جرش – مالك العثامنة
في سياق عروضه لليلة الخامسة منذ افتتاح مهرجان جرش.. أماط مسرح جراسيا اللثام عن فلسفة عروضه لهذا العام من خلال عرضين مسرحيين تألق فيهما هذا المسرح التاريخي.. وكأن الروح انبعثت فيه من جديد.
العرض الأول والذي أعلن عن نفسه بطريقة ذكية تتماها وروح جرش التاريخية.. كان مسرحية "عناة جنة" لفرقة الأحفاد. وقد بدأ العرض بعد أن طاف بعض أعضاء فريق العمل بأزيائهم التاريخية شارع الأعمدة وحتى الساحة الرئيسية، وكان مخرج ومعد العمل سميح كاشف ينادي على العرض بمكبر الصوت ويدعو المارة ورواد جرش لحضور العرض، بطريقة ملفتة مما أثمر عن جمهور كثيف رافق الفريق في عودته من الساحة الرئيسية وعبر شارع الأعمدة حتى مسرح جراسيا، وربما كانت هذه هي الطريقة الأمثل للاستدلال على المسرح الذي ما يزال يخلو من أي لافتة تدل عليه، وما يزال زائره يجد المشقة في البحث عنه.
بدأ العرض المسرحي الذي ألفه الكاتب الإغريقي سوفوكليس ليعود نابضاً بالحياة على مسرح جراسيا، وكان العرض موفقاً من حيث الإضاءة والتجهيزات الصوتية والتي استند المخرج عليها بشكل مؤثر وفاعل للولوج في النص التاريخي، ومعايشة الحدث المسرحي المتناسق، والذي يتحدث عن الثورة على الظلم.
وحول هذا النص والعمل تحدث "للبوابة" مسؤول فرقة الأحفاد ومخرج العمل سميح كاشف فقال: "إن تركيزنا قائم في عروضنا على التراث الإغريقي لتعريف الجمهور بالمسرح الحقيقي ونحن الآن عاكفون على أعمال سوفوكليس والتي أنجزنا منها حتى الآن 3 مسرحيات من أصل 7 مسرحيات، وهذه المسرحية مأخوذة عن عملين لسوفوكليس تمت معالجتهما في عمل واحد، والعملان هما "أنتيجونا" و "سبعة ضد طيبة". ويضيف كاشف: "أن العرض يتحدث عن ثورة العرب الحقيقية ضد الذُل وقد أخذها الغرب واستفاد منها وشوه بالمقابل تراثنا".
أما إسماعيل حوامدة الممثل الرئيسي في المسرحية فقد تحدث "للبوابة" عن تجربته مع الفرقة وعن دوره في شخصية "قريون" الحاكم المستبد صاحب القرارات الجنونية، وأبدى حوامدة سعادته بالحضور المتاز، وأشاد بمشاركة الفرقة بفعاليات جرش مما سيعرف الناس بالفرقة وأعمالها الجادة.
نجمة المسرحية والتي أدت دور عناتا جنة أمل سمير الحضوي تحدثت "للبوابة" عن شخصيتها فقالت: "إن عناتا جنة تمثل الثورة ضد الظلم وإن الشخصية رغم أنها بالأصل إغريقية، إلا أنها وبعد المعالجة المسرحية تثبت ذلك الظلم والتشويه الواقع على التاريخ العربي والذي أمد كل حضارات العالم باشعاعاته."
ويبدو أن جراسيا بتألقها الليلة لم تكتف بهذا الانبعاث الحضاري العربي بين جنباتها، بل اتبعته بعرض آخر، وهو عرض فريد ومتميز متفاوت بين المسرح والاسكتش والنص الشعري، قامت بإعداده الشاعرة لينا عوض بمشاركة القاصة منال حمدي ليكتمل ثلاثي الإبداع بريشة المبدعة دينا حدادين. وتقوم فكرة العرض على قراءة نصية إيحائية لأسطورة جلجامش المشهورة ويرافقها رسم متواصل طوال العرض تقوم به دينا حدادين على لوحة بيضاء في خلفية المسرح ، وبشكل مرافقة للنص.
وتتحدث لينا عوض "للبوابة" فتقول: "فكرة النص تأصيل لحضارة المنطقة، وقد وجدت خلال بحثي أن نص جلجامش هو أقدم نص مكتوب في المنطقة العربية، وتبعته لأكتشف كيف تحور النص عبر الحضارات والثقافات الأخرى التي استلهمته، فالتراث الإغريقي فيه من جلجامش والتوراة كذلك، وقد انتقل الأثر إلى التراث الأدبي العربي العباسي شعراً ونثراً، وقد تجد إيحاءات من المسرحية في ألف ليلة وليلة كذلك"، وتضيف لينا: " قمنا بإطلاق صوت القصة نفسها من خلال دمج الأبعاد الحضارية في النصوص التي تم توظيفها في العرض."
أما الفنانة المبدعة دينا حدادين فقد تحدثت "للبوابة" عن دورها الإبداعي في خلفية العرض على المسرح قائلة: "إن اللوحة تمثل عروبة جرش، مجسدة بامرأة بزيها العربي وهي انعكاس لعمود من أعمدة جرش وتحضن بعباءتها كل آثار هذه المدينة العظيمة."
القاصة منال حمدي صلاح التي قامت بكتابة وقراءة مقدمة النص قالت: "وظفنا النص بقصة حب أوغاريت، الجارية الجميلة، وعلاقتها بالتمثال الذي حولته حالة الحب إلى كائن آخر نابض بالحياة، فانتجا من خلال هذا الحب مولودهما "آراب" وهو أصل كلمة عرب"، وتضيف منال: "إن فكرة النص تم طرحها لأول مرة علينا من قبل المبدع والأب الروحي لمسرح جراسيا في المهرجان صادق الخواجا وهو المحرك الرئيسي للموضوع، والذي يحمل فلسفة عظيمة في داخله يعكسها على "جراسيا" وعروضها، ومفادها أن تصل حضارتنا العربية للأجيال القادمة، وأن حضارة العرب أصل كل الحضارات الإنسانية- -(البوابة)