باب حبّة الرمان- علي السوداني

تاريخ النشر: 30 نوفمبر 2008 - 07:03 GMT

ولقد انتهيت اليوم الجمعة من خلق المشهد السابع في باب البخل وعلاماته وناسه وأساسه وكنت فيها - جلّها - أقرب الى منهج الرحمة منه الى نهج الغلظة والجلد والذمّ حتى وجدت جمعاً من القارئين قد أحبوا بخلائي واستعذبوهم واستأنسوهم وسوغوا واستساغوا بضاعتهم لما بثثته بين توصيفاتها وتأويلاتها وشروحها ، من اساليب مبتكرة في التضحيك وفي التنكيت وفي التشويق وفي التظريف ، وكنت في هذا الباب انام على خشية من تحبيب تلك الخصلة للعامة فتشاع وتنقل وتقص حتى اذا صارت سنّة مسنونة ، قام حكماء الناس وعلماؤها ومفكروها بشتمي وسبّي ورجمي وتسقيط مجلسي وكان مما اقترفته في هذا الأمر - جاهلاً أو عامداً أو خاشياً أو متّقياً - انني شلت ألأسماء من مواقعها ومعانيها وأصولها كي لا أوغر قلباً أو اقطع خلّة ، وكان جليسي ونديمي ومجادلي في بعض ما جئت عليه ، الراوية عبد الستار ناصر بن جدوع الزوبعي الذي كان أميل الى شدّ اللغة وقول ألأسم واشهار الكنية ، وكنت في سبيلي الى هذا حتى تيسرت لنا ليلة ليلاء نزلنا بها في قعر حانة من حانات الربة عمون وبسبب من فرط كأس وعشق اغنية وذكر صبابة وتشبيب ، تتعتع جسدانا ووهنت قوانا وأستبد بنا النواح وقهرنا كتمان الدمع فصرنا الى التأتأة والهمهمة والقرقعة والمعمعة والحمحمة والهصهصة واستعمال الجسد في شرح السند ، فأستدارت نحونا عيون السكارى وانرفعت بصحتنا كؤوس الندامى الذين بهم وحشة ووحدة فقاموا من قعودهم ومالوا ورقصوا وغنوا حتى مالت مع ميلهم حانة الشرق البديعة ، وحيث أخذ منهم العجز مأخذاً عادوا وارتاحوا الى متكآتهم وطلبوا تجديد السقاية وتعريف الكؤوس ففعلنا مثلهم ، فأنداح الى مائدتنا المشعة رجل بدا مخيّما عند أول السبعين ، قال انه كان نزل من موضع حلب في اعلى الشام الى  موضع عمون منذ خمسين سنة واستأذننا بالجلوس فقلنا له : اجلس ، أضحك الله سنّك فلربما كان لنا فيك مرجعاً وموئلاً يعيننا على ما نحن اليه نروم ونمشي ، ومن معاضل ذلك هي ، حيرتنا في طريقة رسم صورة رجل يشيل بيده رمانة ربعها خائس وبقياها صحيح وقد شغف في أكلها وتفريقها حبّة حبّة وابتدأ من قسمها الخائس حتى بلع جزءه ثم راح الى طيّبها فكان كلما سقطت منه حبة رمان على الأرض نزل فوقها وألتقطها بخفة قط تائه ، وان أستراح له ولد قال له : اذهب الى أمّك فوالله لن تذق من رمانتي حتى أجيفها لأني لا اريد لك ان تتعذّب في اخراج غائطك حتى اذا شددت على امعائك وعصرتها عصراً ، ستكون قد فتحت باب الناسور في فرجك ، فما قولك - شيخنا الجليل -  في هذا ؟  قال : فأما ابتداؤه بقسم الرمانة المتعفن فهو من زناخة روحه ووسخ بدنه ، وأما التقاطه ما تساقط من حبوب الرمانة وما تردّى ، ففي ذلك جمع من سنّة وبدعة واما اعراضه اطعام الطفل المتشهي فمردّه التخلّق بما كان عليه منعة الماعون وهو على ذلك من هؤلاء ومن غيرهم ولا يصح تصنيفه وتجنيسه وتوثيقه وأرى ان حيرتك فيه ستنام في مكمنها ، لذا هاتني بثانية مما تروم . وكنت على عجل في دلق الثانية لكن أبا عمر عبد الستار ناصر جدوع الزوبعي كان استبقني ورفع كأسه وقال : وحقك يا صاحبي أرى اننا ابتلينا بضيف بخيل فصار في جعبتنا بخيلان ، أولهما ، صاحب الرمّان وثانيهما من أفتى ببراءته . وعند تلك الصيحة التي لم تثنَّ ، تضعضعت القعدة وضاقت النفس وحلّت المناكدة وأنزرعت الكدرة ، وبينا كنت وصاحبي الزوبعي في فصل تجميع ووضع الليرة فوق الليرة لدفع سعر ما اكلنا وشربنا وضحكنا ، كان رجلنا ابن السبعين قد تناوش أخير الزقاق .

alialsoudani61@hotmail.com