عمان- بسام العنتري
شكك محللون سياسيون في معلومات تحدثت عن توصل الاسرائيليين والفلسطينيين الى "صفقة" سياسية، يجري الحديث عن انها سيتم الاعلان عن تفاصيلها خلال لقاء اتفق على عقده بين رئيس الوزراء الاسرائيلي ارئيل شارون ورئيس السلطة ياسر عرفات، في شرم الشيخ اواخر الشهر الجاري.
وطبقا لهذه المعلومات، فان اللقاء، الذي تم ترتيب موعده بحيث يسبق انعقاد القمة العربية في بيروت مطالع الشهر المقبل، ياتي برعاية اميركية-مصرية، وسيتوج "الصفقة" التي تم التوصل اليها بعد مفاوضات مطولة، اجراها مسؤولون فلسطينيون واسرائيليون، في ظل سرية مطبقة، تحاشيا لضغوط قوى المعارضة في كلا الجانبين.
وقد استشهدت هذه المعلومات بتصريحات نسبت الى مدير وكالة الاستخبارات الاميركية (سي أي ايه) جورج تينيت، عقب لقائه مع الرئيس المصري حسني مبارك في منتجع شرم الشيخ الاسبوع الماضي، والتي اعلن فيها عن مبادرة لعقد لقاء بين شارون وعرفات في المنتجع المصري الذي تحول في الاشهر الاخيرة الى ما يشبه كامب ديفيد اخر.
وراى محللون ان "الصفقة" ابرمت بعد ضغوط اميركية غير مسبوقة تم ممارستها على شارون بصورة خاصة، وذلك لرغبة واشنطن في ان لا تؤثر معطيات اوضاع الساحة الفلسطينية، على مسار ترتيب تحالف دولي تداوم ادارة بوش في الاونة على حشد اطرافه، تمهيدا لتوجيه ضربة للعراق، تنتهي باطاحة نظام صدام حسين.
وبحسب المحللين، فقد رضخ شارون للضغوط الاميركية في ضوء اسباب موضوعية، ابرزها رغبته ترشيح نفسه لولاية ثانية في الانتخابات التي يجري الحديث عن انها ستجرى نوفمبر المقبل، ولاجل ذلك فهو يحاول احراز "نصر ما" يستطيع ان يوقف من خلاله حالة التراجع غير المسبوقة في شعبيته، بسبب انحسار قوة اليمين في الشارع الاسرائيلي والصحوة التي ابداها اليسار في الايام الاخيرة.
وفي السياق، فقد المحت معلومات اخرى الى ان حالة التصعيد غير المسبوقة في الهجمات العسكرية المتبادلة بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي على الارض، انما تاتي في اطار محاولة كل طرف دفع الاخر الى تقديم تنازلات اكبر خلال المفاوضات المرتقب ان تنعقد في العلن بينهما، بعد الاعلان عن لقاء عرفات وشارون.
الدفع الى الهاوية لم يعد يحمل نفس المعاني
الى هنا، فقد ابدى محلل سياسي فلسطيني، فضل عدم ذكر اسمه، اعتقاده بان دفع الامور بشكل مفاجئ الى شفير الانفجار لم يعد، كما كان في تجارب سابقة، مؤشرا على وجود اتفاق سياسي تم "طبخه" في الخفاء بين الطرفين المتناحرين، ويوشك ان يتم الاعلان عنه على طبق من الدمار والدماء، التي تتكفل باقناع الشارع بالقبول بما يتم تقديمه اليه، بل وربما التهليل له مهما حمل من تنازلات ومفاجات.
ابو نصار: شارون يتخبط
ومن ناحيته، فقد راى المحلل السياسي الفلسطيني وديع ابو نصار، ان الامور تسير الان في اتجاه غير معروف، مؤكدا انه "لا تبدو هناك اية مؤشرات على ان لدى شارون أي نية للقبول بحل حقيقي" او حتى اقتراح حل حقيقي يخرج الجميع من دوامة العنف والقتل المتبادل.
ويضيف ابو نصار ان رفض شارون لوثيقة بيريز-ابو علاء، واعلانه على الدوام انه صاحب القرار الاول والاخير، وغير ذلك من المعطيات الموضوعية في ظل ادائه وتعاطيه مع النزاع "كل هذا يدل على ان الرجل لا يخطط لشئ سياسي كبير".
ثم يستدرك "صحيح انه قد يكون خطط لشئ مع الفلسطينيين، ولكن ان كان كذلك، فان ما يخطط له لن يكون بالحجم الذي يتوقعه البعض، وبرايي انه من المبكر الحكم على الامور، لان شارون لم يتبن بعد أي نهج سلمي، بالمفهوم السلمي، وهو معني فقط بدفع السلطة الفلسطينية الى مرحلة يجبرها معها على الموافقة على مفهومه الشخصي للحل".
وطبقا لما يراه المحلل السياسي الفلسطيني فان شارون الان عبارة عن رجل يعيش حالة من انعدام الاتجاه بل و"التخبط".
وفي هذا الصدد يقول ان شارون يمر "كما يبدو في مرحلة انتقالية، لكن غير معروف بعد هل هي فترة بين التصعيد وانتخابات جديدة، ام هي فترة انتقالية باتجاه حل سياسي محدود، لكن ما من شك ان هذه فترة تخبط، والسؤال: الى اين ستقودنا؟"
الى ذلك، ويعرب ابو نصار عن اعتقاده ان رافضي التوصل الى حل سلمي منطقي لا يقتصرون على شارون وحاشيته، مؤكدا ان هناك العديد من الجهات غير المعنية "بالتهدئة، سواء في الجانب الاسرائيلي ام الفسلطيني، لان من شان التهدئة ان تقلب الموازين لصالح طرف دون الاخر".
وفي المقابل، يرى المحلل الفلسطيني ان هناك جهات واطرافا تسعى الى ترويج الشائعات حول اتفاقات سياسية ووثائق تفاهم سلمية، "لا لشئ سوى لخدمة مصالحها السياسية، من مثل شمعون بيريز، واحمد قريع ابو علاء، وغيرهم".
ويدلل ابو نصار على صحة استنتاجه حول الاهداف الشخصية التي تقف وراء الحوارات الثنائية التي تعقدها الشخصيات السياسية من كلا الجانبين، باشارته الى ان "بيريز مثلا، يريد دفع العمل الى اعادته الى سدة الزعامة، لذلك فهو يستمر في اتصالاته مع ابو علاء، مع انه يعلم ان فرص موافقة شارون على وثيقته المعروفة بوثيقة بيريز-ابوعلاء ضئيلة وتكاد تصل الى احتمال الصفر".
وفي الجانب الفلسطيني، فان الحال ليس بافضل، وكما يرى ابو نصار، فان التسابق على توظيف مثل هذه الحوارات لخدمة المصالح السياسية الشخصية، على اشده ايضا بين المسؤولين الفلسطينيين، بل انه يرى ان "هناك حالة من التنازع والخلاف بين المسؤولين الفلسطينيين حول من يحاورالاسرائيليين".
لا بشائر لاتفاقات
ولجهته، يتفق الخبير في الشؤون الاسرائيلية غازي السعدي مع ابو نصار فيما ذهب اليه من انه "لا توجد مؤشرات لاي شئ"، قد يبشر بوجود اتفاقات سياسية، بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
ويقول السعدي ان شارون ليس معنيا بالتوصل الى أي اتفاق سياسي يخرج عن فهمه الخاص، مشيرا الى ان التهدئة ليست مطلبا شارونيا بل مطلبا اميركيا في الاونة الراهنة، وذلك بفعل المخطط الذي تعتزم الادارة الاميركية تنفيذه ضد العراق.
ويضيف "اميركا تضغط الان على شارون لانهاء هجمته على الفلسطينيين وتهدئة الاجواء لتهيئة امور ضربتها المقبلة للعراق"، ويبقى السؤال: هل يستجيب شارون لهذه الضغوط، وكيف؟
الى ذلك، ويلفت السعدي الى القناعة التي اصبحت موجودة لدى الشارع الاسرائيلي بان شارون اصبح الان شخصا لا يعرف ماذا يريد، ولا يعرف ايضا الى اين ستنتهي الامور على الارض.
ويقول "وبالتالي، فانه لا توجد اية مؤشرات لاي شئ" من قبيل صفقات سياسية او او اتفاقات سلمية، "والشئ الوحيد الموجود الان هو ان الاسرائيليين بداوا التذمر من سياسة شارون، ومن فشل مخططاته في القضاء على الانتفاضة" كما كان وعد ابان حملته الانتخابية.—(البوابة)