دمشق – نبيل الملحم
بين قبر السيدة رقية، وقبر الخليفة معاوية ذراع واحد.. ذراع تقطعه مشياً بين أزقة دمشق القديمة، حيث البيوت تتداخل بالبيوت، لتخفي وراء الطين أسرار اقدم مدينة مسكونة في التاريخ.
أسرار أمجاد ومآس، ومؤامرات واقتتالات، و(بسطة) تحدد في النهاية اتجاهات مدينة لا تعرف عن تاريخها السياسي ما يرقى إلى ابعد من آلف عام قبل الميلاد يوم كانت عاصمة دولة صغيرة للآراميين.
قبل عشرين عاما، كان قبر رقية، مجرد مزار صغير، يزوره شيعة سوريا الذين يمثلون 1% من العدد الإجمالي لسكان سوريا.. كان قبرا منسياً لسيدة منسية، مختبئاً وراء الخوف وقوة الاسرار، ومع نهوض آية الله الخميني، وامتداد الثورة الإسلامية الإيرانية، ابتدأ يرتفع قبراً حجراً فوق حجر، حتى كاد أن يصبح الآن إنجازا معمارياً فخماً يدخله آلاف الحجاج القادمين من لبنان وإيران وسوريا، وليس مدهشاً ان ترى في الداخل جنسيات إسلامية أخرى تنتمي إلى آسيا الوسطى بموزاييكها العرقي الواسع، وليس مدهشاً أيضا أن ترى داخل جامع رقية أوروبيون يقفون بكل الاندهاش وهم يتطلعون إلى مشهد تبدو فيه الأحزان سيدة اللحظة، فيما يرتفع العويل خارج الأسوار، لان (دم آل البيت) مازال طازجاً، ولان ورثة آل البيت مازالوا يحتكمون للتاريخ.
في صدر الجامع تقرأ لوحة كبيرة، هي قصة التراجيديا الكبرى.. تراجيديا الحسين، وهذه هي الحكاية: "كان للحسين بنت صغيرة، كانت تسمى رقية، وكان لها ثلاث سنين وهي مع الإسراء في الشام، وكانت تبكي لفراق أبيها ليل نهار، كانوا يقولون لها أن أباها في السفر، فرأته ليلة في النوم، فلما انتبهت جزعت جزعاً شديداً وقالت : آتوني بابي وقرة عيني .. فاخذوا بالبكاء ولطموا الخدود وحثوا على رؤوسهم التراب ونشروا الشعور وقام الصباح، فسمع يزيد صيحتهم وبكاءهم فقال ما الخبر؟! قيل له : إن بنت الحسين عليه السلام رأت أباها في نومها، فانبهت وهي تطلبه وتبكي وتصيح، فلما سمع يزيد ذلك قال : ارفعوا إليها رأس أبيها وحطوه بين يديها تتسلى، فاتوا بالرأس في طبق مغطى بمنديل ووضعوه بين يديها فقالت ما هذا ؟! اني طلبت ابي ولم اطلب الطعام، فقالوا ان هنا اباك، فرفعت المنديل ورأت رأساً فقالت : ما هذا الرأس؟ قالوا انه رأس ابيك، فرفعت الرأ وضمته الى صدرها وهي تقول : يا ابتاه من الذي خضبك بدمائك؟ ثم وضعت فمها على فم الشهيد المظلوم وبكت حتى غشي عليها، فلما حركوها فاذا هي قد فارقت الدنيا، فارتفعت اصوات اهل البيت بالبكاء، ومن سمع من اهل الشام بكاءهم بكى، فلم يري في الشام الا باك او باكية".
وما زال البكاء حول قبر رقية .. في الداخل نرى رجلاً يجهشون دمعاً ساخناً، وعلى بعد خطوتين عن القبر تعود الحياة بلى دموع.
ابو حمدي حارس المكان يقول لنا انه الامتثال للحزن.. من يبكى هنا يتطهر وينظف .. ثم يدعونا ابو حمدي للبكاء. في الخارج تسمع أحاديث أخرى.. الخارج قبل عقدين كان صفاً لانهائياً من الدكاكين، دكاكين الحلاقين، والجزارين والحرفيين وبائعي أدوات المطبخ، وعند البدء برفع أسوار جامع رقية بدأت الحياة في الخارج تتغير.. الأسماء تتغير، واللغة تتغير أيضا، فهذا ابو النور احد البائعين يخاطبك باللغة الايرانية التي لا يعرف منها سوى مفردات ضئيلة مثل (بافارما) أي تفضل، او (غودا حافظ) وتعني الله معك، وكذلك يشرح لك مسميات بعض الالوان مثل (فبشكي) اسود، او (سيفير) ابيض، او (قرمز) احمر، او (صرمائي) كحلي، وعملياً لن تجد بين مفردات الألوان إلا (فيشكي) وهي البضاعة الاكثر رواجاً من بقية الالوان.
ابو النور الذي يعرف عدداً قليلاً من الكلمات الفارسية يعرف عددا لا نهاية له من الارقام الفارسية، فهو يعد لك من (بك ) واحد حتى (دو هازار) الفين، دون تردد ويقنعك ان اللغة الفارسية من اللغات النبيلة في تاريخ الأصوات، وهي القناعة التي تولدت لديه بعد ان حول دكانه من دكان حلاق الى بائع أقمشة وأحذية ودار للترجمة من العربية الى الفارسية معجمها لا يزيد كثيراً عن الكلمات السابقة الذكر، يترجم للايرانيين ويبيع لهم.
يافطات المحال باللغة الفارسية.. أصداء الأصوات باللغة الفارسية.. والكتل الملفوفة بالسواد والتي تتحرك أمامك وفي الأزقة الضيقة فارسية.. أما الدمشقي الذي يجلس وراء البسطة فلا باس لديه من ان يكون فارسياً ما دامت مقتضيات السوق تأمره بذلك .. إنها البسطة التاريخية لرجل أسراره وراء أسوار بيته، وفي السوق كل شيء للسوق..
اللغة .. الابتسامة.. طرائق التفكير.. كذلك الأيديولوجيا القابلة لان تكون يابسة عندما يورق السوق.
على أمتار من قبر رقية قصر معاوية, وعلى أمتار من القصر يقع القبر.
قبر معاوية أضيق من قامة رجل تمدد أربعون عاماً فوق عرش دمشق، وقصره ورشات صغيرة لصانعي احذية وحقائب جلدية ومع ذلك يأتي من يقول لك : " تحت هذه الفسحة – مشيراً الى باحة القصر – هنالك اقنية صرف صحي تمتد حتى قلعة دمشق، وفوق هذه الفسحة جواخير".
وتسأله ماذا تعني جواخير؟
يقول لك : انها مرابط للخيول.
وكان علينا أن نبحث عن مرابض الخيول ، لتجد اقدم سيارات موجودة فوق الكرة الأرضية هي تلك السيارات التي تعود لبداية القرن، والتي يعيد تأهيلها السوريون لتكون سيارات من نوع : اولدزوموبيل، محركاتها اوبل ، والتابلو فيها من عائلة سوزوكي أو فورد، ومع ذلك فإنها تسابق سيارات الشبح التي لا يقتنيها سوى كبار المسؤولين - - (البوابة)