يبدو ان الاحتلال الاميركي للعراق والضغط الذي تمارسه واشنطن بشكل مكثف على دمشق اعطى المعارضة السورية مزيدا من الامل في تحسين وضع الحريات الداخلية وفي هذا الغضون منحت السلطات للمعارض رياض الترك جواز سفره بعد اكثر من 38 عاما لم يغادر فيها البلاد وربما السجن.
وقال حسن عبد العظيم رئيس التجمع الوطني الديمقراطي "بالنسبة لنا كمعارضة نشعر انه يوجد مناخ عام دولي... مع الديمقراطية ونحن مع الديمقراطية ونستفيد منه لطرح شعارات لم تطرح منذ عقد من الزمن منها مسالة الديمقراطية وحقوق الانسان التي اصبحت الان مطروحة بشكل كبير".
وبحسب عبد العظيم يضم التجمع الذي يطالب بتعديل قوانين الانتخابات خمسة احزاب سورية ذات طابع قومي عربي وهي حزب الاتحاد الاشتراكي وحزب العمال الثوري العربي وحركة الاشتراكيين العرب والحزب القومي العربي اليساري والحزب الشيوعي.
وكان الرئيس السوري بشار الاسد قد تعهد عند توليه الحكم عام 2000 بتحرير الاقتصاد والسياسة. واستغلت المعارضة أجواء التسامح وبدأت نقاشات واسعة النطاق تجرأ فيه المعارضون على المطالبة بانهاء الاحكام العرفية ومهاجمة الفساد الرسمي الا ان الحكومة عادت وحملت عليها.
لكن المعارضة التي أدت احدث الحملات عليها في العام الماضي الى سجن عشرة من شخصياتها وبينهم عضوان في البرلمان صدر عليهما حكم بالسجن فترات تصل الى خمسة اعوام بتهمة اثارة النعرات الطائفية تشعر الان أن تكميم الافواه بات مستبعدا لان سوريا تحت مراقبة دقيقة وكل ما تقوم به داخليا بات محسوبا عليها دوليا واميركيا.
وقال عبدالعظيم ان هذا المناخ الدولي "يشكل عامل حماية لنا.. لم يعد بالامكان لاي نظام عربي ان يقمع ويعتقل ويسجن من دون ان تحتج دول اوروبية ومنظمات حقوق الانسان."
وتبرز الان ايضا لجان المجتمع المدني التي تضم مثقفين ونشطين في مجال حقوق الانسان وهم يطرحون فكرة اصلاح وطني شامل في المجالات الاجتماعية بحسب ميشال كيلو احد أبرز الناشطين.
وقال كيلو "الوضع في المنطقة يؤثر على الكل ..دخول اميركا على الخط لعب دورا جد مهم (واصبحت) الفكرة التي طرحناها مقبولة وهي اما ان يصير اصلاح وطني او يقوم الاميركيون باصلاح اجباري".
وبعد سقوط بغداد تحول اهتمام واشنطن الى سوريا التي اتهمها الاميركيون بتزويد الحكومة العراقية المنهارة بالسلاح وايواء الهاربين من مسؤوليها وتطوير اسلحة كيماوية.
وادت هذه التهم الى ارتفاع التوتر في العلاقة المتوترة اصلا بين دمشق وواشنطن بسبب دعم سوريا للفصائل الفلسطينية التي تقاتل اسرائيل ولحزب الله اللبناني. ورغم ان المعارضة تعتبر الظروف سانحة للتغيير فانها تقول انها ترفض بشدة اي تدخل امريكي في الشؤون السورية بل تقول انها تطالب بالتغيير حماية لدمشق منه.
وقال مثقفون في رسالة مفتوحة الى الاسد الشهر الماضي انه في ظل الهجمة الاميركية "لا بد ان نقوم بابطال مراميهم باصلاح احوالنا وتحصين وطننا ولا يخفي على سيادتكم ان القوة الوحيدة التي تستطيع ذلك هو الشعب الحر."
وطالبت الرسالة من ضمن عدد من الامور "بالغاء حالة الطواريء والاحكام العرفية... وبتقييد صلاحيات الاجهزة الامنية ومنعها من التدخل في الحياة السياسية للمجتمع والمواطنين... واطلاق حرية الرأي والتعبير".
وأمر الاسد منذ فترة قصيرة بتخفيف قبضة حزب البعث الحاكم السياسية ضمن سلسلة مبادرات تظهر ان سوريا تاخذ في الاعتبار طنطنة واشنطن عن احداث تغيير في المنطقة بطريقة او باخرى.
واسقطت محكمة عسكرية سورية التهم الموجهة الى هيثم المالح احد الناشطين في حقوق الانسان في وقت سابق هذا الاسبوع بعد أن اعتبرته مشمولا بمرسوم عفو اصدره الاسد في الشهر الحالي في خطوة وصفها احد محاميه بأنها "سياسية..واقرار بالامر الواقع بالنسبة لعمل المعارضة".
وقال دبلوماسي غربي في دمشق "العفو الرئاسي كان عذرا مناسبا للعفو عنه (المالح) وانقاذ سوريا من احراج جديد بسجين سياسي اخر." وتتفق المعارضة على ان الافراج عن معتقلي الرأي في سوريا هو القضية الاساس.
كما تعترف انه منذ مجيء بشار الاسد الى السلطة حصل انفراج داخلي بسيط لكنها ترجعه الى ان المشاكل الداخلية في سوريا كثرت بحيث لم يعد بالامكان تجاهلها.
وقال احد الناشطين في حقوق الانسان "كانت توجد مقاومة كبيرة للتغيير قبل فترة علما انه كان ضروريا. والان توجد ضرورة اكبر بكثير للتغيير لانه صار فعلا انقاذيا..الان يقومون بالتغيير لاعتقادهم انه اذا لم يقوموا بالتغيير فهم يهددون السلطة."
من جهتها قالت صحيفة تشرين السورية يوم الخميس انه بعد ثلاث سنوات من تولي الاسد الحكم تحققت انجازات كثيرة. لكنها اعتبرت انها "ليست ما يطمح (اليه) السيد الرئيس بشار الاسد." اضافت "ان ما تحقق.. كبير ولكنه ليس كل المبتغى فما نريد اكثر من ذلك بكثير والنية معقودة على ذلك وسنصل بكل تاكيد."
وقال كيلو "الفرصة لن تذهب ابدا..مستحيل ان نخسر معركة الديمقراطية بسوريا..لو سئلت قبل ثلاث سنوات كنت قلت لا ان الامر صعب اما الان مستحيل نخسرها لان البلد ذاهبة الى الديمقراطية..والتغيير ..والاصلاح شاءوا أم أبوا.
رياض الترك
وفي هذا الاطار، سيتمكن الزعيم الشيوعي المعارض رياض الترك من التعرف على ما بعد الحدود السورية اذ منحته السلطات جواز سفر بعد منع دام 28 سنة امضى منها نحو 20 سنة في السجن.
ونقلت صحيفة "النهار" اللبنانية عن رئيس "جمعية حقوق الانسان في سوريا" هيثم المالح قوله انه رُفع عن موكله الترك، زعيم الحزب الشيوعي- المكتب السياسي قرار منع السفر منذ نحو شهرين، وقد أُعطي أخيراً جواز سفر، كما "حصل على تأشيرة دخول الى فرنسا التي "سيسافر اليها خلال الفترة المقبلة".
وأوضح ان الترك مُنع من السفر منذ عام 1975، واعتُقل عام 1981 على خلفية اتهام السلطة لحزبه بالتنسيق مع "الاخوان المسلمين"، واستمر اعتقاله حتى عام 1998 حين أفرج عنه الرئيس الراحل حافظ الأسد بعد 17 سنة من السجن معظمها في السجن الانفرادي. وقد اعتُقل ثانية في نهاية عام 2001 في إطار حملة السلطات على أوساط المعارضين والتي أدت الى زج عشرة منهم في السجن. واتُهم بأنه أساء الى عهد الرئيس الراحل، وأفرج عنه الرئيس بشار الاسد في نهاية العام الماضي لأسباب "انسانية" كما ذُكر آنذاك.
واعلن المالح انه هو نفسه ممنوع من السفر مع محامية تعمل لديه في مكتبه الذي يصدر كل بيانات "جمعية حقوق الانسان في سوريا" مع العلم انه شُمل وثلاثة آخرين بالعفو الرئاسي الاخير باعتبار التهم الموجهة اليهم جنحاً لا جنايات، خصوصاً ان عقوبتها دون ثلاث سنوات. وقال: "فوجئت لدى ذهابي الى ادارة الهجرة والجوازات يوم امس بأنني ما زلت ممنوعاً من السفر خلافاً لرفاقي الثلاثة الآخرين". وأضاف ان "المحامية رزان زيتوني العاملة لدي مُنعت من مغادرة البلاد حين كانت تهم بالسفر الى المغرب للمشاركة في دورة تدريبية في حقوق الانسان". ورأى ان "جريمتها الوحيدة هي العمل في مكتبي".
وكانت التهم المنسوبة الى المالح والثلاثة الذين شملهم العفو، تراوح بين "الانتماء الى جمعية غير مرخصة ذات طابع دولي" و"نشر أنباء كاذبة تنال من هيبة الدولة" و"اثارة النعرات" و"توزيع واصدار دوريات غير مرخصة".
وأكد المالح ان جمعيته "شرعية وفقاً للقانون"، إذ "تقدمنا بطلب ترخيص الى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل حسب الاصول، ومضى 60 يوماً من غير ان نتلقى اجابة"، وهذا يعني انها "مرخصة بحسب القانون ومحصنة به"، وذلك وفق قانون الجمعيات السورية.
ويذكر ان الامن السوري أطلق خلال الايام الاخيرة تسعة أشخاص اعُتقلوا قبل أشهر بتهمة "التحريض على مقاطعة الانتخابات" في شباط/فبراير، وبـ"الثرثرة السياسية" المعارضة.