الى الذيب عايد عمرو..
يقرأ.. مادا يده بكتاب مفتوح الى اقصى مداها.. ما اتاح حتى لعابرين مهمومين، ان يسترقوا النظر الى بضعة سطور في مقتبل الفضول.
يقرأ.. في كتاب مفتوح على مصراعيه، بين دفتي رزمة من ورق قاتم لوٌنه المطر وقيظ الصيف.
لا احد يدري لماذا اختار هذا المكان الزاخر بزحمة الناس.. ولا احد يدري ما المغزى من هذا المهرجان الغريب الذي اخرج العابرين من سورة العادية واسلمهم للذهول.
رجل في حوله الاربعين، ذاهل القسمات كانكسار اشعة النجوم، يرتدي قبعة ماوتسي تونغ، ومعطفا جلديا شتاء.. وقميصا فضفاضا بنفس اللون كل صيف.. (هل ذلك مجرد تخيل!؟) يقرأ في كتابه المفتوح.. دون ان يرف له جفن.
لا احد يدري من أين ياتي؟..ومتى يغادر؟. كثيرون شكوا بانه يغادر اصلا!؟. لكن ذلك الشك لم يقم دليل عليه حتى نهايات الفصول.
يمر به اناس في طريقهم الى اعمالهم، الى متاجرهم، الى الدوائر الحكومية لانجاز معاملات، الى السوق للتبضع، الى الاطباء والمستشفيات لتلقي العلاج او زيارة احباب على وشك الهبوب. (الارواح تغادر في هبوب لا في سكون!).
يمر به اناس من كل الاعمار، فرحون، مغتبطون، حزينون وباكون.. يسترعي انتباههم بوقفته، فيتوقفون هنيهة قربه، تشرئب اعناقهم ليقرأوا ما تيسر من كتابه المفتوح، ثم يذهبون..
مرة تطور الامر، فظنه العابرون متوسلا بشكل جديد، فقدموا له المال عن طيب خاطر، لكنهم حين لاحظوا ان المال كان يسقط من يسراه المفتوحة والبادية كمغرفة ، لسبب ما.. ويكسو الارض ثم ينمو العفن والطحالب على الاوراق وقطع النقد. ويتسلق حتى رجليه. كفوا عن الاحسان اليه..وكرهوه.
لكن هذا الموقف لم يدم؟؟.. ما دام هو الدهشة. وشيئا فشيئا اعتادوا عليه، حتى غدا جزءا من المدينة.. هل قلت المدينة؟ في كتابه وردت عبارة لم ازل اذكرها: المدينة لا تنبت الازهار!.
حين توالت الفصول.. وهو يقرأ في كتابه المفتوح. ويقرا الناس فيه بضعة سطور. اشتهرت المدينة، بل ودخلت كتب العجائب والغرائب، ودخل الرجل بقبعة ماوتسي تونغ، كتاب "جينيس"، باعتباره امضى اكثر فترة في قراءة كتاب. قرر المسؤولون عن المدينة تقديم هدية للرجل.. ومكافات مالية عديدة تتيح له تحقيق كل ما يريد، ومن ضمن الهدايا فيلا رائعة في ارقى حي في المدينة.
يوم الاحتفال..وبعد قراءة ما تيسر من الايات القرانية، وعزف السلام الوطني، تقدم منه عمدة المدينة لينزع الكتاب من يده ويصافحه، شادا على يده.. لحظة سقطت تلك اليد.. وانهار.. انهار..التمثال.