عمان- اياد خليفة
تعاظم الحديث مؤخرا عن خطر انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية في العديد من الدوائر السياسية المتابعة، نتيجة الحصار الإسرائيلي المضروب على الضفة الغربية وقطاع غزة، وانطلق هذا الحديث من مؤسسات السلطة الفلسطينية نفسها وعلى لسان كبار مسؤوليها، وصولا إلى تحذيرات من الأمم المتحدة والولايات المتحدة من الخطر الذي سينعكس على المنطقة في حال الوصول إلى هذه المرحلة.
ويترافق هذا الحديث الذي يصفه بعض المسؤولين الفلسطينيين بـ "مبالغ فيه" مع البحث عن بديل لمؤسسات الدولة في قيادة المجتمع الفلسطيني، ومع تحميل الدول العربية مسؤولية أية تطورات سلبية قد تطرأ في المستقبل القريب ناجمة عن حبس الدعم المالي الذي أقرته قمة القاهرة العربية الأخيرة.
ففي حديث مع "البوابة" استبعد وزير العدل الفلسطيني فريح أبو مدين أن ترويج قصة الانهيار يأتي في سياق هواية دعائية إسرائيلية، موضحا أن المقصود بتحذيرات المسؤولين في السلطة هو شل السلطة وما يجري من مصادرة لصلاحياتنا، بسبب الإغلاق الإسرائيلي المكثف على مناطقنا، وضرب الوزير الفلسطيني مثلا عن خطورة الوضع وقال: إن جيش الاحتلال سيطر على جميع الطرق.. فأنا لا أستطيع نقل سجين من غزة لـ رام الله، كما أن أي مثمن للأراضي غير قادر على ممارسة عمله خارج منطقة نابلس بـ 50 مترا.
وقال أبو مدين إن هناك خطة مبرمجة لمنع السلطة من ممارسة عملها الروتيني اليومي من خلال عدم وصول المساعدات العربية المقررة، وقال:" البنك الإسلامي في الرياض يدعي عدم حصوله على أوامر قياديين عرب لتحويل المساعدات، وكأنه يقول لنا (البنك) اوقفوا بناء المستشفيات والمراكز الصحية وامنعوا قوت الأطفال، واشياء اخرى نحن أحوج لها الآن من أي وقت مضى.
وتساءل وزير العدل الفلسطيني: لقد تحدث العرب عن قضية (شفافية)، إذاً هل هم أكثر شفافية من البنك الدولي مثلا؟ وأضاف بإمكانهم تحويل المساعدات إلى البنوك التي يتسلم الموظفون رواتبهم منها مباشرة والمطلوب 55 مليون دولار لـ 120 ألف أسرة.
وكشف أبو مدين لـ "البوابة" أن بعض الدول العربية تسعى لإعادتنا إلى فترة السبعينات عندما كان لكل دولة عربية تنظيمات فلسطينية ناطقة باسمها و" زلام" لها، هذا العصر ولى ولن نكون نحن أفغانستان ثانية يتم دعمها لأهداف سياسية وليس لأهداف إنسانية. مؤكدا أن وصول الدعم عن طريق الإذلال وطوابير "كرت المؤن" لا يجوز بعد مسيرة النضال الطويلة والـ 100 ألف شهيد، مطالبا بطرح هذه القضية على القمة العربية القادمة في عمان وأن يتم التوصل إلى صيغة تكون نتائجها ملموسة.
واستنادا إلى مصادر فلسطينية فإن السلطة الوطنية تحتاج إلى 100 مليون دولار شهريا لدفع مخصصات الموظفين فيها، وسط إعادة تفعيل مواضيع تتحدث عن بداية عودة نجم أعضاء م. ت. ف إلى الساحة بعد أن تم تهميشهم إثر عودة عرفات إلى غزة وإقامة السلطة الوطنية، في إشارة إلى إمكانية أن تحل المنظمة محل السلطة في قيادة المجتمع الفلسطيني.
ويقرأ عبدالرحيم ملوح عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعضو اللجنة التنفيذية في م. ت. ف الواقع السياسي الحالي وقصة الانهيار من زاوية أخرى وأكد لـ "البوابة" أن الانهيار المزعوم هو انهيار بين ارتباطات السلطة الفلسطينية مع إسرائيل وليس انهيارا داخليا بين السلطة والشعب والمؤسسات.
وطالب ملوح بإعادة معالجة الوضع الداخلي من خلال إعادة بناء مؤسسات المجتمع المدني بمجمله "وعندها سيواجه جميع المصاعب والمخاطر"مؤكدا أنه ومن أجل أن تلتف الجماهير الفلسطينية حول سلطتها الوطنية، فعلى هذه الأخيرة إثبات قدرتها على معالجة الفساد والترهل الإداري ، وإلا سيبقى الوضع عرضة للنقد الداخلي والخارجي.
وأشار المسؤول الفلسطيني الذي عارضت جبهته اتفاقيات السلام إلى أن ذلك يتطلب الاستعداد الذاتي للقيادة الفلسطينية المهيمنة على م. ت. ف، وعلى الرئيس عرفات أن يقدم على هذا الموضوع قبل فوات الأوان، وإلا فهناك خياران: انقلاب عسكري وهذا أمر مرفوض وغير مقبول في مجتمعنا الفلسطيني، أولا، وثانيا خيار الحياة الديمقراطية، وهذا الخيار معطل ويجب تفعيله.
وقال ملوح إن منظمة التحرير كانت أساسا وما زالت وستبقى المرجعية الأولى للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وإن ما حدث في أوسلو كان محاولة متعمدة لتغييب دور ومؤسسات م. ت. ف وإعلان شأن السلطة عليها مع العلم أن تغييب المنظمة يعني تغييب قرارات العودة وتقرير المصير.
ويرى المسؤول الفلسطيني في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن السلطة مرحلة انتقالية وقد انتهت في 4/5/1999 ولم تحقق الأهداف والغايات، لذلك من الضروري إعادة النظر في تركيبتها من خلال إعادة الاعتبار لمؤسسات م. ت. ف، مع ثورة ديمقراطية شعبية وإلا سنواجه مصاعب كبيرة.
واتهم ملوح بعض القيادات العربية بتلقيها أوامر من الإدارة الأميركية بمنع وصول الدعم العربي إلى أبناء الشعب الفلسطيني، تحت ذريعة الفساد في السلطة الوطنية، وقال إن من كشف الفساد هي السلطة نفسها، ولكن ذلك لا يشكل عائقا، الجميع يعلم أن موازنة السلطة تبلغ 95 مليون دولار ودعنا نفترض أن الفساد يساوي 20% هذا الحجم بإمكان أي زعيم عربي أن يعوضها بصفقة صغيرة، نحن ندفع ثمنا غاليا وهو الدم من أجل المصلحة والصمود، وأكد أنه من الضروري ترتيب الوضع الآن لأن المعركة ستطول ولن تنتهي بعد عام أو اثنين.
في المقابل تشدد حركة المقاومة الإسلامية "حماس" على أن الحديث عن انهيار السلطة الوطنية مبالغ فيه، وفي هذا السياق اعتبر محمود الزهار الناطق باسم الحركة أن غياب المخصصات المالية لشهر أو اثنين لا يعني انهيار السلطة الوطنية ولا سيما في ظل عدم وجود معارضة قابلة لتسلم زمام الأمور عندنا وأخص المعارضة الإسلامية وحركة حماس التي تقف الآن بمواجهه إسرائيل، وأشار في حوار مع "البوابة" أن مثل هذا الحديث من الممكن أن يدور في دول أخرى فيها معارضة وبدائل سياسية.
وحول طرح منظمة التحرير كبديل لقيادة الفلسطينيين أكد أن هذا حل جزئي للمشكلة إن وجدت "لكن هناك جزئية أخرى وهي أن تتشكل مجموعة من القوى الوطنية والإسلامية لترتيب الأوراق من جديد على أساس التكامل وليس على أساس الانقلاب والإزاحة.
ووسط تأكيدات من أطراف سياسية عديدة أن وصول الدعم العربي إلى الشعب الفلسطيني المحاصر سيحل المشكلة، وأن ما قيل ويقال عن انهيار في مؤسسات السلطة الوطنية يندرج تحت عنوان الدعاية الإسرائيلية والتي حذرت مصادر فلسطينية من تداولها، كونها تأتي في سياق دفع العرب لتأخير إرسال المساعدات التي تم إقرارها بذريعة دعم كيان سيختفي بعد وقت قصير—(البوابة)