انتهت المهلة الممنوحة للرئيس العراقي صدام حسين لمغادرة بلاده لتجنب الحرب، ووقع الرئيس الاميركي، جورج بوش، قرار الحرب. وفي هذه اللحظات الحاسمة، لازم سكان بغداد منازلهم، وخلت الشوارع الا من متاريس تناثر خلفها مقاتلون باسلحة خفيفة، راحوا يرقبون سماء المدينة التي توشك على ان تتلبد بالطائرات وتشتعل بوميض الانفجارات.
وعند الساعة الواحدة من بعد منتصف هذه الليلة (بتوقيت غرينيتش)، انتهت مهلة الساعات الثماني والاربعين التي منحها الرئيس الاميركي، جورج بوش، للرئيس العراقي وابنائه لمغادرة العراق لتجنب الحرب.
وبرفض القيادة العراقية لهذه المهلة، وبقائها في موقعها، يصبح الغزو الذي حشدت الولايات المتحدة له قوات تصل الى 300 الف رجل مزودين بكافة انواع الاسلحة والتكنولوجيا العسكرية، امرا محتوما.
ومع انتهاء المهلة، كان جورج بوش متواجدا داخل البيت الابيض، لكنه وايا من مساعديه لم يعط أي تلميح حول الوقت المخطط للغزو.
واعلن مسؤولون عسكريون اميركيون ان الرئيس جورج بوش قد وقع بالفعل قرار الحرب، الذي سيظل موعده سرا لن تنطق به سوى اصداء الانفجارات مع انطلاق العمليات العسكرية الاولى في العراق.
ولتنفيذ هذه العمليات، وضعت القوات الاميركية والبريطانية الموجودة في الكويت على مقربة من الحدود العراقية، على اهبة التحرك فيما ذخرت طائرات "بي 2" العملاقة بالقنابل، كما تموضعت السفن الحربية المزودة بصواريخ "توما هوك" في مواقعها القتالية، وكل ذلك بانتظار ان تحين ساعة الصفر.
بغداد تنتظر العاصفة
وفي هذه اللحظات الحاسمة، لازم سكان بغداد منازلهم، وخلت الشوارع الا من متاريس تناثر خلفها مقاتلون باسلحة خفيفة، راحوا يرقبون سماء المدينة التي توشك على ان تتلبد بالطائرات وتشتعل بوميض الانفجارات.
وظهر المقاتلون داخل المتاريس بالعاصمة مزودين بالخوذات الفولاذية والاسلحة الاتوماتيكة وقذائف آر بي جيه-7 المضادة للدبابات، فيما حجبت واجهات المحلات التجارية بجدران من الحجارة وغطى الغبار السماء حتى بات الجو مفجعا. وغاب الزبائن عن مطاعم السمك الواقعة على ضفاف دجلة.
وفي كل الشوارع تجد عائلات انتظرت حتى اخر لحظة لتغادر المدينة وهي تنقل سلعها الى سياراتها او تصعد الى الحافلات وايديها مثقلة بالحقائب والاكياس.
ولم تشهد العاصمة العراقية التي تعد اكثر من خمسة ملايين نسمة، النزوح الكبير لسكانها خلال حرب 1991، ولم يغادرها سوى الذين تسمح لهم مواردهم بالتوجه الى البلدان المجاورة.
وفي هذه الاونة، واصلت وسائل الاعلام العراقية الرسمية بث الاناشيد الحماسية في إطار التعبئة العامة لابناء الشعب.
وحذرت قناة العراق الفضائية "بقبر الغزاة" وأن "المحرقة" في انتظارهم في العراق خلف قيادة الرئيس "الرمز" صدام الذي سيقودهم حتما إلى "النصر" المؤزر.
وبين مسلسل مصري واخر يبث التلفزيون الرسمي صورا لتظاهرات التضامن التي نظمها حزب البعث في مختلف المدن.
طوارئ في المستشفيات
مستشفيات بغداد جميعها وضعت في حالة تأهب هي الاخرى.
واعلن الدكتور عادل جابر العلي، الجراح في مستشفى النعمان في حي الاعظمية "طلب من نصف العاملين في المستشفى ملازمة العمل اعتبارا من اليوم وجرت تعبئة الفرق للعمل على اساس فترة من 12 ساعة".
ويوضح مدير المستشفى احمد المصري ان كل الاطباء، وفور بدء عمليات القصف، "سيلتحقون بمراكز عملهم للتمكن من معالجة الجرحى على مدار الساعة".
وهذا المستشفى الذي يضم 250 سريرا متخصص في الايام العادية في الجراحة العامة والتوليد وامراض الاذن والانف والحنجرة. واكد المصري ان مؤسسته لا ينقصها شيء. وقال "لدينا مولدات وادوية ومياه شفة".
واعتبر وزير الصحة العراقي اوميد مدحت مبارك هذا الاسبوع امام الصحافيين ان "الخسائر البشرية في صفوف المدنيين قد تكون هائلة بسبب كثافة القصف الاميركي".
وفي حي العطيفية، وضع مركز سيارات الاسعاف في حالة تأهب مع جهازه الهاتفي وخمسين سيارة على اهبة الاستعداد في الموقف التابع له. ومدير المركز "منشغل جدا الى درجة" تمنعه من استقبال صحافيين.
واعلن المتحدث باسم اللجنة الدولية للصليب الاحمر في بغداد رولان هوغينين بنجامين انه خزن في العراق "وحدات طبية" خاصة بالجراحة لسبعة آلاف اصابة خطرة.
ورأى ان "هناك مخاطر عدة في مجال عمل الممرضين (...) وكل شيء سيكون رهنا بانواع الاسلحة المستخدمة" من قبل التحالف الاميركي البريطاني.
وركزت اللجنة الدولية للصليب الاحمر جهودها في الآونة الاخيرة على محطات تنقية المياه التي تم تجهيزها جميعا بمولدات لمواجهة احتمال تدمير محطات توليد الكهرباء.
دروع بشرية
ومن جهتهم، هيمن السخط واليأس على نشطاء السلام ممن يمثلون "الدروع البشرية" في بغداد حيث يشكل حوالي 100 شخص من شتى أقطار العالم صلب بعثة للمساعدة في الدفاع عن البنية التحتية العراقية ضد الهجوم الأميركي البريطاني.
وترفض عظمة بشير وهي شابة ترتدي ملابس غريبة من لندن أن تتحرك قائلة "إنني اعتزم أن أظل في محطة الطاقة حتى يتم ضربها"، مضيفة "عندها ستنتهي مهمتي".
وترفض الدروع البشرية فكرة أن الاحتجاج في حالة وقوع هجوم لن يكون ناجحا. وتنظر الجماعة إلى نفسها على أنها جزء من حركة عالمية تقف خلفها الاغلبية الواسعة، في مواجهة مجموعة صغيرة من الرجال الاقوياء الذين يرفضونهم.
وقال متحدث آخر في المؤتمر الصحفي مشيرا للرئيس الامريكي جورج دبليو. بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير "أنا حزين وغاضب أن شخصين فعلا كل ذلك".
وكانت بشير تتحدث في مؤتمر صحفي أخير في فندق فلسطين، بينما كان نشطاء السلام الاخرين يصفقون. ولا زالت مشاعر الجماعة قوية والتشجيع المتبادل لا يضير على أي حال.
وقد احتل المدافعون الذين عينوا أنفسهم تسعة منشئات حول العاصمة العراقية بغداد. ومن بين هذه الاماكن ثلاث محطات مياه وثلاث محطات طاقة ومصفاة نفط كبرى.
والاهداف العسكرية ليست من بين تلك المنشئات التي تقبل عليها الدروع البشرية. وغادر العديد من النشطاء احتجاجا قائلين أن الحكومة العراقية تريد استخدامهم في حماية البنية التحتية العسكرية.
غير أنه مع اقتراب الحرب وتحرك الجيوش لمواقع المعارك، سوف يصبح التمييز بين الاهداف العسكرية والمدنية أمرا صعبا.
ومحطات المياه ومخازن الاغذية يمكن النظر إليها على نحو لا لبس فيه على أنها منشئات مدنية. محطات المياه مطلوبة لضخ الماء لخمسة ملايين من سكان بغداد.—(البوابة)—(مصادر متعددة)