المناخ محارب ... والحرب ؟

تاريخ النشر: 11 أكتوبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

نبيل الملحم 

 

مصر كانت الأكثر تأهيلا للسلام مع إسرائيل ، كانت كذلك لجملة أسباب ، أحد الأسباب أن المرحلة الناصرية في مصر غرقت بشعاراتها وهواجسها ما بعد ظهور الرئيس الراحل أ نور السادات وحرب أكتوبر بما تلاها من استعادة مصر شبه الكامل لاراضيها واستتباعا الانفتاح الاقتصادي وهو ما أملى شرطا على السياسة والسلام كان واحدا من تجليات السوق باعتباره الاستقرار وطمأنة ملائكة الاستثمار وباعتباره شكلا من أشكال إزاحة التوتر عن مصارف يقلقها التوتر وباعتباره يرضي الولايات المتحدة الأميركية التي تمسك بالتسع وتسعين بالمائة من أوراق الحل والربط 00 ومع ذلك فقد بدت مصر الآن الأكثر قابلية لإعلان النفير العام بمواجهة إسرائيل بما يسمح للقول أن الخطاب السياسي المصري ليس أقل حدة وشدة وجدية من إعلان البلاغ رقم واحد ودون أحمد سعيد وإنما بالقلب البارد والرأس الساخن 0 

- والعربية السعودية لم يبد نفيرها العام أقل شدة ولا حدة 0 

- وتونس البعيدة عن أرض المعركة قربت المعركة من أرضها 0 

- والجو العربي العام يبدو وكأنه يقف على الحافة بحيث الخيار بات يتجه نحو أقصى التصعيد وأقصى التحدي 0 

المعركة قد لا تقع وفي جميع الحسابات لن تقع، فجاهزية المنطقة للعودة إلى الحروب الساخنة باردة، والعواصم الكبرى بدءا من واشنطن إلى باريس إلى موسكو وصولا إلى خافيير سولانا وضعت الفيتو الصريح على (الحرب) وهذا بطبيعة الحال لا يضع الفيتو على (مناخها) ، فأن تقع الحرب شئ وأن تعيش المنطقة مناخاتها شئ آخر ، وبات معروفا أن مناخات الحرب ليست مستقلة عن جملة من تحولات المصالح أو لنقل تبدل الاحداثيات فيها، وبالتالي تبدل التكتيكات التي تقود إلى التبريد أو إلى التسخين، ولنتساءل كيف ابتدأ تسخين المنطقة ثم كيف انتقلت القوة الدافعة لتأخذ هذا الشكل الواسع من السخونة 0 

بداية التسخين كانت من الجنوب اللبناني فالإسرائيليون دخلوا الوحول اللبنانية وكان عليهم الانسحاب منها عسكريا ، والانسحاب العسكري لايعني الانسحاب الوظيفي فلبنان بالنسبة إلى تل أبيب هو الشمال والخطر يأتي من الشمال، وهذه قاعدة في عمق اللاهوت الإسرائيلي، والقاعدة تتطلب إملاء فراغ وهو يستدعي اجتثاث الوجود السوري من لبنان كما يستدعي اجتثاث أي وجود آخر يحتمل أن يرفع الصوت أو الهراوة أو الكاتيوشا بوجهها، فكان أن انتقل حزب الله من الإدارة العسكرية لمعركة انتصرت إلى الإدارة السياسية لمعركة أوشكت أن تنتصر في معادلة لبنانية لم يسمح موزاييكها الهش لإسرائيل بالتسرب من ثغراته فيما بدا القلق على الوضع اللبناني من الداخل بالتلاشي لحساب تفاهمات ما بين الأطراف اللبنانية سمحت للبنانيين أن يجتازوا امتحان الحرب الأهلية إلى الحوار الأهلي باردا أو ساخنا ولكن في دائرة الحوار، فدخلت حكومة باراك في هزيمتين دفعة واحدة، والهزيمتان هما انسحابها تحت وطأة مجابهات عسكرية مع حزب الله، وخسارتها للرهان على إضرام النار في لبنان من جهة أخرى، لتتقاطع اللحظة اللبنانية مع اللحظة الفلسطينية ويضاف إليهما الأسنان الإسرائيلية المرقطة الجاهزة لفتح المعركة مع ايهود باراك بما يقود للتسخين على الأطراف هربا من اشتعال المركز وفي كل الحسابات فان ايهود باراك عقد صفقة مع أسطورة الماسادا ورماها في وجوه الإسرائيليين الذين يأخذون دلالتهم من الآخر المتربص بهم فكان أن اجل متاهة الداخل لحساب الخارج بفارق أن القرارات الإرادية قد تفلت من إرادة أصحابها، وهذا ما أحدثته انتفاضة الاستقلال الفلسطينية التي أملت على الجميع أن يعيد حساباته وأساس الإعادة هنا أن الناس العرب الذين أخرجوا من التاريخ عنوة عادوا إليه عنوة عبر الشارع والاحتجاج واليافطة والحجر وحصل أن ضغط الاحتمال المتسع إلى احتمال واحد لا سواه في منطقة لم يقرر ناسها ولو مرة خيارهم 0 

في المعادلة هنا طرفان : 

طرف عربي لاقت فيه الأنظمة شعوبها في نقطة تقاطع قصوى ، وطرف إسرائيلي يبحث عن هذا التلاقي ومناخات الحرب وحدها هي الكفيلة بتحقيق هكذا هدف ، والمتبقي وحده هو قرار الحرب وكيف يتخذ 0 

لم تقع حرب واحدة منذ 1948 حتى آخر حروب العصر بما فيها حروب الأزقة إلا وكانت أطراف أو لنقل مراكز عالمية كبرى تديرها أو تقف وراءها وهذا شيمون بيريز يؤكد أن هذا المناخ لن يمطر حربا لأن هذه الحرب لا أحد وراءها من المراكز العالمية الكبرى ، ولا يحتاج الأمر إلى أدلة فالحركة الدبلوماسية المحمومة المتنقلة مابين مطارات المنطقة تسمح بالتأكد من أن هذه الحرب إن وقعت فستقع خارج الإدارة والإرادة الدولية التي تمثل دائما الإمداد اللوجستي لأية حرب رابحة على الصعيد الإسرائيلي على الأقل، وهذا الاستخلاص يسمح بالقول أن المعركة حتى اللحظة هي حرب دبلوماسية تدار بإيحاءات عسكرية ، فقفازات الحرير انتزعت لصالح القفازات الفولاذية واللعبة تتطلب من أطرافها إدراك توازنات القوة : 

- لأول مرة يتصالح النظام العربي مع ناسه في هذه لمعركة ، وهو تصالح وان بدا مستنفرا إذا ما خرج الناس عن ارادات النظام في تكتيكات المعركة، فلم تخل عاصمة عربية واحدة من معتقل وسع خطوته في المجابهة، ومع ذلك بالوسع القول أن النظام العربي صالح الناس العرب وهذه مصر التي يشهد ازهرها غضبا هائلا مازالت على صلة بموقف رسمي ليس خارج خيارها وان كانت لعبة السقوف ما بين الشارع والحكومات تترك ثغرة من الغربة فيما بينهما 0  

- ولأول مرة تقف الحكومة الإسرائيلية في المأزق فأية خطوة للأمام تعني المغامرة بإغراق الدولة الإسرائيلية ، وأية خطوة للوراء تعني المغامرة بنهوض الدولة الفلسطينية ، وليس بالوسع استمرار خطوة إلى الأمام وخطوة إلى الوراء والمأزق الإسرائيلي الذي يبدو رمزيا في جنوب لبنان قد يأخذ شكل المأزق الوجودي وما من سبيل لإسرائيل للخروج من مأزقها سوى أن تدخل الطريق المسدود الذي يعمق المأزٌق، هذا إذا لم تتدخل الإدارة الأميركية لتعيد إدارة المعركة الدبلوماسية بما يسقط البعد الرمزي للمأزق والواضح أن الإيقاع الأميركي هو الابطأ في هذه المعركة الإسرائيلية التي لم تنتقل حتى اللحظة لتكون معركة أميركية كما درجت العادة، وهذا هو السؤال المربك الذي يستلزم الكثير من المعلومات والمزيد من الأسئلة للإجابة عنه : 

- - هل غسلت الإدارة الأميركية يديها من إسرائيل مثلا ؟ 

- هل ثمة من يحمل الرسائل الأميركية وينوب عنها في إدارة المعركة ؟ 

- هل استجد ت معطيات حاسمة تسمح للإدارة الأميركية بأن تخرج من القلاع الإسرائيلية إلى الصحراء العربية؟ 

كلها أسئلة لا تزال تسبح في مناخات المعركة وقد تسبح مدة أطول هذا إذا لم تنتقل المعركة من مناخ المحاربين إلى الخنادق فعلا 00 حتى اللحظة لا شيء يقول بأن الصواريخ ستخرج من مخابئها .