اليهود الفرنسيون يرفعون سلاح معاداة السامية لمواجهة تنامي تعاطف الشارع الفرنسي مع الفلسطينيين

تاريخ النشر: 19 ديسمبر 2001 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

يشهر اليهود الفرنسيون في الاونة، وبشكل غير مسبوق، سلاح "معاداة السامية"، في مواجهة حالة التنامي المضطرد في تعاطف الشارع الفرنسي مع الفلسطينيين، وتراجع حجم هذا التعاطف مع اسرائيل، وهو ما اظهره احدث استطلاع للراي في فرنسا، التي يقول باحثون انها تشهد في الاونة جدلا خطيرا ومتناميا، حول التأثير السلبي للصراع العربي الإسرائيلي على صورة اسرائيل، وعلى قوة اليهود الفرنسيين وتاثيرهم في صناعة القرار السياسي الفرنسي حيال قضية الشرق الاوسط.  

وعلى ما يبدو، فان مليون يهودي يعيشون في الجمهورية العتيدة بداوا في هذه الايام طرح السؤالين الاكثر اثارة لقلقهم، وقلق اسرائيل كذلك، الا وهما: لماذا اصبح الفرنسيون متعاطفين بدرجة اكبر مع الفلسطينيين؟ ثم، هل سيتوقف الامر عند حدود التعاطف، ام انه سيترجم نفسه في مواقف رسمية كما حدث في قمة "لاكن" عندما اعلنت فرنسا تصديها لمحاولات شارون القضاء على عرفات. 

فرنسا تتقدم‏  

من الواضح تماما ان التعاطف الفرنسي مع الفلسطينيين يشهد تناميا، وانه لم يتوقف عند حدود المواقف المعلنة، بل تخطى ذلك الى ترجمة نفسه في فعل فرنسي جعل الجمهورية الاعرق في اوروبا تتقدم شقيقاتها الاوروبيات فى السعي الى القضاء على اية محاولة تهدف الى الاطاحة برئيس السلطة ‏ ‏الفلسطينية ياسر عرفات كزعيم معترف به في مفاوضات السلام مع الاسرائيليين.‏ ‏  

وبحسب دبلوماسيين غربيين فان فرنسا عبرت عن نفسها جليا بموقفها المعلن والذي يقول انها "لا تريد ان ترى اي ‏ ‏منظمة او زعيم غير عرفات وسلطته الوطنية تستانف المفاوضات مع اسرائيل". 

وفي هذا الاطار يشير هؤلاء الدبلوماسيون الى‏ ‏ان الجهود الفرنسية تنادي بما نادى به البيان الختامي لقمة الاتحاد الاوروبي التى ‏ ‏عقدت فى بروكسل وهو عدم اضعاف السلطة الفلسطينية. ‏ ‏  

وقد جددت (قمة لاكن) الاوروبية مطالبتها للسلطة الفلسطينية بالقيام بكل ما في ‏ ‏وسعها للوقاية من الاعمال "الارهابية" لاسيما تلك التي تستهدف المدنيين الابرياء. ‏  

‏ وطالبت الحكومة الاسرائيلية بوقف جميع العمليات الهجومية ضد السلطة الفلسطينية ‏ ‏لمنحها الامكانية الحقيقية لاتخاذ الاجراءات المطلوبة لمكافحة "الارهاب". ‏ ‏ 

وشكلت الجهود الفرنسية و البيان الختامي للقمة الاوروبية رسالة واضحة لرئيس ‏ ‏الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون من ان قراره بقطع كل الاتصالات مع السلطة لن تخدم ‏ ‏امن اسرائيل كما انها لن تخدم الامن فى المنطقة. ‏ ‏ 

وقد رفضت فرنسا سياسة شارون الجديدة فى اعقاب سلسلة العمليات العكسرية التى ‏ ‏قام بها الفلسطينيون اخيرا مؤكدة ان عرفات يبقى الشريك الشرعي لاسرائيل فى ‏ ‏المسيرة السلمية. ‏ 

وكما الولايات المتحدة تريد حكومة فرنسا ان ترى عرفات يتخذ اجراءات اكثر قوة ‏ ‏لوقف العمليات العسكرية الفلسطينية ضد الاسرائيليين داخل الاراضي الفلسطينية. ‏ ‏  

ارقام تزيد القلق  

وجاء استطلاع للرأي اجري مؤخرا ليزيد من قلق يهود فرنسا من الموقف الفرنسي المتجه في تعاطفه وفعله لصالح الفلسطينيين، والمبتعد في نفس الوقت عن حالة الدعم المعروفة تاريخيا لاسرائيل. 

فقد اظهر الاستطلاع ان الفرنسيين باتوا أكثر تعاطفا ًمع الفلسطينيين مما كان عليه الأمر قبل عام، حيث إن 9 بالمئة فقط من الفرنسيين باتوا يؤيدون المواقف الإسرائيلية مقابل 14 بالمئة قبل عام، فيما يؤكد 19 بالمئة منهم تضامنهم مع المواقف الفلسطينية أي بزيادة واحد بالمئة عن العام الماضي.  

ولعل ما يلفت أيضا في هذا الاستطلاع هو انه في حال وقوع حرب في الشرق الأوسط، فإن 21 بالمئة من الفرنسيين سيحملون إسرائيل المسؤولية مقابل 11 بالمئة سيحملونها للفلسطينيين، و18 بالمئة من الفرنسيين يعتقدون ان التغطية الاعلامية الفرنسية لهذا الصراع كانت متحيزة لإسرائيل رغم ان نسبة هؤلاء كانت فقط 8 بالمئة في العام الماضي.  

تكتيك في مواجهة القلق 

مثل هذا التحول في مشاعر الشارع الفرنسي، وبالتالي الفعل الرسمي في البلاد، كان كفيلا بدفع يهود فرنسا للبحث عن اداة هجوم تكون في نفس الوقت تكتيكا دفاعيا ناجعا في مواجهة قلقهم المتنامي حيال تراجع صورة دولتهم الرمز (اسرائيل) في اذهان الفرنسيين، وتنامي التعاطف مع الفلسطينيين في المقابل، وضمن هذا السياق فقد سارعت اللجنة الدولية لمعاداة العنصرية واللاسامية في فرنسا الى وصف الجمهورية الاولى في تاريخ اوروبا بانها اصبحت "تعاني اخطر حملة معادية للسامية منذ قضية درايفوس والحرب العالمية". 

وفي اليوم الذي كان فيه الرئيس الديغولي جاك شيراك يزور منطقة المغرب العربي ويغرق في جموع مستقبليه في حي باب الواد الجزائري، كان رئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان يستقبل وفدا من المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في البلاد (كريف) جاء يسلمه تقريرا يقول مضمونه ان يهود فرنسا تعرضوا ل330 اعتداء في الفترة الممتدة ما بين 9 أيلول و20 تشرين الثاني الماضيين. وان معظم الاعتداءات قام بها عرب مغاربة..!! 

ولكن هذه الصورة المتضادة لم تكن تعني – كما يرى باحثون ومتابعون- ان الديغوليين يقفون الى جانب العرب والاشتراكيين الى جانب اليهود، فالرئيس الراحل فرانسوا ميتران رفض أكثر من مرة ضغط المجلس التمثيلي نفسه حين كان أركان المجلس يلوّحون بالصوت الانتخابي، ثم هو نفسه الذي رفض ما قبل به شيراك لاحقا من اعتراف بمسؤولية فرنسا المباشرة بما اصاب يهودها في الحرب العالمية الثانية.  

ولكن جوسبان يبدو منساقا الى هذا الجدل دون ادراك حقيقي ربما لخطورته، فهو لم يكتف فقط بالوعد بحزم كبير ضد أي شكل من اشكال معاداة السامية، وإنما أعلن أيضا أمام المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية ان فرنسا ستنظم في تشرين الأول 2002 مؤتمرا كبيرا حول المحرقة اليهودية والجرائم ضد الإنسانية..  

"ليكرا" تدخل على الخط 

وقد دخلت الجامعة الدولية ضد العنصرية ومعاداة السامية (ليكرا) الى الجدل من بابه الواسع لتقول ان فرنسا لم تعرف هذه الموجة من معاداة السامية منذ قضية درايفوس (أي الضابط اليهودي الذي اتهم بالخيانة وثبتت براءته في ما بعد وكتب عنه اميل زولا مقاله الشهير "اني اتهم".  

والسؤال المطروح جديا في فرنسا هو التالي: هل ان شجب سياسة حكومة أرييل شارون تجعل صاحبها معاديا للسامية؟؟  

لعل في الاجابة على هذا السؤال، بعض توضيح للجدل القائم حاليا، ففرنسا تتمايز عن الدول الأوروبية وعن الولايات المتحدة في شجب سياسة شارون (وزير الخارجية اوبير فيدرين مثلا كان في طليعة من وصف هذه السياسة بالكوارثية) وفي الدفاع عن رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، ومنذ فترة بدأت وسائل الاعلام الفرنسية تنصف الفلسطينيين (وليس صحيحاً انها وصلت الى حد الانحياز لهم)، فصورة محمد الدرة كانت قد غيّرت فعلا في المفاهيم كما ان مجيء شارون والسياسة القمعية التي اتبعها باتت تقلق حتى المقربين من إسرائيل.  

وإذا كانت مخاوف اليهود الفرنسيين مبررة لا سيما وان مسلمي فرنسا عبروا أكثر من مرة عن استيائهم من السياسات الغربية في خلال حرب الجزائر او حرب الخليج الثانية او بعد 11 أيلول، إلا ان الأجهزة الأمنية الفرنسية نفسها تؤكد على تراجع أعمال العنف الى ما كانت عليه عام 1991، ثم ان المسلمين الفرنسيين الذي يفوق عددهم بخمسة اضعاف عدد اليهود (حوالى 5 ملايين مقابل ما يقارب المليون يهودي) اشتكوا مئات المرات من العنصرية والتحيز.  

والخطير في الأمر ان تغذية مثل هذا الجدل من شأنه تعزيز الكانتونات واثارة نعرات قد لا تكون موجودة فعلا بين اليهود والمسلمين في فرنسا بقدر ما هي موجودة اصلا بين اليمين الفرنسي المتطرف مثلا والجاليات الأجنبية.  

وهذا يتطلب ربما قراءة جديدة لواقع الجاليات تنطلق من مفهوم "المواطنية" ومبادئ "الجمهورية" التي ينادي بها كثيرون ويرفع شعارها جان بيار شوفنمان. واما إذا كان "توازن" السياسة الخارجية الفرنسية في الشرق الأوسط هو المقصود، فمن المهم بالنسبة لجوسبان ربما التذكير مجددا بأن ميتران نفسه ذهب الى قلب الكنيست يطالب بالتفاوض مع منظمة التحرير وباقامة الدولة الفلسطينية ليس حبا بالفلسطينيين وإنما حرصا على أمن إسرائيل وسلامتها، وهذا بالضبط ما يقود المسؤولين الفرنسيين حاليا للقول بأن العنف يجر العنف وان الحل الوحيد يكمن بالعودة الى طاولة التفاوض وقيام دولة فلسطينية "مسالمة وديمقراطية وقابلة للحياة". 

زيادة الضغوط على الفرنسيين 

…العرب والمسلمون لا ينبغي لهم ان يفرحوا كثيرا بالتحول الذي يشهده الشارع الفرنسي حيال قضيتهم المركزية ، كما يقول محللون وسياسيون، ذلك ان مثل هذا التحول سيستغل ّتماما لزيادة الضغوط والقول بأن اليهود الفرنسيين مهددون فعلا. 

ويدلل هؤلاء الباحثون والمحللون على رؤيتهم هذه، بما ذهب اليه رئيس مجلس الاساقفة في فرنسا المونسنيور جان بيار ريكار من التأكيد بأن تنامي معاداة السامية في فرنسا ليس وهماً.. وذلك بعد ظهور نتائج هذا الاستطلاع. 

وقد اعتبر ريكار، في تصريحات صحفية منسوبة اليه، ان تنامي معاداة السامية في فرنسا حقيقة ذات صلة وطيدة بـ"انعكاسات " النزاع الاسرائيلي الفلسطيني.وقال في هذا المعرض "لا اعتقد بأنه توهم. انها حقيقة. وعندما ارى عددا من الكتابات على جدران دور العبادة لليهود، اقول انه امر غير مقبول". 

واضاف "ان ما يزيد الامر صعوبة اليوم هو النزاع الاسرائيلي الفلسطيني مع ما لديه من انعكاسات عندنا". وقال "اني اطرح سؤالين: هل يمكن ان نوجه انتقادات لسياسة الحكومة الاسرائيلية من دون ان يوصف المرء بمعاداة السامية؟ فانا اتمنى ذلك. وهل يمكن ان نوجه انتقادات من دون العودة الى عبارات او اشكال تنم عن المعاداة للسامية بعد ان كنا قد اعتبرنا ان هذه العبارات زالت من الوجود". 

وتابع "نتحدث من دون تمييز عن اليهود. فاقول ان ذلك امر غير مقبول ولا ارغب في ان تبرز مجددا اشكال تنم عن معاداة للسامية كنا قد اعتقدنا انها زالت. فهذا امر يبدو لي خطيرا (..) والكنيسة لا ولن تلتزم بالصمت حول هذا الموضوع". 

ومن جهة اخرى اعتبر المونسنيور ريكار، الذي التقى الاثنين الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعد شهر على انتخابه رئيسا لمجلس الاساقفة، ان الكنيسة الكاثوليكية يجب ان تسمع صوتها كلما رأت انه يتم "التعرض لكرامة الانسان". 

وفي هذا السياق فقد لوح بان الاساقفة سينشرون في كانون الثاني/يناير عام 2002 بيانا حول الانتخابات الفرنسية المقبلة (الرئاسية والتشريعية).وذلك في محاولة لانتزاع موقف وفعل فرنسي رسمي يواجه بطريقة او اخرى الكابوس الذي بدات تشهده الجالية اليهودية والمتمثل في تراجع الدعم لدولتها الرمز (اسرائيل) في ذهن الشعب الفرنسي، وذلك لصالح تنامي التعاطف مع الفلسطينيين. 

طلب يهودي 

وفي سياق التحرك اليهودي لمحاولة احتواء ما يشهده الشارع الفرنسي من تحول لصالح الفلسطينيين، فقد برزت الاسبوع الحالي مطالبة تقدمت بها عدة منظمات فرنسية يهودية بمصادرة موسوعة "كويد" 2002 التي تصدر سنويا بعد الاضافات الجديدة لأنها اشارت الى نظرية الاستاذ الفرنسي روبير فوريسون الذي يشكك في محرقة اليهود.  

ويدافع فوريسون، وهو استاذ للادب في جامعة ليون (وسط شرق فرنسا) منذ 1978، عن نظرية ترى ان كل ما ذكر عن غرف الغاز التي يجري الحديث عنها في معسكرات الاعتقال النازية ليست سوى كذبة كبرى الهدف منها الحصول على تعويضات، وان اليهود الذين استهدفهم النازيون ماتوا اما من المرض او من سوء التغذية. 

وقد تقدمت بطلب سحب الموسوعة من السوق ثلاث منظمات يهودية فرنسية في المحاكم الباريسية لان الموسوعة تحدثت فقط عن عدد يتراوح بين" 100 و 150 الف يهودي ذهبوا ضحية الحملة النازية وقضوا كلهم تقريبا بحمى التيفوس". 

وتقول موسوعة لاروس ان مليون يهودي قضوا في معسكر اعتقال "اوشفيتز" اكبر معسكرات الاعتقال النازية. 

ويرى محامي الموسوعة ويليام بوردون ان الموسوعة اوردت كلام فوريسون بين قوسين ما يعني ان الكلام له وهو صاحب الرأي وليس الموسوعة. 

وفي مثال صارخ اخر على هذا التحرك الذي تتصاعد وتيرته يوميا، فقد شنت وسائل الاعلام البريطانية والفرنسية، ممن تدور في فلك الجالية اليهودية في كلا الدولتين، هجمة شعواء ضد السفير الفرنسي لدى لندن بسبب قوله ان "العالم موشك على حرب عالمية ثالثة بسبب دولة حقيرة صغيرة اسمها اسرائيل.. ولا بد من فعل شئ ازاء ذلك". 

وبرغم ان اقوال السفير جاءت ضمن جلسة خاصة في منزل احد المسؤولين البريطانيين الذي دعاه على العشاء، الا ان صحفية يهودية كانت من ضمن المدعوين تكفلت بنقل ما قاله السفير حرفيا لصحيفتها، ومن ثم تناقلت الصحف الاخرى هذه التصريحات، مما خلق ازمة دبلوماسية بين البلدين، ودفع الخارجية الفرنسية الى المسارعة للتبرؤ منها واعلان انها تعبر عن راي السفير الشخصي. 

ولكن الحادثة التي احتوتها فرنسا بالاعتذار بصورة غير مباشرة، سوف لن تنتهي تفاعلاتها عند هذه الحدود، بل ستكون بمثابة المعجزة التي انتظرها يهود فرنسا، وربما اوروبا قاطبة، والتي سيتم تضخيمها واستغلالها على الوجه الامثل، بالاضافة الى حوادث اخرى سيتم النبش عنها، بهدف تشكيل ضغط لا يرحم على الحكومة الفرنسية وشعبها، لاجبارهما على تغيير اتجاه بوصلتهما ثانية الى القطب الاسرائيلي، ابتعادا عن التعاطف مع الحالة الفلسطينية.—(البوابة)