المقال الذي دق المسمار الأول في نعش هداية السالم

منشور 01 نيسان / أبريل 2001 - 02:00

لا أحاول أن أكون حفّار قبور… ولكن شاءت الأقدار أن تُقتَل الإعلامية هداية سلطان السالم في توقيت كنتُ أعدّ فيه تقريراً عن هذه الإعلامية المتربعة على عرش مجلتي "المجالس" و"العربي الرياضي" منذ عام 1970 وحتى مقتلها على يد ضابط كويتي من عشيرة "العوازم" لكن جاء حادث اغتيال السالم متزامنا مع وقت إعداد التقرير الذي لو نشر في وقته لكنت الآن ربما أحد المتهمين في قتلها. 

هداية سلطان السالم المقربة جدا من الأسرة الحاكمة بالكويت "آل الصباح" هي ابنة سلطان السالم الاخ الأكبر للشيخ فهد السالم الصباح من أمه..وتمثل للمرأة الكويتية المتحررة واحدة من السيدات البارزات في مجال المطالبة بحقوق المرأة السياسية في الكويت. 

ووقع الحادث في العاشرة والنصف في شارع "دمشق"، وهو أحد شوارع الكويتية المزدحمة، بعد دقائق من خروج القتيلة من منزلها برفقة سائقها، حيث كانت في سيارتها الرولزوريس البيضاء المتوقفة عند الإشارة المرورية الحمراء، ونزل مسلح من سيارة كانت تلاحقها حيث أطلق عليها ست رصاصات. وأعلنت المصادر أمنية في وقت لاحق العثور على السيارة الجيب التي استخدمت في الحادث بعد فرار القاتل ومن معه. وتبين ان السيارة مسروقة وكان صاحبها، وهو الضابط مناور العازمي، قد ابلغ عن سرقتها قبل الحادث. 

وقد تناولت الصحف العربية مقتل الإعلامية الكويتية من زوايا مختلفة حيث أنه الحادث الأول من نوعه في الكويت، فقد لمّحت بعض الصحف العربية على رأسها جريدة "الشرق الأوسط" إلى احتمال تعرضها للاغتيال من قبل بعض المقربين إليها أو أحد العاملين في مؤسستها نظراً للضائقة المالية التي تعرضت لها هداية السالم في الآونة الأخيرة…بينما ربطت صحف أخرى بين الخلافات القائمة بين أفراد الأسرة الحاكمة وديوانياتها وبين حادث مقتل هداية سلطان السالم…ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل كانت دائرة الشك محتملة أن تسع كل الفلسطينيين المقيمين في الكويت لأن هداية سلطان السالم لم تتوان يوماً عن مهاجمة ليس السلطة الفلسطينية فحسب بل والشعب الفلسطيني كله…بأقبح العبارات. 

ولكن اعتراف الضابط الكويتي " خالد ذياب العازمي - 40 عاما " الذي توجه بنفسه برفقة ثلاثة من رفاقه إلى المركز الأمني كان واضحاً ليقطع كل الشكوك والشبهات، حيث اعترف العازمي بقتل هداية سلطان السالم "66 عاماً" بطلقات من مسدسه وتبين أن سيارة "الجيب" اليابانية المسروقة تعود لشقيقه.  

ولكن المفاجأة التي دعتنا إلى تناول مقتل الإعلامية هداية سلطان السالم..هي أسباب مقتلها والتي كنت قد تناولتها في تقريري الذي كان في طريقه للنشر أثناء حدوث الجريمة (إذا صح التعبير)، فالضابط العازمي اعترف للشرطة الكويتية بأنه قتل الإعلامية هداية سلطان السالم بسبب مقال نشرته في تموز/يوليو الماضي مسّت فيه شرف فتيات عشيرة العوازم التي يتحدر منها.  

وتتمتع عشيرة العوازم التي تعد 100 ألف شخص بنفوذ واسع في الكويت ولها ثمانية نواب في البرلمان. 

والمفارقة العجيبة أنه وفي نفس العدد من مجلة المجالس الذي نشرت فيه هداية سلطان السالم مقالا تناولت فيه فتيات عشيرة العوازم كراقصات كانت الأسرة الحاكمة تجلبهن من "فريج العوازم" ..يؤدين رقصة كويتية بإغراء وإيحاء جنسي كما ذكرت السالم في مقالها؛ نشرت مقالاً آخراً تناولت فيه السلطة الفلسطينية والرئيس الفلسطيني و زوجته بل والشعب الفلسطيني من "تحت الزنار"… ولم استغرب مهاجمة السالم لكل هؤلاء..وليس هذا هو سبب كتابتي التقرير الذي كان القدر أسرع منه… بل السبب هو ركاكة الأسلوب وهشاشته..والانحطاط وعدم الالتزام بحدود اللياقة الصحافية ولا الأدبية حتى، ومن الطريف بالأمر هو عدد الكتاب الذين يشاركون في كتابة الزوايا والأعمدة في مجلة "المجالس" وهو كاتب واحد..هي هداية سلطان السالم .. ففي افتتاحية العدد كتبت السالم زاويتها "في الصميم" التي تناولت فيها فتيات عشيرة العوازم، وبعد 3 صفحات ليس أكثر مقالها الثاني في زاوية "وجهة نظر" وفي آخر العدد مقالها في زاوية "المنطقة الحرة"..وفي مقالها في هذه الزاوية تعدت هداية السلطان السالم (لولا العيب لأضافوا ال التعريف إلى اسمها الأول أيضاً) حدود الأدب واللياقة وصارت تنتقل بين الأسطر والعبارات بأسلوب ركيك يخجل منه تلميذ بالمرحلة الابتدائية..فلم تستند في هجومها الكاسح على الرئيس الفلسطيني وزوجته إلى حقائق مقنعة بل اكتفت بإبهار القارئ الكويتي، بالمسبّات والشتائم وكأننا أمام مسرحية كوميدية "ماصخة"، على رأي الكويتيين من بطولة كومبارس فاشل..ولم تحترم في مقالها لا كبر سن ولا مقام الرئيس الفلسطيني.  

وأنا هنا لست بصدد الدفاع عن السلطة الفلسطينية ورجالها لأنني انتقدت بشدة بعض التجاوزات وبعض الشخصيات… وسخرت أيضاً من مسرحية السلام برمتها..من مدريد وحتى كامب ديفيد مروراً بأوسلو و "واي بلانتيشن".. ولا أنزعج حقاً من الانتقادات الإيجابية التي توجه للسلطة الفلسطينية..على أن لا تكون كلمة حق يراد بها باطل… 

ولكن الذي دعاني إلى التطرق لمقال الراحلة هداية السلطان السالم هو هذا التساؤل البسيط: من ينتقد مَن؟ هذا عدا عن ضعف الحجة أو الموضوع والتوقيت غير المناسب.. 

والذي دعاني أيضاً إلى نشر المقال الذي كان المسمار الأول في نعش هداية السالم هو عدم احترامها للعائلات الكويتية الأصيلة، حيث أن "العوازم" هم سكان الكويت الأصليين، وتعد عشيرة "العوازم" من كبرى العائلات الكويتية ولا ينبغي الاستخفاف بقدر العائلات حتى ولو كانت السالم تسكن في برج عاجي ترى الآخرين أصغر من عقلة الأصبع… ومن الجدير بالذكر أن نشر المقال الذي مست فيه السالم عائلة العوازم تزامن أيضا مع صدور كتابها "صلوات في المحراب العذري" والذي وصفه البعض بالإباحية والتشجيع على الاختلاط والتبرج والفساد بينما وصفته هي بقولها "أغنيات وترانيم وشفافية تعزف على أوتار المشاعر لعصر افتقد فيه هذا الحب "يا عيني على الحب لسيدة أقدم من سور الكويت". 

وللعلم أن هداية السالم كانت قد تلقت قبل مقتلها عدة تحذيرات وإنذارات كانت تقابلها بالاستخفاف والاستهانة كالعمل التخريبي الذي تعرضت اليه مطبعة مجلة المجالس عندما قام مجهولون بتقطيع بعض الأسلاك والكيبلات وتحطيم بعض الأجهزة..فكانت ردة فعلها أن زادت العيار في مجلتها ولم ترتدع أو تتوقف عن كتاباتها التي تسيء لبعض أبناء الكويت من العائلات المحافظة. 

وفي النهاية أود أن أشير أيضا إلى الكتاب العرب الذين سارعوا يبحثون في فرادة اللغة العربية ومعاجمها عن كلمات رثاء تليق بالحدث الجلل كما وصفه البعض..وهذا ما دعاني أيضا إلى تسليط الضوء على جوانب من كتابات هداية السالم التي كانت تحرض على كره الفلسطينيين وتتناول أعراض الناس بنظرة فوقية…ولكن ما العمل وما القول حيث لا يجوز إلا أن ندعو لها بالرحمة ونحترم حرمتها في قبرها…رحمها الله..فهي أشد ما تكون إلى الرحمة الآن. 

 

*** فيما يلي جزء من المقال الذي كان المسمار الأول في نعش هداية السالم كما جاء في مجلة المجالس - العدد 1458:  

"في كل يوم جمعة تتحفنا المذيعة منى طالب ببرنامجها الأسبوعي من أنغام وتراث وفن الكويت القديم، انني أحييها على هذا البرنامج الذي أحرص على سماعه، ولقد استمعت يوم الجمعة الماضي الى قطعة من خماري، وعشت ليس في جو الأغنية فقط، وإنما في أجواء الطفولة التي عشتها عندما كان عمري ما بين الخامسة والعاشرة، حيث كنا نذهب إلى الأعراس أو إلى حفلات الطهور وإلى نحو ذلك… 

والخماري وهو ينبعث من الراديو ارتسمت للتو أمامي المرأة الراقصة وهي ترتدي العباءة وتظهر عينا واحدة، وحافية القدمين وهي تتكسّر على إيقاع الطبلة في حركات كلها إغراء وإيحاء جنسي. 

وكنا نجلب الراقصات في الأفراح، في الثلاثينات حيث يسكن في بيوت خارج الكويت أي خارج السور، لأنهن كن يتواجدن هناك وقبلها في فريج يسمى فريج "العوازم"، والعوازم من سكان الكويت الأصليين ومن المواطنين الأولين منذ بداية عهد الكويت.." 

المهم كان الرقص ممنوعاً، وعيب على البنات أن يرقصن فكنا نأتي بهؤلاء من ذلك الفريج، أحياناً نأتي بواحدة، أو اثنتين، وأحياناً ثلاثة يرقصن مع بعضهن وكل واحدة تقابل الثانية وتتمايل من الرقبة يسمى (الزفان) وبالعباءة وكنا ندفع أجرة لكل واحدة منهن، وتحضرني حتى الآن أسماء بعضهن ولكني لا أريد أن أذكرها فقد يكون لهن بعض الأقارب، المهم أننا كنا نطرب لهذا الزفان وهذا الخماري..الذي يكاد يندثر وقلما يعرفه أبناء هذا الزمن الحالي، فالرقصة صعبة الأداء لأن الايقاع له وزن والتكسر الملازم لدقة الطبل له وزن بعفوية مغرية تهز المشاهد..ومن المؤسف أن هذا الفن القديم الذي كان يعيشه آباؤنا وأجدادنا لا يعرفه هذا الجيل، ولم يعرفوا قيمته، ولم يفهموا حتى الإيقاع إلا من خلال بعض اللقطات التي تظهر على الشاشة الصغيرة أحياناً أو من بعض الرجال الذين يرقصون—(البوابة) 


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك