بيت الفلسطيني

منشور 04 نيسان / أبريل 2001 - 02:00

الشاعر اللبناني عباس بيضون  

 

لم يحتجّ كثيرون على حرمان الفلسطينيين المقيمين في لبنان من حقوق الاجانب في التملك. مسألة كهذه لم تجد من يتبناها. انها لا تمس سوى الفلسطيني، والفلسطيني اليوم ليس عنصرا في أي من التركيبات الداخلية. ليس طرفا في تحالف ولا شبكة مصالح ولا قوة ضغط من أي نوع طائفي أو سياسي أو اقتصادي. انه بلا صوت خاص ولا ثقل. وليس في لبنان صوت للحق ولا دعوى حق من دون صاحب مصلحة. ليس في لبنان انتصار مجاني لمبدأ بحت ولا مبادئ تتعدى المصالح. شيء كهذا ننتظره من المثقفين. لكن المثقفين أيضا في لبنان لا يعملون بلا حوافز مباشرة. هكذا لا يأبهون للتمييز اللوني والعرقي والجنسي كثيرا، فهذا ترف. وهذا كثير عليهم في دنياهم الملأى بالمصاعب والمشاكل. لا يهتم المثقفون كثيرا بما لا حصاد ولا مردود له، شأنهم شأن بقية الناس. لكن المسألة تبقى مع ذلك مسألة مثقفين. مسألة أن توجد مبادئ لذاتها وحقوق لذاتها، وان ننتنصر للأقل قوة وفاعلية، وان نحترم البشر كبشر.  

لنعد الى الفلسطينيين. ننسى أنهم كانوا في يوم طرفا أساسيا في الصراع. لقد خرجوا منه لذا لا حساب لهم في الصلح ولا في التسوية ولا في السلم. إنهم الجزء المظلم من نسياننا الجماعي، او الجزء الباقي المعلن من كراهيتنا. يمكنك بعد أن تكره الفلسطينيين بلا حساب أو تحاسب الفلسطينيين وحدهم، وان تخرجهم وحدهم من العفو، وان تعاملهم معاملة العدو وتعاقبهم وحدهم على ما سلف منهم ومنك.  

ذلك أن الفلسطينيين مجبرون على أن يكونوا <<سيرك>> الحرب الباقي ومهزلتها الدائمة. وحدهم يسمح لهم ورغما عنهم بالسلاح ولا يسمح لهم بالعمل أو التملك أو الخبز. يسمح لهم بأن يقتتلوا ويغتالوا بعضهم، ولا يسمح لهم بالعيش. يسمح لهم بالغيتو ويحرمون من أي امتياز آخر. يسمح لهم بأن يبقوا خرابة من خرابات الحرب، او اسكتشا حربيا دائما يتفرج عليه الآخرون ويتابعون حربهم فيه. المهزومون يجدون هنا فرصة لينتصروا. أهل الحزازات يجدون هنا فرصة لينتقموا. أهل التعصب يجدون هنا فرصة ليمارسوا تعصبهم. أهل التمييز يجدون هنا فرصة ليتابعوا تمييزهم.  

أهم من ذلك، الفلسطينيون هم فرصتنا الوحيدة تقريبا للتكفير والتطهر والتعويض. الطائفيون يستطيعون مع الفلسطينيين وحدهم أن يكونوا كذلك من دون لوم، أما كارهو العرب فيستطيعون أن يكونوا كذلك فقط مع الفلسطينيين، أصحاب النعرات يستطيعون أن يعيشوها على مداها مع الفلسطينيين فحسب. وأكثر من ذلك الخجلون بما اضطرتهم اليه ظروف وحسابات يستطيعون مع الفلسطينيين وحدهم أن يعوضوا عن خجلهم أو ينتقموا له.  

مع ذلك ننتصر للانتفاضة. نهتف لفلسطينيي الداخل، نغني لمحمد الدرة ولا نريد بالضبط أن ننظر إلى 250 ألفا محاصرين في سيرك أو غابة، وليس أمامهم الا اليأس المطلق والأمل الضئيل بالخروج، ليس إلى فلسطين ولكن إلى الدانمرك أو السويد أو كندا أو أي مكان في العالم. ألا نخاف من اليأس. ألم يكن أحد أبواب الحرب اللبنانية؟  

لم أكن في يوم نصيرا لقيادات الثورة الفلسطينية، لكنني أعرف أن الفلسطيني ليس فقط المحارب. إن المحارب الفعلي هجر، ومن بقي هنا من المسلحين هم دمى الحرب وصورها المتحركة، من بقوا هنا هم الذين ولدوا هنا وليس لهم ذاكرة في أي مكان آخر. من بقوا هنا هم الذين لا يعرفون سوى هذه الأرض وهذا الشعب، وانهم أفواه تأكل وبشر يحتاجون إلى خبز والى مأوى. فكيف يمكننا، وباسم أي وطنية وأي شعار، أن نتركهم يعيشون من دون أي حق في الهواء الذي يتنفسونه والفراش الذي يرقدون فيه.  

لا تتعللوا بالتوطين. افتحوا لهم الباب ولن يبقى أحد هنا. لن يبقى إلا من لا مستقبل له سوى الموت. لا تخافوا، لن يتأخروا لحظة عن الخروج والهرب، لكنه درس في الكراهية لا يقوم عليه وطن. درس في العداء لا يبشر بسلم. 

* عن صحيفة "السفير" اللبنانية. 

مواضيع ممكن أن تعجبك