرسة المصرية الحديثة في الفنون الجميلة في مناخ من أفكار التحرر الوطني التي سادت المجتمع المصري آنذاك ودفعتهم الى السعي نحو بعث التقاليد القديمة للتراث الفرعوني كتعبير عن الهوية المصرية. 

ويجنح بوجدانوف إلى الأيديولوجيا في سياق آخر، عندما ينتقد هذا التوجه الى التراث القديم باعتباره عملية اقتباس ميكانيكية تعكس انهيار الثقافة الفنية في الدول الأوروبية الكبيرة التي ذهب إليها بعض المبدعين المصريين، حيث كانت هذه البلدان تعج بالتيارات المتناقضة. 

ويرى بوجدانوف في كتابه أن الفن المصري القديم كان بارد الإحساس، غارقا في المثالية، رغم شهرة هذا الفن بالقيم الجمالية الفياضة. 

ويكشف المؤلف عن اهتمام كبير بالمبدعين المصريين فيفرد لمحمود مختار، مثال مصر، حيزاً كبيراً يكشف فيه عن تأثره برودان، وبروويل، وسعيه الى استيعاب التقاليد المصرية القديمة في فن النحت، ومحاولة التوفيق بينها وبين الواقع الحقيقي، مؤكدا أن مختار استطاع تفادي الكثير من تأثيرات الأفكار المتناقضة، في المدارس الفنية الفرنسية التي كانت تعج بها العاصمة باريس. 

وينتقد بوجدانوف للسبب نفسه فنانين آخرين لجأوا الى التعبير الرومانتيكي بالنمط الأوروبي عن واقع مصري مغاير للواقع الأوروبي، وينزعج بوجدانوف من تحول بعض هؤلاء الفنانين المصريين الى الاتجاه الرمزي، وظهور حركات الفن للفن في التشكيل والأدب المصريين، كبديل للواقعية التي كانت قد استقرت في مصر في العشرينات والثلاثينات، ثم في الخمسينات والستينات، حيث أصبحت هي الواقعية الاشتراكية. 

وينسب بوجدانوف إلى رواد هذه الحركة صفات الرجعية، كما ينسب إليهم آفة موالاة القوى الرجعية الأوروبية، وخيانة كفاح الشعب المصري، وحركته التحررية من الاستعمار الغربي. 

ويدين بوجدانوف تطور بعض الفنانين في اتجاه التجريدية والتعبيرية، بينما يكيل لآخرين المديح لتأكيدهم على المبادئ الاشتراكية والروح الوطنية في أعمالهم.وتظهر من خلال هذا التناول نبرة بوجدانوف السياسية والأيديولوجية على نحو واضح . 

ويرى بوجدانوف في فنانين آخرين تحولا للأفضل مقارنة بجيل الرواد الذين شغلوا أنفسهم بالشاعرية في الحياة الشعبية عوضا عن التعبير عن قوى الشعب العاملة وعن الأحداث العالمية.  

ويتميز الكتاب بالإلمام الكبير بتراث وتاريخ الفن المصري، خاصة في القرن العشرين و يشير بلماحية ذكية إلى أعمال لفنانين كانت مثالا متميزا للفنانين المصريين في الاستخدام الرشيد للتراث المصري في عمل معاصر. 

ويكشف الكتاب عن إلمام بوجدانوف بمسارات واتجاهات الحركة الفنية المصرية، التي يعترف لها بتأثير كبير وحاسم على الحركات الفنية، في الكثير من البلدان العربية والإفريقية، حيث يشير إلى سيادة المدرسة المصرية على الفن التشكيلي في هذه البلدان وخاصة سوريا والعراق. ويلفت بوجدانوف النظر إلى تعاقب أجيال هذا الحركة، بين جيل الرواد في العشرينات والثلاثينات، الجيل الذي اهتم بالكشف عن قضايا الوطن محاولاً صياغة رؤية وطنية أو اجتماعية، تحولت في أواخر الأربعينات إلى واقعية اشتراكية، نشأ في ظلها الكثير من الحركات الفنية بالقاهرة والإسكندرية في الفترة من 1946 الى 1950. وقد وصف بوجدانوف هذه الحركة بالانكفاء على الذات، والانفصال عن الواقع القومي، تحت دعاوى الاستقلال الفني، وهو ما تغير في الستينات حيث تنامى الارتباط بين الفن والمجتمع مع بروز الجيل الثالث في مصر الناصرية - -(البوابة)