في اكثر تصريحاته انحيازا لاسرائيل تبنى الرئيس الاميركي امس مواقف شارون جملة وتفصيلا، فقد هاجم عرفات بشدة وطالبه بوقف "العنف" فورا، مؤكدا "لا مفاوضات تحت الارهاب" وامتنع عن انتقاد عمليات القتل والتوغل الإسرائيلي مهددا بمقاطعة مؤتمر "دوربان"، واجبرت فلسطين على سحب مشروع القرار من مجلس الامن، وتشجع وزير الحرب الإسرائيلي على مواصلة تهديداته، والغى بيريز اجتماعه بعرفات.
بعد يوم واحد من انتهاء مؤتمر وزراء الخارجية العرب ، الذي اجمع المحللون على عجزه وفشله في تقديم الدعم للفلسطينيين، اعلن الرئيس الأميركي صراحة عن مواقف الولايات المتحدة الاميركية ازاء الانتفاضة الفلسطينية متبنيا بالكامل وجهة نظر الحكومة الاسرائيلية بزعامة ارييل شارون.
فقدطلب الرئيس الاميركي جورج بوش بلهجة حاسمة من عرفات وقف المواجهات قبل اجراء اي مفاوضات مع اسرائيل.
وقال بوش خلال مؤتمر صحافي عقده في مزرعته في كراوفورد من ولاية تكساس ان "إسرائيل اعلنت بوضوح انها لن تجري مفاوضات تحت التهديد الارهابي. ان الامر في غاية البساطة (...) اذا كان عرفات مهتما باجراء مفاوضات، فانا اشدد عليه كثيرا اذاً لكي يقوم بأي عمل من اجل ان يوقف الارهابيون الفلسطينيون عملياتهم الانتحارية والهجمات والتهديدات (...) اعتقد ان في امكان عرفات ان يفعل اكثر من ذلك". واضاف: "اذا كانوا مهتمين كثيرا باجراء حوار فعليهم القيام بكل ما في وسعهم لوضع حد لهذا النشاط الارهابي الذي تصاعد في الاشهر الاخيرة". وجدد دعمه لتوصيات اللجنة الدولية لتقصي الحقائق برئاسة السناتور الاميركي السابق جورج ميتشل، ملاحظا انه "اذا لم يتوقف العنف كليا فيجب على الاقل بذل جهود مئة في المئة للتوصل الى هذا الوقف. لم نر بعد هذه الجهود الكلية".
وسئل عن التوغل الاسرائيلي ليل الخميس في الخليل التي تقع تحت السيطرة الفلسطينية، فكرر الاعراب عن امله في ان "يضبط الاسرائيليون النفس على كل الجبهات". وشدد على ان اي حوار "يتطلب ان تكون هناك رغبة من جميع المشاركين فيه. يجب ان يتخذوا قرارا".
وجدد بوش تهديده بمقاطعة مؤتمر الأمم المتحدة حول مكافحة العنصرية الذي سينعقد في نهاية الشهر الجاري في دوربان في جنوب أفريقيا، إذا واصلت الدول العربية والاسلامية "التحامل على إسرائيل" او محاولة مساواة "الصهيونية بالعنصرية".
وأضاف بوش خلل مؤتمره الصحفي، ان حكومته ستقاطع مؤتمر دوربان إذا استخدم "كوسيلة لعزل صديقتنا وحليفتنا القوية" (إسرائيل)، مشيرا الى ان الوزير كولن باول يعمل بجهد لمعالجة هذه القضية. وأضاف بوش انه شرح لرئيس جمهورية أفريقيا الجنوبية ثابو امبيكي الموقف الأميركي. وأشار بوش الى ان القضية الأخرى التي أثارت الاعتراضات الأميركية على المؤتمر، أي مسألة التعويض عن آثار العبودية، قد تم حلها، وتابع "ولكن السؤال الجوهري هو هل ستعامل إسرائيل باحترام في المؤتمر؟ وإذا كان الجواب لا عندها سنقيّم الوضع قبل بدء المؤتمر. وأنا أعرف ما هو موقف حكومتنا. وهو اننا لن نشارك في مؤتمر يحاول عزل وتحقير إسرائيل".
ولم يحدد بوش الوقت الذي ستعلن فيه واشنطن عن موقفها النهائي من المؤتمر. وكانت المنظمات الأميركية المعنية بالحقوق المدنية والتي تشمل جميع منظمات الأميركيين من اصل أفريقي قد حثت البيت الأبيض على إرسال وفد رفيع المستوى بقيادة الوزير باول للمشاركة في مؤتمر دوربان. ويواصل المسؤولون في وزارة الخارجية دراسة مستوى المشاركة الأميركية في المؤتمر.
فلسطين تسحب مشروعها من مجلس الامن
وتحت الضغط الاميركي باستخدام الفيتو وبسبب الانقسام بين اعضاء مجلس الامن وخاصة دول عدم الانحياز سحب الفلسطينيون مشروع قرارهم في الأمم المتحدة بسبب تهديد أميركي باستخدام حق النقض وعدم وجود تأييد كامل في مجلس الأمن.
وأوضحت الولايات المتحدة بجلاء انها ستستخدم حق النقض مثلما فعلت في آذار/مارس الماضي ضد المشروع الفلسطيني الذي تؤيده حوالي خمس من الدول الأعضاء في مجلس الأمن. وأشار أعضاء كثيرون آخرون بالمجلس الى انهم لن يؤيدوا مشروعا من شأنه ان يفشل.
وفي محاولة للوصول الى حل وسط صاغت بريطانيا والنروج بيانا وصفه مؤيدو الفلسطينيين بأنه غير كاف. وقال دبلوماسيون ان هذا الوضع اصاب المجلس بالجمود وان من غير المتوقع القيام بأي اجراء في المستقبل القريب.
وقال المراقب الفلسطيني في الأمم المتحدة ناصر القدوة للصحافيين بعد مشاورات المجلس "لم يتسنّ مرة أخرى التوصل الى نص معقول". وأضاف "أصبح واضحا ان طرح مشروع قرارنا للتصويت في مجلس الأمن لن يحقق نتيجة افضل من نتيجة تصويت آذار(مارس)" وتابع "وعليه اوضحنا لأصدقائنا ان من المناسب اكثر عدم المضي فورا في طرح مشروع قرار" لكنه وعد بالعودة الى مجلس الأمن في المستقبل.
وكانت فرنسا قد اعربت عن معارضتها بطريقة غير مباشرة لمشروع البيان الرئاسي الذي تقدمت به بريطانيا.
وقال الناطق باسم الخارجية الفرنسية فرانسوا ريفاسو "همنا الحفاظ على المكتسبات التي تحققت في الاسابيع الاخيرة، لا سيما تقرير لجنة ميتشل، فأي مشروع في مجلس الأمن سواء كان قراراً او بيانا رئاسيا يجب ان يكون متوازنا، وما يمكن القول الآن ان بريطانيا تقدمت بمشروع بيان رئاسي والاتصالات متواصلة".
وأضاف "نلاحظ ان الولايات المتحدة لا تريد صدور قرار في هذا الصدد من مجلس الأمن، وتوافق فقط على بيان رئاسي، وهذا يتطلب بالطبع إجماعا داخل المجلس". وتابع "ان ما يهمنا هو المضمون والجوهر اكثر من الشكل، بعبارات اخرى، نحن نسعى الى الاتفاق حول المكتسبات التي تحققت في مجلس الأمن وفي مسيرة السلام، وعلى الارض، والاجراءات العاجلة المطلوب اتخاذها".
وأفادت مصادر مطلعة في باريس ان مشروع البيان الرئاسي هو "دون المستوى المطلوب"، ويهدف الى محاولة استقطاب الولايات المتحدة وإقناعها باتخاذ موقف موحد داخل المجلس ولو في حده الادنى.
إسرائيل تواصل التهديد
ومتشجعا بالموقف الاميركي ابلغ وزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر الى التلفزيون الاسرائيلي ، ان التوغل في الخليل يثبت ان اسرائيل "لم تعد مستعدة لضبط النفس ولكنها ستواصل القول ليل نهار للفلسطينيين عودوا الى طاولة المفاوضات".
واوضح ان الجيش الاسرائيلي "لا ينوي اطلاقا احتلال حي ابو سنينة" في الخليل الذي اقتحمه بضع ساعات ليل الخميس.
وقال انه "ينبغي ان يعرف الفلسطينيون اننا لن نبقى مكتوفين عندما يطلقون علينا الرصاص او يرسلون انتحاريين".
كذلك صرح قائد القوات الاسرائيلية المنتشرة في الضفة الغربية الجنرال غيرشون اسحق في مقابلة تلفزيونية انه اذا استمر اطلاق النار في اتجاه المنازل اليهودية "فلن يكون امام الجيش خيار سوى احتلال قطاعات" فلسطينية.
وفي خطوة اسرائيلي متشددة اخرى، الغى او اجل وزير الخارجية الاسرائيلي الاجتماع بالرئيس الفلسطيني الذي كان مقرارا عقده في المانيا وفقا لوساطة يوشيكا فيشر وزير الخارجية الالماني.
وكشف الناطق باسم السفارة الاسرائيلية في برلين يوفال فوتش ان "معلوماتنا ان بيريس لن يأتي" الى المانيا.
وكان بيريس قال للتلفزيون الاسرائيلي الخميس انه يفضل لقاء عرفات في مكان ما في الشرق الاوسط.
وصرح المستشار الالماني غيرهارد شرودر لمحطة تلفزيون المانية: "اننا مضيفون جيدون، لكن الامر اكثر اهمية من المكان (...) الاكثر اهمية ان يكون الطرفان مستعدين للتحدث واحدهما مع الآخر". وذكّر بـ"الدور الاكثر اهمية" الذي تضطلع به واشنطن في المنطقة.
وليلاً بثت القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي ان بيريس يريد تأجيل اللقاء وعرفات وانه يرى ان فرص التوصل الى اتفاق ضعيفة جداً في مناخ العنف السائد حالياً.
من ناحيته، قال عرفات الذي اجتمع مع الرئيس الصيني جيانغ زيمين في بيجينغ: "نحن مستعدون (لاجراء مفاوضات) في كل وقت، لكنه يرفضون كما تعلمون". وهاجم اسرائيل لرفضها تنفيذ توصيات تقرير ميتشل.
والى جيانغ، التقى عرفات رئيس مؤتمر الشعب الوطني لي بنغ.
ونقل التلفزيون الصيني عن جيانغ لدى استقباله الزعيم الفلسطيني "ان الشعب الصيني سيكون دوماً الصديق الحقيقي للبلدان العربية ولا سيما الشعب الفلسطيني. سنواصل دعم الكفاح العادل للفلسطينيين من اجل حقوقهم المشروعة". وجدد دعم بيجينغ "مساعي الاسرة الدولية لتسوية النزاع سلمياً" ونشر مراقبين دوليين في الشرق الاوسط وهو ما يطالب به الفلسطينيون وترفضه اسرائيل. وكان مقرراً ان يلتقي عرفات لاحقاً سفراء الدول العربية المعتمدين لدى بيجينغ قبل ان يتوجه الى هانوي ومنها الى ماليزيا.
الأردن يشدد على المراقبين
وفي لندن تحدث العاهل الاردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين الى هيئة الاذاعة البريطانية "بي بي سي"، فقال ان "احتمال اتساع نطاق العنف وتحول الخلاف الاسرائيلي - الفلسطيني نزاعاً عربياً - اسرائيلياً لا يزال قائماً". ورأى ان فرص عودة الجانبين الى محادثاتهما من دون تدخل خارجي ضئيلة، معرباً عن تأييده لارسال مراقبين الى الاراضي الفلسطينية المحتلة. وأضاف: "لنرَ ما اذا كان في امكان مراقبين دوليين ان يفعلوا شيئاً ما، لان ذلك يمثل حالياً الحل الوحيد المطروح" للتوصل الى وقف دائم للنار. واعتبر ان هذا الحل يمثل "افضل أمل للسلام في الشرق الأوسط". وأكد انه لا يعتزم قطع علاقاته الديبلوماسية مع اسرائيل، مشيراً الى ان الفلسطينيين الذين يعيشون في الاردن لا يطالبون بذلك، وحتى "عرفات لا يريد" ذلك.
باريس: العنف لا يأتي بنتائج
من ناحيته، قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك خلال اتصال هاتفي برئيس الوزراء الاسرائيلي أرييل شارون ان "المواجهة (في الشرق الأوسط) لا تؤدي الى أي نتيجة".
وصرحت الناطقة باسم الرئاسة الفرنسية كاترين كولونا ان شيراك اكد لشارون انه "يدعم تماماً المبادرة الاخيرة" لفيشر وانه اعرب عن أمله في ان "تنجح هذه (المبادرة) في اعادة الاتصالات السياسية" بين الجانبين. وأوضحت ان شارون هو الذي اتصل بشيراك "للبحث في الوضع في الشرق الأوسط" و"عرض له سياسة حكومته"، وان الاتصال استغرق 30 دقيقة.
موسكو تندد بالتوغل الإسرائيلي
في موسكو نددت وزارة الخارجية الروسية بعمليات توغل الجيش الاسرائيلي داخل الاراضي الفلسطينية، وقالت ان مثل هذه العمليات لا تؤدي الا الى "تعقيد الوضع بشكل إضافي". وشددت على "وجوب القيام بعمل محدد لوضع حد للاعمال الاجرامية للمتشددين. ولكن لا يمكن لذلك استخدام اجراءات غير متناسبة ووسائل ضغط تؤدي الى معاناة أشخاص ابرياء"—(البوابة)—(مصادر متعددة)
