تزايدت الشكوك في مدى دقة التقارير التي قدمتها اجهزة الاستخبارات الاميركية والبريطانية حول اسلحة الدمار الشامل وقد اعترف مسؤول في الـ"سي.أي.اية" عدم امتلاك معلومات حول امان وجود هذه الاسلحة فيما كشف مسؤول في البنتاغون عن ان وكالة الاستخبارات لم تكون تملك ملعومات موثوقة واعرب بوش عن ثقته باجهزته الاستخبارية.
اعلن مدير وكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية (دي آي ايه) الاميرال لويل جاكوبي الجمعة انه لم يكن في امكان الوكالة تحديد مكان وجود وحدات انتاج الاسلحة الكيميائية في العراق في الخريف الماضي، الا انها لم تكن تشك في وجودها، بالاضافة الى وجود اسلحة اخرى من الطراز نفسه.
وقال بعد مشاركته في جلسة استماع برلمانية "لم يكن في امكاننا تحديد مكان وجود كل وحدات الانتاج المتخصصة ببرنامج اسلحة الدمار الشامل في العراق، لا سيما تلك المتعلقة بالاسلحة الكيميائية".
ووقف الى جانب جاكوبي القائد المدني للاستخبارات في وزارة الدفاع الاميركية ستيفن كامبوني.
وشارك في جلسة الاستماع الى جانب جاكوبي، كامبوني وممثلون عن وكالة الاستخبارات الاميركية (سي آي ايه) لم يكشف عن هويتهم، وتسعة اعضاء في مجلس الشيوخ، واعضاء في لجنة القوات المسلحة.
وكشف أمس مسؤول في وزارة الدفاع الاميركية "البنتاغون" ان وكالة الاستخبارات العسكرية الاميركية لم تكن تملك، قبل الحرب على العراق، "معلومات موثوقا بها" عن وجود اسلحة كيميائية او بيولوجية في هذا البلد.
وزادت الانباء عن التقرير السري لوكالة الاستخبارات العسكرية في ايلول/سبتمبر 2002 المزاعم عن ان البيت الابيض و"البنتاغون" حرفا معلومات الاستخبارات في شأن برنامج الاسلحة العراقية المحظورة لتبرير الحرب. ولم يعثر على مثل هذه الاسلحة منذ اطاحة الرئيس العراقي صدام حسين في نيسان، لكن الرئيس الاميركي جورج بوش قال مرارا انه يعتقد ان القوات الاميركية ستعثر عليها.
وتعليقا على التقرير صرح الناطق باسم مجلس الامن القومي مايك انطون ان اي اتهامات بأن الولايات المتحدة حرفت معلومات الاستخبارات هي "هراء".
وقال: " لم يحرف البيت الابيض ولا البنتاغون معلومات الاستخبارات (...) هذا التقرير يتفق مع تقويم مجتمع الاستخبارات ومع ما كان الرئيس يقوله ومع ما كانت الامم المتحدة تقوله ومع ما اعتقدته الحكومات الاجنبية وقدرته في شأن العراق".
وفي الفترة التي صدر فيها التقرير، ذهب وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفلد الى الكونغرس لحشد الدعم لاتهاماته بأن العراق يكدس اسلحة كيميائية وبيولوجية.
وافاد المسؤول الدفاعي ان التقرير الذي يقع في اكثر من 80 صفحة وسرّب ملخص له الى وسائل الاعلام الاميركية هذا الاسبوع، يوضح ان العراق قد تكون لديه اسلحة كيميائية وغيرها ولكن لا معلومات موثوق بها كافية لدعم هذا الامر تماما. وقال: "ما تحدثت عنه التقارير (الاعلامية) صحيح ولكن عليك ان تأخذه في اطار التقرير الكامل وهو سري". وأضاف ان "الاسلوب الذي يوجز به ينتمي الى فئة (نحن نعتقد انه يحدث... لكن ليس لدينا دليل مطلق)". وأشار الى انه حين غادر مفتشو الاسلحة الدوليون العراق عام ،1988 فقدت الولايات المتحدة القدرة على " رؤية الامور على الارض" وتحولت الى "وسائل استخبارات موثوق بها بدرجة اقل".
ورفض مدير وكالة الاستخبارات الاميركية جورج تينت التشكيك في تقارير وكالته. وقال في تصريحات جديدة ان وكالته لم تشكك مطلقا في وجود الاسلحة العراقية المحظورة. وقال ان التقييم الذي خلص اليه التقرير جاء في اطار عدم وجود مفتشي اسلحة دوليين في العراق انذاك.
بوش
واعلن رئيس الوزراء البرتغالي جوزيه مانويل دوراو باروسو الذي تحدث الجمعة عن مضمون لقاء مع الرئيس الاميركي، ان لدى جورج بوش "كامل الثقة" في تقارير اجهزة الاستخبارات التي اكدت ان العراق يمتلك اسلحة غير تقليدية.
واضاف باروسو في تصريح صحافي في ختام هذا اللقاء الذي عقد في البيت الابيض "بالتأكيد، ان من الصعب اظهار هذا النوع من الادلة الان". واوضح "لكن الرئيس بوش قال لي ان لديه كامل الثقة في تقارير اجهزة الاستخبارات التي تلقاها حول حيازة السلطات العراقية السابقة اسلحة دمار شامل".
واكد باروسو انه لا يعتقد ان وجود هذه الاسلحة كان السبب الاساسي للحرب التي وصفها بأنها "نجاح للسلام والديموقراطية".
وقال "لا اعتقد اننا كنا نحتاج الى تبرير كهذا لشن الحرب. والمقابر الجماعية التي اكتشفت بعد تدخل الحلفاء هي بحد ذاتها مبرر للحرب".
واوضح ان سقوط الرئيس العراقي صدام حسين "كان امرا مفيدا للسلام في المنطقة والعالم".
لكن دوراو اعرب عن الامل في العثور على الاسلحة "خدمة للتاريخ والموضوعية والحقيقة".
واضاف انه ساند شن الحرب "لأسباب اخلاقية". وقال "اذا ما اندلعت حرب بين الولايات المتحدة الاميركية الحليف القريب والديموقراطية الكبيرة، ونظام كنظام صدام (حسين) لن نقف على الحياد، سنقف الى الجانب الجيد، والجانب الجيد هو الديموقراطيات ضد هذا النوع من الديكتاتورية".
خبراء التفتيش
وعاد فريق من سبعة خبراء تابعين للوكالة الدولية للطاقة الذرية الى العراق أمس، لكنهم قالوا ان دورهم ليس البحث عن اي اسلحة وانما التحري عن احتمال حدوث اي تلوث اشعاعي بسبب نهب منشأة التويثة.
وعقدت لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الاميركي جلسة استماع مغلقة تركزت على الجهود الاولية للقوات الاميركية للعثور على الاسلحة ودور "مجموعة مسح العراق" الجديدة في المحاولة العقيمة حتى الان للعثور على الاسلحة الكيميائية والبيولوجية. وستضم هذه المجموعة نحو 1400 شخص من الولايات المتحدة وبريطانيا واوستراليا.
وكان رئيس لجنة الامم المتحدة للمراقبة والتحقق والتفتيش للاسلحة العراقية " أنموفيك" هانس بليكس ومفتشان دوليان ومجلة "الايكونوميست" البريطانية العريقة انضموا الى المشككين في المبرر الاول الذي قدمه كل من الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء البريطاني طوني بلير لشن الحرب على العراق.
انضم امس رئيس لجنة الامم المتحدة للمراقبة والتحقق والتفتيش للاسلحة العراقية "انموفيك" هانس بليكس ومفتشان دوليان ومجلة "الايكونوميست" البريطانية العريقة الى المشككين في المبرر الاول الذي قدمه كل من الرئيس الاميركي جورج بوش ورئيس الوزراء طوني بلير لشن الحرب على العراق، اي حيازة النظام العراقي اسلحة دمار شامل.
بليكس
وقال بليكس في تصريح لهيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي" ان "مشاعر القلق المتعلقة بالأسلحة البيولوجية او الكيميائية (التي قد تكون في حوزة بغداد) كانت حقيقية، ولكن كانت ثمة مبررات اخرى (...) وهذا ما يدفعنا الى التساؤل عن الاهمية الحقيقية لمسألة الاسلحة "في قرار شن الحرب، واوضح وزير الخارجية الاسوجي السابق انه "حدث بالطبع تباين في تصريحات العراقيين اكثر من مرة في شأن وجود هذه الاسلحة، لكننا لم نتسرع في استنتاج وجود هذه الاسلحة، لقد بقينا حذرين حيال هذه المسألة حتى لو توصل كثيرون الى نتائج متسرعة". واضاف:"لم يكن سراً ان القوات المسلحة العراقية ضعفت كثيراً بفعل حرب الخليج الاولى وضعفت اكثر بعد ذلك بعشر سنين".
وفي محاولة لتبرير قلة تعاون نظام بغداد في عملية التفتيش، عزا بليكس ذلك الى احتمال "الاعتزاز المفرط" بالنفس لصدام حسين "الذي كان يعتبر نفسه امبراطوراً لبلاد ما بين النهرين". وقال: "الاعتزاز مبرر محتمل لعرقلة بغداد عمليات التفتيش في 1998 لان المفتشين كانوا يتجاوزون قليلاً مهمتهم"، فضلاً عن ان "صدام حسين ارتكب خطأ في التقدير عندما ظن انه لن يحصل هجوم بسبب نزول آلاف المتظاهرين الى شوارع لندن ونيويورك" وبقية انحاء العالم.
بيتر فرانك
واتهم المفتش الالماني بيتر فرانك احد اعضاء فريق "انموفيك" السلطات الاميركية بتقديم ادلة زائفة ضد النظام العــراقي. وقــال في حديــث الى مجلة "در شبيغل" الألمانية ان وزير الخارجية الاميركي كولن باول لم يقــدم دليلاً صادقاً الى مجلس الامن في خطابه الشهير في 5 شباط. واكد ان "ذلك كله كان خدعة كبيرة (...) من حيث المبدأ، كان ذلك عرضاً للشعــب الاميــركي". وذكر بأن باول استخدم صورة الاقمار الاصطناعية في محاولة لاظهار شاحنات ازالة التلوث التي كانت تقف امـام خندق للذخيــرة كدليــل على ان العــراق كان يقــوم بتجربة للاسلحة الكيميائية هناك. الا ان زيارة قام بها المفتشون للموقع اثبتت ان الشاحنات كانت عربات اطفاء. واضاف ان "ما قاله باول لم يكن حقيقياً".
سكوت ريتر
اما المفتش الاميركي في اللجنة الخاصة السابقة للامم المتحدة المكلفة ازالة اسلحة الدمار الشامل العراقية "اونسكوم" سكوت ريتر، فاعتبر في مقابلة مع صحيفة "لو تان" ان على الولايات المتحدة وبريطانيا ان تعترفا بأنهما كذبتا عندما ادعتا ان العراق كان يمتلك اسلحة محظورة. ودعا بوش وبلير "الى التحلي بالشجاعة وتحمل مسؤوليتهما"، ملاحظاً انه "اذا كانت (الحرب) حملة نبيلة لتخليص العالم من ديكتاتور مجنون، فينبغي ان يعترف (الزعيمان) بذلك". وشدد على انه لم يكن في امكان صدام حسين تدمير كل ترسانته من اسلحة الدمار الشامل المحتملة" من غير ان يخلف آثاراً لذلك (...) لم يقدم (وزير الدفاع الاميركي دونالد) رامسفلد اي دليل على احتمال تدمير (تلك الاسلحة) كما لم يقدم اطلاقاً اي دليل يذكر على وجود تلك الاسلحة".
وكان ريتر رأس فريق المفتشين من 1991 الى .1998 وهو عمل ضابطاً في الاستخبارات في قوات مشاة البحرية الاميركية "المارينز".
وكان مسؤولو الامم المتحدة يطلقون عليه لقب "كاوبوي" او راعي البقر لاتباعه اسلوب اقتحام المواقع العراقية لتفتيشها.
"الايكونوميست"
وفي لندن، تساءلت "الايكونوميست" في عددها الاخير هل كذب بلير في موضوع الاسلحة المزعومة، والتي لم يعثر عليها حتى الآن بعد شهرين من سقوط بغداد؟ ولم تذهب الى حد وصف بلير الذي يتعرض لحملات من مختلف الجهات بالكاذب، لكن مجرد طرح السؤال يعتبر امراً استثنائياً وخصوصاً من مجلة محترمة، الامر الذي يظهر ما اصاب بلير من فقدان للصدقية. وجاء في مقالها الافتتاحي: "في اي مسيرة سياسية، ثمة لحظة يتساءل فيها الناس ويقولون عندما ينظرون خلفهم: هنا بدأت الامور تسير بشكل سيئ (...) هل حانت هذه اللحظة بالنسبة الى بلير؟". وقالت ان الضحية الاولى للتلاعبات والمبالغات من "داونينغ ستريت"، مقر رئاسة الوزراء البريطانية، في الملف العراقي قد تكون عملة الاورو التي يتعين على لندن ان تقرر ما اذا كانت ستنضم اليها.
ونقلت الـ"بي بي سي" عن "مصدر قريب من اجهزة الاستخبارات" البريطانية ان المحيطين برئيس الوزراء البريطاني واحياناً بلير نفسه طلبوا "ستاً او ثماني مرات" من اجهزة الاستخبارات اعادة كتابة الملف العراقي—(البوابة)—(مصادر متعددة)