أجمعت مصادر إعلامية وسياسية عربية وأميركية وإسرائيلية على ان وزير الخارجية الأميركي كولن باول يستعد لاطلاق مبادرة سياسية جديدة تجاه الشرق الأوسط الاسبوع المقبل. وكشفت بعض المصادر عن الخطوط الرئيسية لها. بيد ان الصياغة النهائية للمبادرة لم تنتهي بعد وفقا للمصادر.
قالت صحيفة "نيويورك تايمز" نقلا عن مسؤولين أميركيين كبار ان باول سيكشف الاسبوع المقبل عن استراتيجية أميركية جديدة من اجل وضع حد للنزاع في الشرق الاوسط واستئناف المفاوضات بهدف اقامة دولة فلسطينية.
واوضحت الصحيفة نفلا عن مصادرها في الحكومة الاميركية ان باول سيلقي كلمة امام الجمعية العامة للامم المتحدة الاثنين يدعو فيها إسرائيل والفلسطينيين الى القيام بخطوات ملموسة في اتجاه السلام من دون ان يعلن عن خطة ستتباين في مطلق الأحوال مع المواقف الاميركية السابقة حول هذه المسألة.
وتابعت المصادر ان باول سيحض إسرائيل على وقف حركة الاستيطان في المناطق الفلسطينية بعد إقرار وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات.
وسيكرر باول دعوته الى الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من اجل وقف العنف واعتقال الاشخاص الذين يشتبه في تورطها في عمليات ارهابية.
وتابعت "نيويورك تايمز" ان باول لن يدعو في المقابل إلى إعلان القدس مدينة مفتوحة واعتبارها عاصمة لاسرائيل وفلسطين.
من ناحيتها أكدت صحيفة "السفير" اللبنانية نقلا عن مراسلها في واشنطن على ما أوردت صحيفة "نيويورك تايمز".
وقالت "السفير" ان باول سيطلق مبادرته خلال خطاب سيلقيه في جامعة لويفيل في كينتاكي.
ونقلت الصحيفة عن مصادر اميركية قولها إن الخطاب سيتضمن مجموعة من المبادئ التي تعتبرها واشنطن أساسا للحل، وان بعض هذه المبادئ "لن يعجب أياً من الطرفين". ولكن المصادر أكدت ان "المبادرة ستكون منصفة للطرفين". ويأتي خطاب باول بعد مناقشات مكثفة ومناورات صعبة وبعد بروز تحفظات وضغوط من أوساط داخل الحكومة وخارجها تنصح بعدم قيام واشنطن، لأسباب داخلية وخارجية، بدور مكثف أكثر لحل النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
ولعل ما يوازي أهمية المبادرة ومضمونها، هو تأكيدات المسؤولين الأميركيين بالتحديد، انها لن تكون "خطوة معزولة" تعلنها واشنطن لتسجيل موقف، "بل مؤشر التزام ببذل مساع سياسية ثابتة ومستمرة لإيجاد التسوية المطلوبة".
وقالت المصادر إن صيغة المبادرة التي وضعت خطوطها الأولية قبل أسابيع، ما تزال تتغير "لأن الأمور تتغير على الأرض"، وكذلك في ضوء مواقف وأدوار السلطة الفلسطينية، وإسرائيل، وأطراف عربية مثل السعودية، ودور أنصار إسرائيل في الكونغرس. وتابعت ان الصيغة الأولى للمبادرة "تتضمن إشارة إلى مفهوم Shared Jerusalem "المشاركة في القدس"، ولكن ليس من المؤكد ان هذه الإشارة ستبقى في خطاب باول أم أنها حُذفت. وأكدت المصادر ان وقف الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية سيكون من بين المبادئ التي ستصر عليها واشنطن في مبادرتها الجديدة.
وتوقعت المصادر بعد خطاب باول، ان يقوم الوزير الأميركي بإيفاد مساعده لشؤون الشرق الأوسط السفير وليام بيرنز في جولة إلى المنطقة تشمل شرح المبادرة ومناقشتها مع الفلسطينيين وإسرائيل ومع قادة الدول العربية المعنية مباشرة بعملية السلام. وكان بيرنز قد أجّل جولة في المنطقة كان يعتزم القيام بها قبل أسابيع بسبب التأخر في الإعلان عن المبادرة.
وذكرت صحيفة "الواشنطن بوست" ان بيرنز قد يصطحب معه الجنرال المتقاعد انطوني زيني الذي عينه مستشارا غير متفرغ له.
كما كشفت المصادر أن حكومة بوش تعرضت لضغوط كبيرة من إسرائيل، وبالتحديد من أنصارها في الكونغرس الذين نسقوا جهودهم مع السفير الإسرائيلي في واشنطن زالمان شوفال، لخنق أي مبادرة أو التخفيف من قيمتها وأهميتها. كما كانت هناك تحفظات ومعارضة من بعض الأوساط الحكومية، وأبرزها من نائب الرئيس ديك تشيني، الذي نصح أولاً بتأجيل المبادرة، لكي لا تبدو واشنطن وكأنها "تكافئ" الإرهاب في هذا الوقت الحساس.
كما كانت هناك بعض التحفظات من بعض مستشاري وزير الدفاع دونالد رامسفيلد. وأشارت المصادر أيضا الى تحفظات من مصدر داخلي بالغ الأهمية، وهو مستشار الرئيس للشؤون الداخلية كارل روف، الذي نصح بوش أولا بعدم طرح مثل هذه المبادرة لأنها قد لا تحظى بدعم داخلي قوي. ولكن يبدو أن حقيقة ان
وزارة الخارجية قد شددت وبصوت واحد على ضرورة الإعلان عن مثل هذه المبادرة، وكونها حظيت بدعم من مستشارة الأمن القومي كونداليسا رايس، وبعض المسؤولين في المجلس الأمن القومي مثل المسؤول عن منطقة الشرق المتوسط في المجلس، بروس رايديل، قد أديا إلى إقناع بوش بأن الوقت مناسب الآن لمثل هذه المبادرة، التي كانت واشنطن تفكر فيها قبل تفجيرات نيويورك وواشنطن. وعلى الرغم من التأكيدات الأميركية العلنية أن واشنطن ستكثف دورها لحل النزاع، لأنها قررت ذلك، وليس بسبب ضغوط من أطراف عربية مثل السعودية، فإن المسؤولين يعترفون أيضا بأن الأصوات العربية القوية من السعودية ومصر والأردن، قد ساهمت في تشجيع بوش على اتخاذ هذه الخطوة.
إسرائيل
وفي إسرائيل فقد انشغلت الأوساط السياسية والاعلامية هناك بالأخبار عن مبادرة باول، ففيما اسهبت الصحف الإسرائيلية في تحليل المبادرة ومحاولة تسريب بعض التفاصيل عن "المبادرة". فقد بدأت الحكومة الإسرائيلية تحضير نفسها للرد على المبادرة او الالتفاف عليها كما افاد المحلل وديع ابو نصار لـ"البوابة".
الصحف الاسرائيلية اعتبرت المبادرة الاميركية عبارة عن ضغط اميركي للتوصل الى تسوية مؤقتة تدفع الوضع الى التهدئة، وتترك أمر التسوية الدائمة إلى "مفاوضات بطيئة في المستقبل". وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" الى ان باول أفصح عن اعتقاده بأن قبوله بمهلة "أسبوع التهدئة" في تقرير ميتشل، كان خطأ.
ونقلت صحيفة "هآرتس" عن مسؤولين أميركيين قولهم لزعيم المعارضة في الكنيست يوسي ساريد ووزير الثقافة الفلسطيني ياسر عبد ربه ان الإدارة الأميركية تضغط من أجل أن تتنازل إسرائيل عن مهلة "أسبوع التهدئة".
وأشار المراسل السياسي لصحيفة "يديعوت أحرونوت" شمعون شيفر، إلى أن باول اعترف بارتكابه خطأ عندما قبل مطلب رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون باشتراط تنفيذ تقرير ميتشل بتحقيق هدوء لسبعة أيام.
وقال باول ان مطلب شارون كان محقا من الناحية الظاهرية، ولكنه من الناحية العملية خلق وضعا يستحيل منه البدء بتنفيذ تقرير ميتشل وتفاهم تينيت.
وكانت "يديعوت أحرونوت" قد نشرت أمس الأول النقاط الأساسية في مسودة خطاب باول، وأشارت الى ان الذي تولى صياغتها هو اهارون ميلر الذي كان من أبرز أعضاء طاقم السلام الأميركي في عهد كلينتون. ويحمل خطاب باول اسم "تصور الشرق الأوسط"، وفيه النقاط الأساسية:
- تدعم الولايات المتحدة إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وتعيش الدولتان جنبا إلى جنب بصداقة وبحدود متفق عليها سوف تستند إلى قراري مجلس الأمن 242 و338.
- تدعو الولايات المتحدة إلى وضع حد للعنف والتحريض، واعتقال الأشخاص المطلوبين جراء تورطهم في هجمات إرهابية.
- تجد قضية القدس حلاً لها في سياق مفاوضات الوضع النهائي.
وتشير مصادر إسرائيلية إلى أن باول لن يتطرق في خطابه إلى الخطوط العامة التي صاغها كلينتون لحل مشكلة القدس.
- يتم الطلب من إسرائيل الوقف التام لجميع النشاطات الاستيطانية حال استئناف المفاوضات.
- ستتم الإشارة مجددا في خطاب باول إلى مبدأ الأرض مقابل السلام، وهو المبدأ الذي حكم مؤتمر مدريد.
وبالمقابل، قيل ليوسي ساريد وياسر عبد ربه في اجتماع مشترك عقداه مع كبار المسؤولين الأميركيين، ان الإدارة ستطلب من إسرائيل التنازل عن مطلب سبعة أيام من الهدوء المطلق كشرط لتنفيذ توصيات ميتشيل.
وقالت صحيفة "هآرتس" ان المسؤولين الأميركيين، وبينهم ريتشارد هاس؛ المسؤول عن التخطيط السياسي في وزارة الخارجية، وبيرنز، أوضحوا ان الإدارة الأميركية لن تنهمك حاليا في قضايا التسوية الدائمة، وانها ستحدد لنفسها هدفا مركزيا وهو تنفيذ تفاهم تينيت وتوصيات ميتشيل. أما التسوية الدائمة، فإن الإدارة الأميركية تنظر إليها على أنها قضية "مفاوضات بطيئة في المستقبل".
الموقف الرسمي الاسرائيلي
على الصعيد السياسي، افادت الانباء ان وزير الخارجية الاسرائيلي شمعون بيرز سوف يؤكد في خطاب سيلقيه الليلة امام الجمعية العامة للامم المتحدة على ان اغلبية القوى والاحزاب الاسرائيلية توافق على اقامة دولة فلسطينية.
وقالت الاذاعة الاسرائيلية ان اعلان بيرز هذا لا يحظى بدعم شارون. وقلل محللون من اهمية خطاب بيريز.
وقاد بنيامين نتنياهو تحركا مضادا لما سيعلنه بيريز واعتبر هذا الاعلان بمثابة "هدية للارهاب الفلسطيني".
وفي هذه الاثناء افادت مصادر في الامم المتحدة ان شارون سيقوم بزيارة الى الولايات المتحدة في الثالث من الشهر المقبل. وكان شارون قد اجل زيارته هذه عدة مرات. فيما اعتبر محاولة لمعرفة خطوط المبادرة الاميركية.
وفي سياق التحرك الاسرائيلي الرسمي في مواجه مبادرة باول، قال المحلل العربي وديع ابو نصار لـ"البوابة" "أن شارون تحدث اليوم عن إمكانية ان يدرس خفض المهلة التي يحددها التقرير الى يوم أو يومين، بمعنى أن إسرائيل تستبق أية مبادرة قادمة، بمواقف تهدف إلى تمييع هذه الخطط والمبادرات"—(البوابة)—(مصادر متعددة)