بعد عامين على الانتفاضة وسبعة على اغتيال رابين

تاريخ النشر: 17 أكتوبر 2002 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

محمد عمر 

يعيد التاريخ نفسه مرة مأساة ومرة مهزلة.. والتاريخ العربي يكاد يكون خارج سياق التاريخ البشري إذ يكرر نفسه دائما بصورة مأساوية وعبثية. 

بعد عامين على الانتفاضة الفلسطينية، رغم كل الدمار الذي ألحق بالشعب الفلسطيني سياسيا واقتصاديا وثقافيا ومجتمعيا يتراجع "الواقعيون" ويتقدم "الاستشهاديون". 

بعد عامين من الانتفاضة، يتراجع الواقعيون ويصرخ دعاة العنف والقتل المجاني، اعطونا الفرصة، لقد أخذتم فرصة المفاوضات والسلام كاملة فاعطونا الفرصة للقتل لتحقيق "توازن الرعب". 

النتيجة، الأراضي الفلسطينية جزر مقطعة يحكمها "زعماء حرب محليون" صومال أخرى في قلب منطقة ملتهبة، أو على رأي السيد محمد دحلان "هم لديهم بلطجية ونحن أيضا لدينا عدد أكبر من البلطجية". 

بعد عامين من الانتفاضة، آلاف القتلى والجرحى والمعاقين والمشردين في العراء والمعتقلين والعاطلين عن العمل والجياع، الاقتصاد المنهار، المؤسسات المدمرة، القيادة المعزولة حتى عن وسطها العربي والإسلامي والعاجزة عن الخروج من "المقاطعة". 

بعد عامين من الانتفاضة، تتقدم إسرائيل في علاقاتها الدولية وتتراجع الأمم المتحدة عن قرارات سابقة، وتصبح قرارات الهيئة الدولية التي كان العرب يستطيعون إصدارها بلمحة عين إلى قرارات عزيزة تحتاج لمفاوضات شاقة تنتهي عادة بالفشل. 

بعد عامين من الانتفاضة، تصل العلاقات الإسرائيلية الأميركية إلى مستوى غير مسبوق في تاريخ العلاقات بين الدول. 

بعد عامين من الانتفاضة، تتراجع الخطوات الفعلية والجدية التي كانت أحدثتها اتفاقات أوسلو نحو تحقيق الحلم بالدولة ويصغر الحلم الفلسطيني إلى المطالبة برفع الحصار عن "المهد" أو "المقاطعة" أو الانسحاب من محيط هذا المخيم أو من مستديرة هذه المدينة. 

بعد عامين من الانتفاضة، زادت عملية الاستيطان، ونما عدد المستوطنين في الضفة الغربية، بل ازدادوا تطرفا وتمسكا وهمجية، وغض العالم النظر عن كل ما يقوم به المستوطنون. 

بعد عامين من الانتفاضة. 

لا يمكن بحال من الأحوال الإحاطة بكل نتائج الانتفاضة "الكارثية" على الشعب الفلسطيني وان تعدوها لا تحصوها، وبالطبع لا أحد يغفل عن مديح بطولة وصمود الشعب الفلسطيني.  

يقول "الاستشهاديون" ماذا فعلت سنوات أوسلو: استعادت أجزاء عزيزة من الأرض الفلسطينية وأعادت آلاف الأسر والعائلات والشباب إلى موطنهم، بنت بذرة مؤسسات الدولة، وإن كانت النخبة الفلسطينية لم تستفد وقامت على بناء سلطة فاسدة عجزت عن استغلال الفرصة التاريخية وهذا هو مقتل أوسلو وليس شيئا آخر. 

لقد أحدثت أوسلو شرخا في المجتمع الإسرائيلي وأحدثت هزة في النخب السياسية وتراجع الحلم الصهيوني بل لم يعد يفكر المواطن الإسرائيلي بالصهيونية، على حد تعبير بنيامين نتنياهو.  

لقد قتلت أوسلو رئيس وزراء سابق يصادف اليوم ذكرى سبع سنوات على اغتياله، وأسقطت خمس حكومات إسرائيلية حتى كاد المجتمع الإسرائيلي يصل نقطة لا يجد فيها زعيما تاريخيا واحدا قادرا على لملمة شتات الأحزاب. 

وتراجعت في ظل أوسلو الأوزان والتأثير النسبي للأحزاب الصهيونية، وتحديدا أحزاب اليمين وخاصة "الليكود" وتقدمت الأحزاب المطلبية على نمط حزب المهاجرين الروس، وتقدم اليمين الديني الذي لم يكن يوما في وارد خلط الدين بالسياسية لولا أن الانتفاضة دفعت بهؤلاء إلى ساحة العمل السياسي، بل ومنحتهم وسيلة ابتزاز جديدة لليسار الإسرائيلي العلماني. 

ماذا خسرت إسرائيل؟ 400 قتيل، ملياري دولار، الوهم العربي بان إسرائيل مجموعة "شذاذ آفاق جبناء" سيرحلون عند انفجار أول استشهادي هو ما يغذي نزعة "توازن الرعب على نمط التوازن الاستراتيجي". 

إسرائيل بعد أكثر من خمسين عاما، استطاعت بناء مجتمع متكامل واقتصاد قوي لن تهزه بعض المتفجرات تماما كما لم تسقط متفجرات الجيش الجمهوري الإيرلندي السري الحكومات البريطانية وكما لم تدفع متفجرات حركة الباسك الانفصالية الحكومة الإسبانية إعطاء الإقليم حكما ذاتيا. كما لم يدفع القتل والموت الأسود في الجزائر بحكومة إسلامية أو يدفع بأي حكومة إلى إعادة تنظيم انتخابات حقيقية جديدة. 

لقد حصدت أوسلو في عشر سنوات نتائج لم يحصدها النضال الفلسطيني في ثلاثين عاما، وسقطت حصيلة كل النضال الفلسطيني في عامين.  

في بداية الانتفاضة كتبنا عن صيرورة العبث، وليس بمستغرب ذلك عندما تكون ثقافتنا العربية قائمة على احدى الحسنين "النصر ام الشهادة".