أقام المجلس الأعلى المصري للثقافة ندوة موسعة بالقاهرة بمناسبة مرور عشر سنوات على رحيل الروائي عبد الحكيم قاسم، أشرف عليها القاص سعيد الكفراوي، وشارك فيها عدد من النقاد والمبدعين، خصوصا من الذين شهدوا عن قرب بدايات تبلور مشروعه الإبداعي والفكري.
وحسب صحيفة "الاتحاد" الإماراتية اليوم الثلاثاء، فقد استهل الروائي والناقد إدوار الخراط الندوة بشهادة أقر فيها بأن ملامح القرية المصرية لم تُكتب قط في فن القصة والرواية كما كتبها عبد الحكيم قاسم.
وأوضح الخراط بأن القرية عند عبد الحكيم قاسم ليست رومانسية ساذجة ولا أيدلوجية مرسومة ولا هي سسيولوجية أو أخلاقية، فقد كتب غناها الفاحش كما كتب شبق شهواتها بلا انصياع لنفاق مسلم به أو عرف أدبي أو اخلاقي سائد، ورصد دقائقها وخفاياها بعين المحب العارف، فهو شاعر القرية المصرية الذي أسره سحرها، واستطاع ان يحيي مشاهدها: خارجية وداخلية، بشغف مقرون بالمقدرة على تصويرها، ومنحها وجودا خاصا.
وأضاف الخراط بأن قاسم لم يحصر إبداعه في المشهد القروي فقط، ففي عمله "قدر الغرف المقبضة" طرف من رؤيته لأحوال قاع المدن الصغيرة وحواري وأزقة المدن الكبيرة، وأكد الخراط أن هذه الرواية اخترقت مواصفات القص التقليدي،" مما يثبت لعبد الحكيم قاسم ريادة مبكرة، إذ لم تعد ثمة مواصفات سابقة وجاهزة للنص الروائي، ومن ثم كانت شجاعة عبد الحكيم قاسم في انتهاك الشكل التقليدي شهادة على ريادة في المضمون والشكل".
وقال الخراط بأن أهم ما ميز عبد الحكيم قاسم هو كونه أكثر كتاب جيله عشقا للغة وعكوفا على نحتها كلمة وجملة، فقد كان يتخير مواقع وإيقاعات مفرداته بدقة وإحكام، دون افتراق عن رؤى العمل وهواجسه وهمومه، مع المقدرة السردية الواضحة، لذلك فإن كثافة لغته لا تقف عائقا بل هي مقوم من مقومات استمتاع القارئ بالنص الإبداعي.
ابراهيم فتحي: حداثة عربية
وخصص الناقد إبراهيم فتحي مشاركته لمناقشة رواية "أيام الإنسان السبعة" لعبد الحكيم قاسم مؤكدا انها بشرت بحداثة روائية عربية تختلف عن الحداثة الكلاسيكية الأوروبية، فهي لم تضع الفن بديلا للواقع، ولم تدع الى الاستيقاظ من كابوس التاريخ.
وأضاف فتحي بأن تقنية بناء هذه الرواية قامت على تقسيمها في سبعة فصول، عناوينها لعبت دورا مجازيا يحدد اتجاه الحركة فيها، ويسهل الانتقالات من صوت الراوي الى صوت الشخصية، دون إخطار سابق وسافر كما هو الحال في الرواية التقليدية، ولا يسير الطابع الوصفي التسجيلي في هذه الرواية كما يسير في القص المتعارف عليه، فهو وصف بعيد عن الحيادية والشيئية، ويتغير بين البداية والنهاية تبعا لوجهة نظر البطل وحالته النفسية.
وتناول الناقد د· محمد بدوي العلاقة بين الثقافي والشخصي في مسيرة عبد الحكيم قاسم الإبداعية، ليؤكد انه كان مثقفا بالمعنى العام للكلمة، وعانى من ويلات الاعتقال بسبب آراء ثقافية، حيث رفض التقيد بشروط ثقافة محددة المسار، لذلك فهو من القلائل الذين عاشوا تجربة الستينات وافلحوا في مخالفة الثقافة الرسمية أو "اليوليوية" نسبة الى ثورة يوليو 1952 وكانت مشكلته التي ظلت تؤرقه طوال حياته كيف يحكي عن نفسه والعالم بالشكل الملائم؟
ويضيف د· بدوي بأن هذا النهج الثقافي العام الذي سافر عبد الحكيم قاسم الى ألمانيا لتوسيعه وترسيخه امتزج بالثقافة الشخصية وربما العائلية المتمثلة في الممارسات والمعتقدات الشعبية، فجاء مشروع قاسم على تماس مع الثقافة العالمية، وفي نفس الوقت محافظا على ثقافته الأصلية، وربما يدلل على ذلك انه دائما يحافظ على بروز مكانين في أعماله، ولكي يتحرك فيهما، كان عليه ان يواجه المفارقة بين الحداثة والهوية، بين الثقافة الوافدة والثقافة الشعبية، لتصدر أعماله بمهارة وصدق شديدين - -(البوابة)