صعوبة إقرار "العقوبات الذكية" من خلال مجلس الامن خاصة بعد تأكيد اكثر من دول عربية عدم موافقتها على هذه العقوبات، اجبرت لندن وواشنطن على الإفراج عن عقود طبية للعراق في محاولة لاقناع الدول المعنية بحسن نواياه تجاه العقوبات الجديدة.
افرجت الولايات المتحدة وبريطانيا عن عقود تبلغ قيمتها 10.48 ملايين دولار ابرمها العراق لاستيراد لقاحات بشرية، في محاولة لتسهيل المفاوضات المتوترة حول نظام العقوبات المفروض على بغداد.
وقال المكتب الذي يتولى ادارة برنامج "النفط مقابل الغذاء" ان لجنة العقوبات التابعة للامم المتحدة افرجت الاسبوع الماضي عن 69 عقدا تبلغ قيمتها 58.7 مليون دولار.
ومن بين هذه العقود، اربعة تتعلق بانواع عدة من اللقاحات البشرية، افرج عنها "شرط ان يشرف مراقبو الامم المتحدة في العراق على الوجهة النهائية لهذه المنتجات"، حسبما اضاف المكتب.
وتم تحريك هذه العقود بموافقة بريطانيا والولايات المتحدة المسؤولتين عن جميع العقود المعلقة تقريبا التي تقدر قيمتها حاليا بـ 3.17 مليار دولار.
واوضح المكتب نفسه ان الافراج عن هذه اللقاحات يشكل "مؤشرا على تزايد ثقة اللجنة في قدرة آلية المراقبة للامم المتحدة للتحقق من ان هذه المنتجات التي تسلم الى العراق في اطار البرنامج تستخدم للغايات التي تمت الموافقة عليها".
ويشكل التأكد من ان بغداد تحصل على منتجات وتكنولوجيا يمكن ان تستخدم عسكريا لب المفاوضات الجارية حول مشروع قرار ينهي حظرا مستمرا منذ حوالي احد عشر عاما على التجارة المدنية مع العراق.
وقد حدد المجلس مهلة حتى الثالث من تموز/يوليو لانهاء المفاوضات التي تشمل ثلاثة محاور هي القرار بحد ذاته ومراجعة لائحة السلع واجراءات التدقيق.
ويفترض ان تحل اللائحة محل الاجراءات المعقدة التي فرضت للتأكد من ان العراق لا يستورد منتجات "ذات استخدام مزدوج" في اطار برنامج "النفط مقابل الغذاء".
ويفترض الا تخضع البضائع غير المدرجة على هذه اللائحة لاي مراقبة. الا ان خلافا يدور بين الولايات المتحدة وروسيا حول حجم اللائحة.
ومثال على ذلك، من بين العقود الـ69 التي افرج عنها الاسبوع الماضي عقدان لقطاع الاتصالات يتعلقان بتجهيزات - تجهيزات الاشعة الدقيقة (مايكروويف)، تأمل الولايات المتحدة على الارجح مراجعة اي عقود مماثلة لهما في المستقبل.
وافرج ايضا عن خمسة عقود لقطاع التعليم و22 عقدا لقطع غيار للصناعة النفطية وعقود لرافعات وعربات نقل وانظمة ري اصرت روسيا على استثنائها من اللائحة.
وقال دبلوماسي امس الثلاثاء ان "المفاوضات على اللائحة صعبة جدا جدا ويبدو انها لن تؤدي الى نتيجة حتى الثالث من تموز/يوليو".
لكنه اضاف انه "ما زال التوصل الى اتفاق ممكنا مع ان ذلك يتطلب من الروس ووزارة الدفاع الاميركية بذل جهود كبيرة".
ويجري هذه المفاوضات التقنية خبراء من الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن الدولي (الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا والصين وفرنسا)، اكثر من دبلوماسيين.
وتتمتع كل من الدول الخميس بحق النقض (الفيتو) ضد اي قرار في المجلس، لذلك، رأى دبلوماسي ان "الكل يجمعون على انه اذا لم يتم التوصل الى اتفاق على اللائحة فلا معنى لاعتماد اي قرار".
ويفترض ان يعقد الخبراء الذي التقوا في باريس الاسبوع الماضي، اجتماعا في نيويورك في 26 حزيران/يونيو، سيكون الاخير على الارجح قبل الثالث من تموز/يوليو.
وقال دبلوماسيون في نيويورك ان هناك ثلاثة مواضيع خلاف حول مشروع القرار بحد ذاته، يتعلق كل منها بثلاث نقاط ايضا.
ويتعلق الموضوع الاول بالدول المجاورة للعراق. وتكمن الصعوبة في كيفية مراقبة النقل الجوي والحدود والتعويض على هذه الدول في حال نفذ العراق تهديده بحرمانها من النفط الرخيص الثمن بسبب مشاركتها في مراقبة الحدود.
اما الموضوع الرئيسي الثاني فيتعلق بالنتائج المالية للسماح للعراق بالتجارة بحرية.
وقد اعدت بريطانيا مشروع قرار يسمح للعراق باستيراد الخدمات والسلع لكنها تعارض اقتراحا فرنسيا بالسماح للشركات الاجنبية بالاستثمار في صناعة النفط العراقية حتى لا يتحول اي من رأس المال الى الحكومة العراقية.
والدول الخمس منقسمة ايضا حول المبلغ الذي يمكن السماح للعراق التصرف به خارج اطار الحساب الذي تصرف عليه الامم المتحدة وتودع فيه عائدات النفط العراقي، لدفع خدمات وسلع محلية.
وقال احد الدبلوماسيين انه، مهما كان الجدول الزمني الجديد، يجب ان يأخذ في عين الاعتبار التأثير الذي يمكن ان يسببه توقف العراق عن تسليم النفط الخام لمدة طويلة على سوق النفط العالمي.
وفي غياب حل في الافق فان "الناس بدأوا يتساءلون عما يمكن ان يحدث بعد تاريخ الثالث من تموز/يوليو" لكن الدبلوماسي يقول انه لا يمكن استبعاد التوصل الى حل وسط.
واشار ان "ذلك ما زال ممكنا. لكن يجب ان يبدي الروس ووزارة الدفاع الاميركية (البنتاغون) الكثير من المرونة".
ويقول الدبلوماسيون ان المهلة الفعلية تنتهي في 26 حزيران/يونيو لانه يفترض ان يلتقي الخبراء مجددا في ذلك التاريخ لوضع لائحة بالتجهيزات والمعدات "ذات الاستخدام المزدوج" التي سيمنع العراق من استيرادها بموجب نظام العقوبات الجديد المعروف بالعقوبات "الذكية".
وكان الخبراء التقوا في باريس الاسبوع الماضي وسيلتقون مجددا في نيويورك.
العراق: العرب ضد العقوبات
اكد نائب رئيس الوزراء ووزير المالية العراقي حكمت ابراهيم اليوم الاربعاء في عمان انه ما من دولة عربية عبرت حتى الان عن تاييدها لمشروع العقوبات "الذكية" على العراق الذي تسعى الولايات المتحدة وبريطانيا الى اقراره في مجلس الامن.
وقال ابراهيم في مؤتمر صحافي عقده في ختام جولة عربية قادته الى سوريا ومصر ثم الاردن، تعليقا على موقف الدول العربية من هذه العقوبات، انه على "المستوى الرسمي العربي، هناك من يؤكد بشكل واضح وقاطع رفضه لاستمرار الحصار على العراق ولاي صيغة جديدة تزيد من الاعباء على الشعب العراقي".
واضاف انه سمع هذا الموقف في جولته من "قادة الدول" التي زارها.
واشار المسؤول العراقي الى انه "على مستوى الدول الاخرى، لم نسمع حتى الان ان هناك دولة تؤيد هذا المشروع، حتى الكويت لم نسمع انها تؤيده" مضيفا ان "هناك اطرافا اخرى" لم يحددها "اعلنت انها ليست معنية بالموضوع وتقف موقفا محايدا".
واكد ابراهيم في المقابل ان العراق يعتمد "في المقام الاول على نفسه وعلى صمود شعبه" في مواجهة مشروع العقوبات الذكية الذي "يرفضه جملة وتفصيلا ولن يعود عن هذا الموقف".
وشدد وزير المالية العراقي من جهة اخرى على رفض بلاده لمشروع العقوبات الذكية وتوقع الا يتم اقراره في مجلس الامن "بسهولة" خاصة ان هذا المشروع "ولد ميتا" بسبب الرفض المتنامي له.
من جهة اخرى، اوضح المسؤول العراقي انه منذ بدء العمل عام 1996 بمذكرة التفاهم مع الامم المتحدة "النفط مقابل الغذاء"، لم يحصل العراق سوى على 4،11 مليار دولار من مبيعات نفطه التي بلغت اجمالا 44 مليار دولار، في حين حصلت الامم المتحدة على باقي المبلغ.
وتقوم الامم المتحدة من خلال هذه المبالغ بدفع تعويضات للاطراف المتضررة من الغزو العراقي للكويت عام 1990 او بتمويل نفقات وفود المنظمة الدولية الى العراق.
الأردن يؤكد رفضه
واكد رئيس الوزراء الاردني علي ابو الراغب على موقف الاردن الرافض لمبدأ العقوبات ضد العراق وان الاردن ابلغ الامم المتحدة بذلك حسب ما ذكرت وكالة الانباء الاردنية "بترا".
وذكرت الوكالة ان ابو الراغب اكد خلال استقباله نائب رئيس الوزراء العراقي وزير المالية حكمت ابراهيم "على موقف الاردن المعلن والرافض لمبدأ العقوبات ضد العراق وهو الموقف الذي نقل الى الامين العام للامم المتحدة (كوفي انان) والدول الاعضاء في مجلس الامن" الدولي.
لكن ابو الراغب اشار الى ان "هناك ظروفا سياسية واقتصادية خاصة بالاردن تجعل مساحات التحرك الاردني محكومة بهذه الظروف وبجملة من المعطيات ذات الابعاد العربية والاقليمية والدولية".
واوضحت الوكالة ان ابو الراغب تسلم من ابراهيم رسالة الى العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني من الرئيس العراقي صدام حسين تتعلق بموقف العراق من مشروع العقوبات "الذكية".
واضافت الوكالة ان الرسالة "اكدت على الموقف العراقي الرافض لهذه العقوبات التي تشكل في نظر العراق تهديدا لامنه وسلامة اراضيه ومعيشة مواطنيه".
كما اطلع ابراهيم رئيس الوزراء الاردني على الاتصالات العراقية حول مشروع العقوبات "الذكية" الذي تتم مناقشته طوال هذا الشهر في الامم المتحدة.
وقال ابراهيم ان "العقوبات الذكية المطروحة على مجلس الامن من قبل اميركا وبريطانيا تستهدف سيادة العراق وامواله وثروته وكرامته ولا بد بالتالي من رفضها جملة وتفصيلا لانها عبارة عن صيغة استعمارية جديدة".
كما ان ابو الراغب ابلغ ابراهيم ان "الترتيبات الاقتصادية المعمول بها بين الاردن والعراق يجب ان تستمر تحت اي ظرف".
وكانت عمان وقعت اتفاقية للتبادل التجاري مع بغداد في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي تصدر بموجبها خلال عام 2001 ما قيمته 450 مليون دولار من المنتجات الى العراق سنويا وتحصل في المقابل على خمسة ملايين طن من النفط العراقي، نصفه مجانا ونصفه الثاني باسعار تفضيلية.
وكان وزير الاعلام الاردني صالح القلاب قال في حديث لصحيفة "الرأي العام" الكويتية، ان الاردن "ابلغ مجلس الامن رسميا وعبر رسالة مكتوبة رفضه مشروع العقوبات الذكية الجديدة". واضاف "قلنا لهم ان هذه العقوبات سيكون مصيرها مصير العقوبات السابقة".
وقد ابلغ كل من الاردن ومصر وسوريا الامين العام للامم المتحدة كوفي انان خلال جولته الاخيرة رفضهم وضع نظام جديد للعقوبات—(البوابة)—(مصادر متعددة)