صدر عن المشروع القومي للترجمة الذي يتولاه المجلس الأعلى المصري للثقافة بالقاهرة، الجزء الخاص بكتابة المرأة العربية من دليل كتابات المرأة في جميع لغات العالم، الذي نشر- بالإنجليزية- في لندن ونيويورك العام 1992.
وأعدت هذا الجزء في الأصل الإنجليزي الدكتورة فاطمة موسى وصدر تحت عنوان "الدليل الصغير في كتابة المرأة العربية" بترجمة محمد الجندي وإيزابيل كمال، ورغم صغر حجمه الذي يناسبه كمادة علمية في دليل شامل ـ إلا أنه يقدم إضاءة مهمة وضرورية تكشف أهم محطات كتابة المرأة العربية منذ بداية القرن العشرين حتى الثمانينات.
الفصل الأول من هذا الدليل يتتبع بداية الانطلاقة الحقيقية لكتابة المرأة العربية الحديثة، وما عانته من معوقات أدت الى تجاهلها وتقليص دورها في المشهد الأدبي العربي، وأهم هذه المعوقات هو سيادة مفهوم أن طبيعة المرأة العربية لا تسمح بالإجادة في مجال الإبداع الأدبي، هذا المفهوم عبر عنه أحد أساطين هذه المرحلة، وهو عباس محمود العقاد الذي قال بحدته المعروفة:إن جوهر الأنوثة هو التحفظ، فيما عدا التعبير عن الحزن ، ودلل على ذلك بشعر الخنساء التي أعتبر انها لا تظهر لنا إلا باكية نائحة.
وفي مجال كتابة المرأة للشعر حدد هذا الفصل اسم الشاعرة عائشة التيمورية باعتباره الانطلاقة الحقيقية لشعر المرأة العربية في القرن العشرين، فقد كتبت الشعر بلغات ثلاث هي العربية والفارسية والتركية، وشعرها العربي يدرس اليوم ،كنموذج للكتابة النسوية المبكرة.
و يبين الدليل أن عائشة التيمورية (1841- 1902) هي ابنة أسرة أرستقراطية مصرية أصولها ترجع الى تركيا، بالرغم من انها تعلمت داخل نظام الحريم في مصر، إلا انها تمكنت بفضل موقف والدها المثقف ان تتعلم اللغات وتكتب الشعر بدلا من تعلم عزف الموسيقى والتطريز التي كانت هي المهنة الوحيدة لبنات هذه الطبقة في مصر في هذه الفترة.
ويمجد الدليل عددا من الشاعرات، بدءا من الشاعرة فدوى طوقان مواليد نابلس 1917، الى الشاعرة المتمردة ظبية خميس مواليد أبو ظبي 1958، مشيرا الى مساندة أحد أفراد العائلة، أخ أو أب أو زوج لهن في دراسة الأدب وكتابته، وذلك ما نراه بشكل مفصّل في أسرة الشاعرة نازك الملائكة التي كان والدها وأمها وشقيقتها شعراء، أما زوجها فهو ناقد، وبالرغم انهم لم يحظوا بشهرتها باعتبارها من رواد التجديد في الشعر العربي الحديث، إلا انهم وفروا لها الجو الملائم والمساندة التي مكنتها من الاعتكاف على مشروعها الشعري.
ويبين هذا الدليل ان الاتجاه الحديث في شعر المرأة العربية الذي بدأته عائشة التيمورية - حمل تياراً قوياً من شعر التأمل في الطبيعة وشعر الحب، بداية من رومانسية مي زيادة 1886 - 1941 التي تأثرت بشعراء المهجر خاصة جبران خليل جبران، ومرورا بالشعر المهموس لـ ملك عبد لعزيز وانتهاء بالشعر الحداثي في أعمال سعاد الصباح.
القصة والرواية
أما في مجال القصة والرواية فقد بيّن هذا الدليل أنه بحلول النصف الثاني من القرن العشرين ظهرت بداية الإبداعات القصصية للمرأة العربية، هذه البداية التي واجهت عدداً من المعوقات، منها ان النشر التجاري في العالم العربي ـ في ذاك الوقت ـ كان لا يخصص إلا حيزاً محدوداً لنشر القصص والروايات، وبالتالي فقد كانت فرصة نشر قصص المرأة ضئيلة عند الناشرين الذين كانوا يهتمون فقط بالأسماء اللامعة، ومنها أيضا أن القراء والنقاد كانوا ينظرون الى القصص التي تكتبها المرأة على أنها سير ذاتية فعلية تركز أساسا على العلاقة بين الجنسين، فإذا كانت الكاتبة على استعداد لتحدى اعتراض العائلة أو المجتمع بتجاوز الحدود المفروضة على بنات جنسها، اكتسبت كتاباتها شهرة وترحيباً واسعين بين الناشرين والقراء، وذلك لأنهم يعتبرونها فرصة للتعرف على عالم المرأة الذي فرضت ظروف المجتمع وقتها ان يظل غامضاً.
ويعتبر هذا الدليل ان رواية" أيام معه "الصادرة في دمشق العام 1959 أول رواية لكاتبة عربية تصدر خمس طبعات في سنوات قليلة، وهى تركز على حياة شخصية فتاة عصرية تقرأ الشعر الفرنسي وعلى علاقة برجل متزوج·
وفى هذا السياق ركز الدليل على تجربتين روائيتين أولاهما تجربة غادة السمان مواليد دمشق 1942 التي اعتبرها من أكثر الأصوات شهرة وصراحة في رواية المرأة العربية، ورسالتها تتلخص في ضرورة الحرية والالتزام بالحقيقة المطلقة، والإصرار على أنها لن تسهم في خداع النفس الشائع في الخطاب العربي، وعندما سئلت غادة السمان عن الذي أعطته لكتابة المرأة العربية أجابت: ومضة تمرد ضد الخنوع للذات وللمجتمع وهذا يتناسب تماماً مع طبيعة مشروعها الروائي
أما التجربة الثانية فهي تجربة نوال السعداوي مواليد القاهرة 1930 التي تعد من التجارب الجريئة التي تخصصت في رصد مظاهر القمع الاجتماعي للمرأة من خلال تجارب حقيقية مرت بها الكاتبة من واقع عملها كطبيبة·
وعن بداية تمرد رواية المرأة عن الشكل الذي دشنته رواية الرجل، خصوصا لدى معالجتها لتجارب نسوية، واتخاذها أشكالاً روائية تخصها وحدها، فقد اعتبر هذا الدليل ان رواية الباب المفتوح
(1960) للطيفة الزيات هي العلامة الأولى على ميلاد نوع جديد من البطلة ذات الدلالة في الرواية العربية، فهذه الرواية تنطوي على حرفية دقيقة وواعية الى جانب الدعوة لقضية المرأة، من خلال تتبع مسيرة شخصية ليلى وهى طالبة من الطبقة المتوسطة يسير نموها ونضجها النفسي موازياً لتطور الصراع الوطني.
الدراما المسرحية
وفى مجال كتابة المرأة للدراما المسرحية أوضح هذا الدليل ان المرأة العربية عملت على خشبة المسرح منذ دخول هذا الفن الى بلادنا قبل قرن من الزمان، عملت أساسا كفنانة ممثلة، وبلغ بعضهن شهرة لم يحققها الرجال في نفس المجال، وفى العقد الأخير زاد عدد العاملات في خشبة المسرح في الإخراج والديكور والإضاءة وباقي المهن المساندة للإنتاج المسرحى، بالرغم من كل ذلك نجد ان عدد الكاتبات المسرحيات مازال ضئيلا بالنسبة لعدد الكاتبات في العالم العربي عموماً·
وأبرزهن فتحية العسال التي بدأت بالكتابة للإذاعة ولها العديد من الأعمال المسرحية المهمة، وتيريز عواد التي ولدت في لبنان العام 1933 وبدأت بكتابة الشعر ثم تحولت الى لكتابة المسرح، ولها دراما شعرية بعنوان البكارة صدرت العام 1973 وأثارت ضجة كبيرة في بيروت إذ انها تعرضت بجرأة الى جانب من حقيقة العلاقات بين الرجال والنساء·
وخصصت د· فاطمة موسى الفصل الثاني من هذا الدليل لعرض ببليوجرافيا لبعض الكاتبات في أنحاء الوطن العربي، منهن: سحر خليفة وهى روائية فلسطينية ولدت في نابلس وتصور أعمالها حياة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من خلال الأسر الريفية التي تعانى من ويلات الاحتلال الإسرائيلي، وأيضا من خلال المثقفين المسيسين في نقاشهم و إحباطاتهم وتجاربهم في السجون·
وأهداف سويف وهى روائية مصرية تكتب بالإنجليزية درست في القاهرة ولندن وحصلت على الدكتوراه من جامعة لانكستر، صدرت أول مجموعة قصصية لها في لندن العام 1983 ولها روايتان باللغة الإنجليزية.
وأندريه شديد شاعرة مصرية تعيش في باريس منذ العام 1946 ومعظم أعمالها مكتوبة باللغة الفرنسية، وتعالج موضوعات عربية من الماضي والحاضر، نشرت 19 ديوان شعر، وحصلت على جائزتي لوى لاجيه ومالارميه في نفس العام، وكتبت رواية عن نفرتيتي زوجة إخناتون الذي حلم بنظام سياسي واجتماعي جديد يحقق العدالة لرعيته، ودعا الى عبادة اله واحد .والروائية الكويتية ليلى العثمان التي نشأت في أسرة أدبية، إذ كان أبوها شاعراً، وبدأت العمل مبكراً في الإذاعة والصحافة، ونشرت أول كتاب لها العام 1972، ومن مجموعتها القصصية امرأتان في وعاء والرحيل وعيون تأتى من المساء والحب له صور، وصوتها من أكثر الأصوات المسموعة بين الكاتبات المعاصرات في الخليج العربي، وقصصها نسيج من التفاعلات بين الذات والواقع الخارجي - -(البوابة)