وعد الرئيس الاميركي جورج بوش بسياسة خارجية تحمل شعار "التواضع" لكنه سرعان ما وجد نفسه منطلقا بطريقة فوضوية ومثيرة للجدل في سياسة خارجية، يخشى ان تنحصر في الدفاع عن المصالح الأميركية بمعناها الضيق.
وبعد مرور 100 يوم على تسلم بوش مهامه الرئاسية فان السياسة الخارجية للادارة الجمهورية الجديدة ما زالت تبدو كمعركة تجري خلف أبواب موصدة، لا يمكن التكهن بنتائجها، بين "الصقور" المتشددين و"الحمائم" المعتدلين.
ولا يبدو الرأي العام الاميركي شديد التاثر بالانتقادات المتعددة الاتية من خلف الحدود حول التهديد بالانسحاب من البلقان والقول بعدم التدخل المباشر في الشرق الاوسط او حتى التوتر الذي تعددت اسبابه مع كل من الصين وروسيا.
وبحسب نتائج احصاء اجري مؤخرا فان 62% من الاميركيين اعلنوا عن رضاهم على اداء الرئيس الجديد في مجال السياسة الخارجية، ويعزى هذا الرضا بنسبة كبيرة منه الى طريقة ادارة بوش لازمة طائرة التجسس الاميركية مع الصين.
وكانت العودة المظفرة، التي حظيت بتغطية اعلامية واسعة جدا، لطاقم الطائرة الاميركية بدون ان تعمد واشنطن الى تقديم اعتذار رسمي بالطريقة التي طالبت بها الصين، قد ساهمت بشكل قوي في تظهير هذه الصورة الجميلة لدى الراي العام الداخلي.
لكن القرار غير المتوقع للرئيس بوش بالتراجع عن الالتزامات الاميركية في بروتوكول كيوتو حول انبعاث الغازات المسببة لارتفاع حرارة الارض، والذي اثار غضب وقلق الاوروبيين والعديد من الدول الاخرى حول العالم، وضع بعض الغشاوة على صورة الرئيس الاميركي عند شعبه.
وبحسب الاحصاء الذي نشرته صحيفة واشنطن بوست فان 47% فقط من الاميركيين اعربوا عن تاييدهم لموقف بوش في هذا المجال.
كما ان الاحداث العالمية لم توفر الرئيس بوش الذي كان قد وعد بعدم التدخل في الشرق الاوسط بنفس القدر الذي اشتهر به سلفه بيل كلينتون وتكلم على احتمال خفض الوجود العسكري الاميركي في دول البلقان.
فقد ادى تصاعد العنف بين الاسرائيليين والفلسطينيين في الشرق الاوسط وتجدد التوتر في مقدونيا وكوسوفو في البلقان الى ان يكون هدف الجولات الخارجية الاولى لوزير الخارجية كولن باول تبديد المخاوف من تراجع الولايات المتحدة عن التزاماتها في هاتين المنطقتين.
ويقول هيلموت سوننفلد المستشار السابق للرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون والمتخصص في شؤون السياسة الخارجية في مؤسسة بروكينغز ان "بوش كان يتمنى ان يتمكن مع الاختصاصيين المحيطين به من اجراء مراجعة دقيقة للسياسة الخارجية. لكن لا يمكن توقع ان يظل العالم هادئا حتى يتمكن الاميركيون من اعادة النظر في سياستهم الخارجية، فقد تطلبت الاحداث القيام بتحركات معينة".
وبعد ثلاثة اشهر من تسلم الرئيس بوش لمهامه ما زال حوار الطرشان على اشده بين وزارة الخارجية بقيادة كولن باول الذي ينعت بالبراغماتية من جهة وبين نائب الرئيس ديك تشيني والبنتاغون حيث وزير الدفاع دونالد رامسفلد المحافظ من جهة أخرى.
ويقول سوننفلد ان "غالبية مراكز التحليل السياسي هنا (في واشنطن) تعتبر ان باول شخصيا يواجه خلافات في مجال السياسة الخارجية مع كل من رامسفلد وتشيني".
ويعتقد المراقبون ان شرارة الازمة ستكون في التزام الولايات المتحدة بالقوات المتعددة الجنسية لحفظ السلام ودعم المنظمات متعددة الاطراف التي غالبا ما ينظر اليها المحافظون في واشنطن بعين الارتياب.
وتؤكد شانتال دي جونغ اودرات المتخصصة في الشؤون الدولية في مؤسسة كارنيغي انه "من المحتمل جدا ان نشهد صراعا بين باول وبين جماعة البنتاغون، الذين يؤيدون التسلط والقرارات المتفردة. عاجلا ام اجلا ستبدأ المساومات" بين الفريقين.
وتشير الى وجود "ميل ظاهر الى التفرد في القرار، ولكن حتى هذه الادارة عليها ان تدرك عاجلا ام اجلا انه لا يمكنها القيام بكل شيء بمفردها في عالم بات متداخلا اكثر فاكثر"—(أ.ف.ب)