المقامة العمّانية- خالد أبو الخير

منشور 19 تِشْرِين الثَّانِي / نوفمبر 2018 - 08:01
خالد أبو الخير
خالد أبو الخير

أطل من شباك سيارتي، حين كنت منغمساً في زحام وسط عمان، قال بصوت بدا واثقاً: هل أجد معك ربع دينار لأكمل أجرة السرفيس!.

نظرت إليه، بدا شاباً، أسمر القسمات،  وجاداً.. نقدته ما في جيبي من « فراطة» بحدود الدينار، فغادر شاكراً، دون أن يدعو لي كما يفعل متسولون كثر.

انشغلت بالنظر إلى المارة والمحال التجارية ، حين اتاح انسياب حركة السير لي ان اتقدم، فشاهدته يدهم نافذة سيارة آخرى، ثم آخرى، بل يتعداها إلى مارة فرادى دون غيرهم، ويتجنب سؤال النساء، ادركت عندها أنني وقعت ضحية نصاب، يحترف التسول بطريقة لاحت جديدة، فلم يكن يلح أو يدعي الحزن والاستجداء، حسبه أن يأخذ ما فيه النصيب أو يغادر فوراً حال الرفض .

 ذكرني هذا المكدي، بأمير المكديين والمتسولين والمحتالين» أبو الفتح الإِسْكَنْدَرِيُّ « في رائعة بديع الزمان الهمذاني « المقامات»، الذي كان يبتدر ضحاياه بسؤالهم عن شي يسير، رغم أن الشاب لم يشفع  طلبه  بما في اللغة من شعر ونثر ورجز وسجع وجناس و طباق وبلاغة.

 

ابو الفتح الإِسْكَنْدَرِيُّ بادر راويه عيسى بن هشام عندما التقيا في المقامة الساسانية، يروم تسولاً،  وسأله بن هشام عما يريده فأجابه:

 أُرِيدُ مِنْكَ رَغِيفـاً ..  يَعْلُو خُواناً نَظِيفـاً

أُرِيدً مِلُحاً جَرِيشـاً .. أُرِيدُ بَقْلاً قَطِيفـاً

وزاد:

أُرِيـدُ لَـحْماً غَريضـاً .. أُرِيـدُ خـَلاً ثَـقـِـيـفَـاً

أُرِيدُ جَدْياً رَضِيعـاً .. أُرِيدُ سَخْلاً خَرُوفَا

 وتطور الأمر إلى:

أُريدُ مَاءً بِـثَـلـج .. يَغْشَى إِناءً طَرِيفاَ

أُرِيدُ دَنَّ مُـــدَامٍ.. أَقُومُ عَنْهُ نَـزِيفَـا

أرِيدُ مِنْكَ قَمِيصـاً.. وَجُّبةً وَنَصِـيَفـا

أُرِيدُ نَعْلاً كَثِـيفـاً ..بِها أَزُورُ الكَنِيفَـا

أُرِيدُ مُشْطاً وَمُوسَى.. أُرِيدُ سَطْلاً وَلِيفَـا

إلى ان يقول:

يَا حَبَّذَا أَنا ضَـيْفـاً .. لَكُمْ وَأَنْتَ مُضِيفـا

رَضِيتُ مِنُكَ بِهَـذا .. وَلَمْ أَرِدْ أَنْ أَحِيفـاً

والملاحظ أن ابا الفتح، ذلك المكدي الأفاق الجوال، صاحب الطرائف واللطائف والظرائف ، لم يطلب من بن هشام إلا حاجته،  وهو ما فعله هذا الشاب، الذي بدا كتلميذ نجيب لأبي الفتح،  والذي تابعته يواصل التقدم والسؤال حتى انفرجت ازمة السير وغابت شمس المقامات، وإن بقيت نهاية هذه المقامة ترن في أذني: قال عيسى بن هشام: فَلَمَّا فَتَقَ سَمْعي مِنْهُ هَذا الكَلامُ، عَلِمْتُ أَنَّ وراءَهُ فَضْلاً، فَتَبِعْتُهُ حَتَّى صَارَ إِلى أُمِّ مَثْواهُ، وَوَقَفْتُ مِنْهُ بِحَيْثُ لاَ يَراني وأَرَاهُ، وَأَمَاطَ السَّادَةُ لُثُمَهُمْ، فإِذَا زَعِيمُهُمْ أَبُو الفَتْحِ الإِسْكَنْدَرِيُّ، فَنَظَرْتُ إِليهِ وَقُلْتُ: مَا هَذهِ الحِيلَةُ وَيْحَكَ؟ فأَنشأَ يَقُولُ:

هَذا الزَّمَانُ مَشُـومُ.. كَمَا تَراهُ غَشُـومُ

الحُمْقُ فِيهِ مَـلِـيحٌ.. والعِقْلُ عَيْبٌ وَلُومُ

والمَالُ طَيْفٌ، ولكِن.. حَوْلَ اللئَّامِ يحـومُ


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك