واشنطن – منير ناصر
كشفت مجلة "النيوزويك" الأميركية هذا الأسبوع النقاب عن أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حذر الرئيس الأميركي بيل كلينتون خلال محادثات كامب ديفيد في تموز / يوليو الماضي من أنه اذا أصرت إسرائيل على الاحتفاظ بسيادتها على القدس، فإن الموقف سيتدهور ويقود إلى حرب بين إسرائيل والفلسطينيين.
وقالت "النيوزويك" في تقرير خاص من القدس: "كانت كلمات عرفات توقعات صحيحة". عندما اقترح كلينتون أن يحتفظ الفلسطينيون "برعاية" الحرم الشريف، بينما تظل السيادة في أيدي الاسرائيليين، وضع عرفات قلمه على الطاولة وحملق بكلينتون بسخط محذرا: "هذه المجادلات هي بمثابة متفجرات ستشعل نيرانا هائلة في المنطقة.. هل تريدني أن أزج بالمنطقة في عصر جديد من الصراع الديني؟.
وجمعت "النيوزويك" معلومات عن بعض أكثر المناورات حساسية والتي تدور بعيدا عن الأضواء حول موضوع السيادة على القدس من خلال مقابلات أجرتها مع مفاوضين رئيسيين شاركوا في قمة كامب ديفيد. وخلصت المجلة إلى القول إن القمة انهارت بسبب "اقتراح غير رسمي" قدمه باراك ومفاده أن "تقوم اسرائيل ببناء كنيس صغير في الزاوية الشمالية للموقع القديم مقابل تخليها عن السيطرة بحكم الأمر الواقع على الحرم الشريف".
وقد أثار هذا الاقتراح الدهشة حتى لدى أعضاء فريق باراك المفاوض والذين تساءلوا بهدوء اذا كان باراك قد استوعب الحساسية العميقة التي تحيط بالمنطقة المقدسة. كان الأمر بالنسبة لباراك مجرد إعادة التفكير بطريقة ثورية، أما بالنسبة للفلسطينيين فكان إقتراحا فاشلا منذ البداية. ووفقا لمجلة "النيوزويك"، فإن كلينتون حينما نقل الإقتراح إلى عرفات في الثامن عشر من تموز / يوليو استشاط عرفات غضبا، وسخر من الفكرة واصفا إياها بأنها "اسرائيلية محضة". وبالنسبة للفلسطينيين، فقد عزر الإقتراح الشكوك لديهم بأن إسرائيل تريد موطئ قدم لها في الحرم.
إتصل صائب عريقات، رئيس وفد عرفات المفاوض، في الساعة الثالثة فجرا هاتفيا بالأميركيين ليعلمهم بالجواب. ثم التقى ببروس ريدل، مسؤول في مجلس الأمن القومي، وقال له: "نحن نعتبر أن هذه الأفكار لا تشكل أساسا للمفاوضات". وكان جواب ريدل سريعا وقاطعا: "لذا انتهى كل شئ".
وقالت مجلة "النيوزويك" بعد أربعة شهور من قمة كامب ديفيد عاد المشاركين في القمة إلى الوراء وتساءلوا حول ما اذا كان العنف الذي يجري حاليا جاء بسبب أخطاء ارتكبت على مائدة المفاوضات. وينحو عرفات الذي وافق على حضور القمة تحت ضغط شديد من كلينتون باللائمة على الإسرائيليين والأميركيين لعدم اهتمامهم بتحذيراته.
ولكن المقربين من باراك يتساءلون علنا في الوقت الحاضر حول الحكمة من قمة كامب ديفيد. ويقول جوزيف ألفر، المستشار الإعلامي الخاص لباراك في القمة: "في استعادة الأحداث الماضية، كان هذا المؤتمر خطأ فاحشا".
بدأ موقف باراك إزاء القدس يتحول بهدوء ابتداء من كانون الأول / ديسمبر الماضي حينما كان يعتزم تقديم إعادة دراماتيكية. ووفقا لمجلة "النيوزويك" فإن باراك، بإرشاد من ريوفن مرهاف، وهو عميل سابق في الموساد ويدير مؤسسة للدراسات السياسية حول القدس، درس بعناية كافة الجوانب المتعلقة بمعادلة القدس مستعينا بالخرائط ومحللا الأمور السكانية. ويقول مرهاف: "كان باراك مدهشا". وأضاف "لقد تحقق بسرعة فائقة أن المسالة كانت حول كيفية إعادة رسم الخريطة". ويقول مرهاف إن "باراك قبل مبدأ إعادة المناطق العربية المجاورة للقدس إلى السيادة الفلسطينية مقابل أن تقوم اسرائيل بضم المناطق اليهودية المجاورة الواقعة ضمن مدينة القدس الشرقية الفلسطينية".
كان المفاوضون الإسرائيليون والفلسطينيون يجرون محادثات سرية في إحدى المدن السويدية في الربيع الماضي، وقد منع باراك فريقه رسميا من التفاوض حول مسألة القدس.
ولكن المفاوضين الاسرائيليين قدموا في ما وصفه أحد المسؤولين الإسرائيليين "بمحادثات الدهليز" فكرة تتعلق بتبادل المناطق المجاورة، وعرضوا على نظرائهم الفلسطينيين خريطة منفصلة عن اقتراحهم.
كان من الواضح أن باراك يريد أن يسجل التاريخ إسمه كزعيم عرف كيف يقدم التنازلات المؤلمة والصفقة التي لم يكن أحد القادة الإسرائيليين السابقين يرغب في إبرامها. وعلى الرغم من ذلك فقد أجرى استطلاعات لمعرفة ردة الفعل في البلاد على اقتراحاته.
وقد أظهرت هذه الإستطلاعات أن معظم الإسرائيليين كانوا على استعداد لإقتسام المدينة إذا كان ذلك يعني إنهاء النزاع إلى الأبد.