المفكر العربي برهان غليون: هل استقلنا من التاريخ؟

تاريخ النشر: 22 يونيو 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

عمان – نزيه أبو نضال 

تساءل المفكر العربي السوري د. برهان غليون هل استقال العرب من التاريخ، وكفوا عن ايجاد صيغة تجمعهم لكي يقيموا علاقات صحيحة ومتوازنة مع العالم، وخاصة مع اوروبا؟! 

وقال غليون في ندوة بمؤسسة شومان في عمان مساء أمس حول العلاقات العربية – الأوروبية" أن انظمة الحكم العربية منشغلة بصراعاتها المحلية والداخلية، ومنصرفة إلى التكالب على امتيازات السلطة ومنافعها"، واضاف بأنه "إذا لم يفرز المجتمع العربي انظمة تخدم مصالح الأمة ويتملكها شعور حقيقي ببناء مستقبل الاجيال العربية، فسنظل تابعين وخارج التاريخ. 

وحدد د. غليون في ندوته التي ادارتها د. منى شقير اربعة اسئلة لا بد من الإجابة عليها لتجاوز واقع العلاقة السلبي بين العرب واوروبا، وهي: 

1- ما هي الاسس التي تقوم عليها العلاقات الدولية ؟ واستطراداً ما هي الاسس التي تقوم عليها العلاقات العربية – الأوروبية ؟ 

2- ما هي الأسباب التي أعاقت اقامة علاقات متوازنة مع العرب؟ 

3- ما الذي منع العرب من بناء استراتيجية العلاقة مع اوروبا؟ 

4- كيف يمكن اعادة بناء مثل هذه الاستراتيجية للعلاقة بصورة متوازنة وندية؟ 

وقبل الاجابة على هذه الاسئلة الأربعة التي شكلت محور محاضرته اوضح د. غليون بأنه "من الصعب الحديث عن العرب كوحدة واحدة بسبب تباين وتناقض المواقف والسياسيات العربية، ولكن يمكن فقط الحديث عن اتجاه عربي عام. 

وكذلك الأمر بالنسبة لأوروبا، مع فارق ان وجود اتحاد اوروبي الآن يمكن أن يشكل وحدة موقف اوروبي تجاه العرب". 

واضاف بأن هاجسه عند الحديث من مستقبل العلاقات العربية – الاوروبية ليس منشغلاً برسم سيناريوهات للتطورات المحتملة لهذه العلاقة، ولكنه منشغل في البحث عن اجابة حول كيفية تطوير هذه العلاقات مستقبلياً. 

علاقة شك وعداء  

في وصفه لمشهد العلاقة القائم بين العرب واوروبا قال د. غليون ان السمة الاساسية لهذه العلاقة تقوم علىالشك وعدم الثقة والعداء المتبادل نتيجة تراكم الحساسيات. 

واستغرب المفكر العربي كيف ان 80% من حركة الاقتصاد العربي هي مع اوروبا، ورغم هذه الكثافة الكبيرة في العلاقات والمصالح الاقتصادية فإنها لم تترجم على مستوى العلاقات الثنائية، وبما يخدم الخروج من أزمة العلاقة بين الطرفين. 

وفي معرض اجابته على اسئلته الأربعة اوضح د. غليون القوانين التي تحكم العلاقات الدولية وهي: 

. القوة بالفعل، أي استثمار القوي لنفوذه على جيرانه الاضعف، حتى ولو كانوا اشقاء. 

. المصلحة.. وهي اساس كل علاقة. 

. الوشائج الثقافية والقيم المشتركة التي تنزع بأصحابها لإقامة علاقات مشتركة. 

. مبدأ القانون في تجسيد العلاقات الدولية، والقانون هنا يعني تكريس علاقات سليمة بعيداً عن نزعة الهيمنة والسيطرة الذي يمارسها القوي ضد الضعيف. 

وأوضح غليون ان مصلحة العرب تكمن في السعي باتجاه تكريس مثل هذا القانون وعقد اتفاقات متوازنة تخدم مصالح الجانبين بعيداً عن منطق الاحتواء والهيمنة الذي يسم السلوك الاوروبي مع العرب، بفعل تفاوت القوة بين الطرفين نتيجة تراكم تاريخي لميزان القوة بينهما، فضلاً عن وجود ديناميكية التطور العلمي لدى اوروبا مما يدفعها باتجاه السيطرة على المنطقة العربية لما تمثله كموقع استراتيجي، وثروات نفطية ومالية هائلة. 

الاحتواء واصطفاء النخب الفكرية  

وبعد ان استعرض د. غليون النظرات السلبية الخاطئة للعرب والاوروبيين تجاه بعضها البعض، دعا الى اقامة علاقات متوازنة بعيداً عن سياسة الاحتواء الأمني الاوروبي ضد العرب وبعيدا عن سياسة إغراق النخب السياسية والفكرية العربية بالثقافة الاوروبية. وقال د. غليون ان اوروبا بعد ان خسرت مصالحها الاستراتيجية في المنطقة العربية اصبحت تتبع سياسة ذيلبه تجاه اميركا لحماية ما تبقى من مصالحها، "مما يستدعي اعادة النظر من قبل الاوروبيين والعرب معاً لمواجهة القطب الاميركي. خاصة ان النزعات القومية الاستعمارية قد ضعفت كثيراً داخل اوروبا، مما يساعد على اقامة مثل هذه العلاقات المتوازنة بعيداً عن منطق الاحتواء الامني واصطفاء النخب الفكرية من قبل الاوروبيين، وكذلك بعيداً عن الشعور العربي بالعجز وبعقدة الضحية، وبالخضوع لفكرة المؤامرة، مما يجعلنا نبدو وكأننا استقلنا من التاريخ".. 

وان العودة الى التاريخ بلعب دور فاعل فيه يستدعي وجود "صيغ تفاهم وتكامل عربية قادرة على تحديد علاقاتها بالآخرين على اسس متوازنة وصحيحة." 

وفي نهاية المحاضرة دار حوار مطول حول الأفكار التي طرحها الدكتور غليون. 

وحول سؤال للبوابة في تفسير السلوك الأوروبي غير المفهوم تجاه العرب لجهة عدم اقامة علاقات ثنائية صحية لمواجهة الهيمنة الأميركية قال د. غليون: 

هذا صحيح وهو يعني ان اوروبا تعمل ضد مصالحها، وقد اخبرت مسؤولاً فرنسياً كبيراً بأن مصلحة اوروبا هي بالاتجاه نحو العرب إذا ارادت الخروج من دائرة الهيمنة الأميركية، فكانت اجابة هذا المسؤول: ان هذا مطلوب وضروري، ولعله تقصير اوروبي كذلك إلا انه أضاف، ولكن المشكلة هي مع أي عرب نتفاهم ووفق أي شروط واعتبارات.. مما يؤكد ضرورة توحيد الموقف العربي لمعالجة العديد من السلبيات والأزمات. 

يذكر ان الدكتور برهان غليون هو مفكر عربي من سوريا ويقيم في فرنسا منذ ثلاثين عاماً.. وهو يدرس مادة علم الاجتماع في جامعة السوربون بباريس. 

وقد اصدر العديد من المؤلفات التي اثارت ولا تزال جدلاً عميقاً في الحياة الفكرية والسياسية العربية، ومنها "بيان من اجل الديمقراطية"، "الدولة ضد الأمة"—(البوابة)