خالد أبو الخير
يستمرئ الكثيرون هذه الأيام كيل تهم الخيانة والعمالة للمعارضين العراقيين ووصفهم بصنيعة أمريكا والـ "سي آي إيه" تحديداً، في محاولة لتشويه صورة هؤلاء وحرقهم نهائياً في أذهان البسطاء من الناس، دون أن يكلف أحدهم نفسه مشقة التساؤل: أيهما سبق الآخر المعارضة العراقية أم التوجه الأميركي لضرب العراق؟. وهل في السياسات التي انتهجها النظام الذي وصل إلى الحكم عام 1968 ما يستوجب المعارضة أم لا؟
العارفون بالعراق، ولا أقصد الذين دأبوا على زيارته بدعوات رسمية والإطلالة على شارع أبوالنواس من خلف زجاج نافذة فندق خمس نجوم!! يعرفون أنه منذ وصول البعث إلى السلطة ومروراً بسنوات الحرب مع إيران وهو يواجه بمعارضة من أحزاب عدة منها حزب الدعوة والحزب الشيوعي والجناح السوري في حزب البعث وغيرها. وهي معارضة كانت على الدوام تلقى الاحترام والدعم من الشعب العراقي، وإلا لما استطاعت أن تستمر.
والمؤكد أن السياسات "اليونكرية" التي أتبعها النظام، وتمخضت عنها مغامراته العسكرية، خصوصاً احتلاله لدولة عربية شقيقة أنتجت حرب الخليج الثانية وويلاتها، أدت بالمجتمع (نعم المجتمع وليس كوكب المريخ!) إلى إنتاج فصائل معارضة جديدة، لها امتداداتها الطبيعية في الأهوار والمدن والدساكر. قبل أن تكون، كما يحلو للنظام والسائرين في فلكه القول أنها في لندن وباريس وواشنطن.
لا أريد أن أكون طوباويا واحتكر الحقيقة على طريقة الذين يعتلون المنابر لشتم المعارضة، ولا ازعم أن كافة المعارضين العراقيين على نفس المستوى من الوطنية، وربما كان منهم من يستحق وصفه بالعمالة . لكني في نفس الوقت لا أريد أن ابخس الشرفاء منهم حقهم .
وغني عن القول أن العديد من البعثيين السابقين الذين انشقوا عن الحزب يشكلون جزءاً مهما من الحركات والأحزاب المعارضة، وقد ضحوا بالسلطة وأصبحوا مطاردين منها، لمجرد مناداتهم بدمقرطة العراق وحرية شعبه. وبعضهم دفع ثمن موقفه فقضى نحبه اغتيالا وآخرين نجوا في اللحظة الأخيرة!! . والمؤكد أن هؤلاء انسحبوا من الحزب وغادروا العراق في سنوات الثمانينات أو بعد حرب الخليج الثانية.. وشكلوا تنظيماتهم مع شخصيات معارضة مستقلة، بأنفسهم وأموالهم، قبل أن يكون هناك توجه أمريكي لقلب نظام الحكم.
ولعل أبز تفجر للمعارضة كان في انتفاضة 1991 التي انتهت نهاية دموية.
بل أن المعارضة التي استشرت في صفوف الشعب العراقي، بعد الدمار الذي حاق به إثر (أم المعارك أو أم الهزائم كما هو الواقع)،وفي السنوات التي تلت، وصلت إلى النظام نفسه عندما انشق أولاد عم الرئيس وزوجا ابنتيه صدام وحسن كامل، ذلك الانشقاق الذي انتهى نهاية تراجيدية على طريقة التراجيديا البابلية "الإينوما إيليش" حينما قتل مردوخ أمه وقطع أجزاءها ليصنع النظام!..
أما السياسات التي تستوجب المعارضة فحدث عنها ولا حرج. يكفي أن ينظر أي منصف للحال التي وصلها العراق والعراقيون ليعرف أن هناك ما يستوجب المعارضة.
أعرف الكثيرين من رموز المعارضة، ولا يداخلني أدنى شك بوطنية غالبيتهم واستعدادهم للتضحية من أجل العراق. ولا أنسى قول أحدهم حينما غبطته مازحاً على سكناه في لندن: والله ساعة في بغداد أحلى من لندن وما فيها. وكأنه يتمثل قول السياب:
لو جئت في البلد الغريب إليّ ما كمل اللقاء
الملتقى بك والعراق على يديّ هو اللقاء.
علينا أن نكون منصفين ولا نسلب العراقيين حقهم في معارضة نظام حكم يرفضونه، ولهم الحق فقط في قبوله أو رفضه، بينما يصفق له الكثيرون من خارج العراق. لا لشيء، إلا لأنهم لا يعرفونه ولا يخضعون له، ولا تمسهم من قريب أو بعيد.. جرائره!!.
قصارى القول إن من دأب على احتكار الحقيقة ورفض حق الاختلاف يتهم الآخرين بالعمالة والخيانة.. وهم منها براء.