عمان – اياد خليفة ومحمد عمر
شغلت مسألة خلافة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الرأي العام العربي والدولي وشكلت هاجسا للإسرائيليين. وفي الآونة الأخيرة كثر الحديث عن هذه القضية خاصة بعد تشديد الحصار على مقره وتحويله إلى معتقل حقيقي والخوف من تدهور صحته بشكل مفاجئ او استشهاده في حال قرر شارون اقتحام مقره وهو امر بات مرجحا.
وفي كل مرة كان يدور الحديث حول من يخلف عرفات ترددت أسماء قيادات فلسطينية تاريخية، غير ان تركيزا خاصا بدأ يظهر في الأيام الأخيرة على شخصية مروان البرغوثي امين سر حركة فتح كخليفة محتمل للرئيس الفلسطيني.
ومن المعروف ان القيادة الفلسطينية لم تقم ابدا بمناقشة خلافة الرئيس عرفات بسبب رفضه شخصيا للامر باعتباره رئيسا منتخبا من قبل شعبه وللحيلولة دون تمرير المخططات الإسرائيلية الرامية الى تشجيع بروز بدائل له.
ومع ذلك فان خلافة الرئيس الفلسطيني الذي يخضع لحصار مشدد وتتهدد صحته المخاطر اصبح اليوم اكثر من أي وقت مضى يشكل هاجسا ليس للفلسطينيين وحسب بل وللعالم.
قبل الانتفاضة الحالية كانت اغلب التحليلات والتوقعات والتكهنات تشير الى مجموعة من الشخصيات الفلسطينية من بينها محمود عباس (أبو مازن) امين سر منظمة التحرير الفلسطينية الذي كان يحظى بأفضل فرصة لخلافة عرفات، فأبو مازن يصغر عرفات بعدة سنين وهو واحد من مؤسسي فتح والمنظمة القلائل الذين بقوا على قيد الحياة. رغم انه يعاني مصاعب صحية لا تقل خطورة عن مصاعب ابو عمار.
أثناء الاجتماعات السياسية الهامة كالاجتماعات مع وزير الخارجية الأميركية كولن باول الأسبوع الماضي كان أبو مازن يجلس إلى جوار عرفات وأبو علاء إلى اليسار.
ويبدو ابو مازن مؤهلا لاحتلال المنصب اكثر من منافسه احمد قريع (ابو العلاء) رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني.
أما القيادي التاريخي الآخر فهو فاروق القدومي الذي بقي خارج الاراضي الفلسطينية ويعتبر وزيرا لخارجية فلسطين ورفض القدومي مؤتمر مدريد واتفاق اوسلو.
وتشير بعض التسريبات الصحفية ان عرفات قد يرشح القدومي خلافا له في رئاسة المنظمة في الخارج.
بعد الانتفاضة
يعتقد الكثير من المتابعين للشأن الفلسطيني ان انتفاضة الأقصى التي اندلعت في ايلول/سبتمبر 2000 وما زالت قد غيرت الكثير في الساحة الفلسطينية وربما ايضا ستحدث هزة في المجتمع الفلسطيني وتحديدا في المستوى القيادي وخاصة بعد الهجوم الاسرائيلي واسع النطاق على الضفة الغربية الذي اطلقت عليه اسرائيل اسم عملية "السور الواقي".
ويعتقد المراقبون ان الانتفاضة الحالية خلقت جيلا جديدا متمردا على القيادة الفلسطينية. ويقول الدكتور خليل الشقاقي مدير المركز الفلسطيني للدراسات في نابلس ان الانتفاضة الحالية أسقطت الحرس القديم للسلطة الفلسطينية، مشيرا بالأساس إلى (أبو مازن) و(أبو العلاء) اللذين يعتبران مهندسي اتفاقية أوسلو واللذين جلبا مع عرفات عملية السلام. ويقول الشقاقي، ولكن أوسلو فشلت الآن ولذا فإن مستقبل الرجلين أصبح غير معلوم.
ويعتقد الشقاقي أيضاً أن مركز الرجلين أصبح مهتزاً لأن الشعب الفلسطيني يرى أن الاثنين بالإضافة إلى نبيل شعث مسؤولون عن فساد وسقوط السلطة الفلسطينية.
ويشير الشقاقي بشكل مباشر الى بروز قيادات ميدانية من داخل الاراضي الفلسطينية ويخص بالذكر مروان البرغوثي، رجل فتح القوي في الضفة الغربية.
مروان البرغوثي: كاريزما متنامية
وعلى الرغم من ان اعتقال البرغوثي يجعل من الصعب الحديث عنه حاليا كخليفة محتمل للرئيس الفلسطيني الا ان التطورات الاخيرة بما فيها عملية اعتقاله عززت من شعبيته اكثر في الشارعين الفلسطيني والعربي ، وزادت من صورته كـ"بطل" للشعب الفلسطيني. خاصة وان اسرائيل صورت عملية اعتقاله كاهم انجاز لهجومها الاخير وذهب شارون الى حد القول انه كان يتمنى لو جيء له بمروان البرغوثي "رمادا في جرة".
وتعتبر إسرائيل مروان البرغوثي المحرك او "دينمو" الانتفاضة غير ان صغر سنه (43 عاماً) يجعل من الصعب عليه تجاوز جيل من الزعماء الفلسطينيين أكبر منه سناً وأكثر تجربة. هذا اذا ما قيض له مغادرة السجن والعودة إلى نشاطه.
ومع ذلك فان البرغوثي بدأ يحظى بسمعة طيبة وبدأ يكون "كاريزما" خاصة به وقد سبق ان نجا من محاولة اسرائيلية لاغتياله.
ومنذ اندلاع الانتفاضة وصورة وصوت وكلمات هذا الفلسطيني الاسمر، القصير القامة، الذي يحمل اجازة في العلاقات الدولية، لا تبرح تفارق وسائل الاعلام المختلفة متحدثا عن اهداف الانتفاضة ومطالب الفلسطينيين بالاستقلال.
وتتهمه اسرائيل بأنه "مدبر" الانتفاضة، وانه يقف خلف الهجمات المسلحة التي ينفذها اعضاء في حركة فتح وتستهدف جنودا ومستوطنين اسرائيليين في الاراضي المحتلة.
ولا ينفك البرغوثي، الذي بدأ نشاطه السياسي ضد الاحتلال الاسرائيلي منذ كان مراهقا، من ترديد ان الانتفاضة " لن تتوقف الا بخروج جميع المستوطنين وزوال الاحتلال".
واعتقله الجيش الاسرائيلي اكثر من مرة، وامضى في سجون الاحتلال عدة سنوات بتهمة الانتماء لحركة فتح ونشاطه المناهض لاسرائيل.
وكان البرغوثي، وهو من مواليد قرية كوبر شمال غرب مدينة رام الله في وسط الضفة الغربية، ابعد الى مرج الزهور في جنوب لبنان في عام 1988 عند بداية الانتفاضة الاولى (1987-1994).
ولم يثنه الابعاد عن مواصلة نشاطه من خلال حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية التي كانت تتخذ تونس مقرا لها حتى عاد الى رام الله اثر اتفاق اوسلو عام 1993، وهو الاتفاق الذي اتاح اقامة سلطة الحكم الذاتي.
وفي عام 1996 انتخب عضوا في اول مجلس تشريعي فلسطيني منتخب عن دائرة رام الله ضمن قائمة حركة فتح. حيث عرف عنه معارضته للسلطة لاسيما ما يتعلق بقضايا الحرية والديمقراطية.
وكسب البرغوثي، وهو من قيادات الداخل، دعماً من مختلف الفصائل الفلسطينية ومن الشارع عندما لم يتردد في مجابهة الفساد وتغول بعض الاجهزة الامنية في السلطة على المواطنين قبل الانتفاضة.
ومن الملفت للنظر ان البرغوثي الذي يتحدث العبرية بطلاقة كان احد ابرز الشخصيات الفلسطينية التي ظلت على اتصال دائم مع نشطاء السلام الإسرائيليين حتى اندلاع الانتفاضة الاخيرة.
ويصف البرغوثي ارييل شارون بأنه "الطلقة الاخيرة لدى الاحتلال الإسرائيلي".
وعلق عشية انتخاب شارون في شباط/فبراير الماضي وقال "انه الرصاصة الأخيرة في جعبتهم فليطلقوها".
وقد زاد اعتقال البرغوثي من هذه "الكاريزما الشخصية" إذ ساهمت الأحاديث التي أدلت بها زوجته فدوى لوسائل الإعلام من إضفاء طابع انساني عميق على شخصيته، واحبه الفلسطينيون لطريقة حياته البسيطة البعيدة عن البذخ، إضافة إلى الميزات السياسية التي يتمتع بها.
ويبدو أنه من الآن فصاعداً سيظهر اسم البرغوثي أكثر فأكثر كلما أثيرت مسألة الخلافة.
غير ان هناك من يخالف هذا الرأي ويقول المحلل السياسي عريب الرنتاوي، مدير مركز القدس للدراسات في عمان، "قد يكون هناك مؤيدين لمروان البرغوثي إلا أن ذلك لا يعني أن هناك إجماع على خلافته عرفات، أين أبو مازن وأبو علاء والقيادات التاريخية في منظمة التحرير".
ويضيف الرنتاوي في حديث لـ"البوابة" قائلا :"نعم البرغوثي قيادي وله دور وتأثير لكن أن يكون خليفة لعرفات هذا غير وارد وأن كان يحمل صفة امين سر حركة فتح في الضفة الغربية فهناك من هم أعلى منه كما أنه ليس عضوا في اللجنة المركزية لحركة فتح".
ويقول "حتى لو افترضنا أن البرغوثي قائد لكتائب شهداء الأقصى كما حمل بيان للكتائب فهذا لا يخوله ليكون زعيماً محل أبو عمار".
وقال الرنتاوي أن "أبو مازن هو أمين سر منظمة التحرير الفلسطينية وهذا شيء محسوم"—(البوابة)