تغيرات في المواقف تجاه مرض الإيدز في الشرق الأوسط

تاريخ النشر: 16 سبتمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

إن التأثير المتعاظم لوباء الإيدز في كافة أنحاء العالم لم يستثن الشرق الأوسط، فبالرغم من اتخاذ الخطوات اللازمة لزيادة الوعي بالمرض في المنطقة، إلا أن الكثير من المعلومات حول المرض وطرق الوقاية منه لا تصل إلى عامة الناس. وتشير المعلومات المتوفرة إلى وجود أعداد قليلة من الحالات موحية إما بمعلومات خاطئة أو بعدم وجود مشكلة شاملة. 

وفي الغالب فإن الحقيقة تجمع كلا الاحتمالين وفقا للإحصائيات التي نشرتها منظمة الأمم المتحدة ، ويصل مجموع حاملي فيروس الإيدز في شمالي إفريقيا والشرق الأوسط (نهاية عام 1999) إلى 220.000 شخص، ويعيش 140.000 شخص من هؤلاء في السودان حيث توجد أعلى نسبة من حالات المرض، تليها الجزائر التي يوجد فيها 1100 حالة أي ما يشكل 5.07% من مجموع السكان. وذكرت تقارير أن الكويت وعمان والسعودية يوجد فيها ما بين 1000-2000 حالة من الإيدز. 

تكنت هذه البلدان من إبقاء أرقام الحالات منخفضة لسببين رئيسيين، أولهما أن الفيروس دخل إلى المنطقة فقط في أواسط الثمانينات عندما كانت طرق اكتشافه سهلة وكانت وسائل الوقاية منه معروفة، وثانيهما أن هذه المجتمعات المحافظة دينيا تحرم الأفعال غير الشرعية مما أدى إلى إيقاف انتشار هذا الوباء. 

ومقارنة بالإحصائيات العالمية التي تشير إلى صورة مرعبة، يبدو أن بلدان الشرق الأوسط قد جنبت نفسها من آثار المرض، ومع ذلك فقد قدر كبار المسؤولين في منظمة الأمم المتحدة للإيدز أن الأرقام التي تعلن عادة تمثل فقط جزءا من الأرقام الحقيقية في أي بلد.  

ففي البلدان الحديثة والصناعية يوجد في الحقيقة ما تقدر نسبته بـ 10-20% زيادة عن الحالات التي تذكرها الإحصائيات الرسمية، بينما توجد في البلدان النامية فجوة أكبر بكثير، وعلى الرغم من أن هذا العامل يمكن أن يساعد على نقل صورة توضيحية أكثر دقة، فإن الأرقام لا تزال منخفضة جدا، وقد امتنعت العديد من الدول العربية عن الإفصاح عن أعداد المصابين بالإيدز لديها للسلطات الدولية، ويعتقد أن سوء نشر التقارير لا يزال شائعا تماما، وطبقا للأرقام التي نشرتها منظمة الصحة العالمية، فإن عدد المصابين بالإيدز في الأردن في نهاية عام 1999 قدر بحوالي 660 شخصا. 

والمثير للدهشة أن تقريرا حديثا نشرته جريدة الدستور اليومية لمدير عام الرعاية الصحية يذكر فيه أن مجموع حالات الإيدز التي اكتشفت في المملكة منذ عام 1986 بلغ 228، منها 115 حالة من الأردنيين، وأعلنت سوريا عن وجود 201 حالة مما وضع البلاد في آخر القائمة بالنسبة لعدد الحالات في العالم، وتقدر منظمة الصحة العالمية عدد الحالات في سوريا بحوالي 800 حالة في نهاية عام 1999م. 

قال برنارد شوارتلندر، رئيس فريق دراسة وباء الإيدز في الأمم المتحدة في حديث للبوابة: إن معلومات الأمم المتحدة تقدر بناء على الأرقام المحلية، ليس لدينا المعلومات الكافية لنبني أرقامنا عليها، هناك حاجة لمعلومات جديدة لأن برامج البلدان الوطنية لا تشمل دراسات دقيقة نستطيع بناء أرقامنا عليها". وأضاف: بصفة عامة، في الشرق الأوسط فإن المجتمعات تواجه صعوبات في إجراء مناقشة علنية لهذه القضايا التي تتعلق بالجنس والتصرف الجنسي غبر المقبول، والشيء المؤكد الذي يبدو في المنطقة هو حقيقة أن مرض الإيدز هو الرعب والعار. إن للثقافة العربية والإسلامية نظرة محافظة تجاه الحياة، الشذوذ الجنسي غير مسموح به على الإطلاق ومناقشة الأمور الجنسية التي تسبب المرض تحول دون تقدم الناس للفحص الطبي أو طلب المساعدة إذا كانت نتيجة الفحوص إيجابية. 

فالأشخاص المعروفون بأنهم يحملون المرض هم على الغالب منبوذون في المجتمع (ويضاف إليهم الأخلاقيون) بغض النظر عن الطريقة التي انتقل المرض بها إليهم، ويعتبر العديد من ضحايا الإيدز منحرفين، وهم في الغالب يخافون طلب المعالجة. 

وتحدث تقرير حديث أوردته صحيفة "ستار" اللبنانية اليومية عن امرأة حاملة للفيروس تصف معاناتها في الحصول على علاج ملائم، ثم دفعتها البيروقراطية المعقدة التي كان عليها التعامل معها إلى اللجوء للقطاع الخاص من أجل العلاج، وهو بديل باهظ التكاليف لا يتوفر للعديد من المصابين بالمرض. ويجد الأشخاص الذين يعتمدون على العلاج الذي تقدمه الحكومة أنفسهم منتظرين في صفوف طويلة لتلقي الأدوية وتعبئة نماذج لا نهاية وغالبا التنقل جيئة وذهابا بين طبيبهم ووزارة الصحة والصيدلية. 

إن هذه الصعوبة بالإضافة إلى زيادة التوتر يمكن أن تكون خطرة أو حتى قاتلة، والتأخير في أخذ العلاج الحاسم يمكن أن يؤدي إلى خلق مقاومة للفيروس ضد الدواء، ولكن طبقا لذلك التقرير فإن الشكوى الرئيسية تتمثل في التوتر العاطفي وفقدان الكرامة التي يواجهها هؤلاء المرضى، وقد أدت بعض الحالات بأصحابها إلى الانتحار. 

وبسبب النقص العام في التوعية الجنسية وطرق انتقال فيروس الإيدز أصبح الحصول على المعلومات أمرا صعبا، وإذا أضفنا تحريم الجنس لدى المجتمعات المحافظة وبسبب العادات السائدة، فإن أي شخص مصاب بالإيدز سيكون معرضا للتمييز ضده، لذا تبقى العديد من الحالات دون إعلان عنها، وللأسف دون معالجة.  

إن من الصعب إجراء تغييرات في المواقف وتقديم الإرشادات حول أخطار ممارسة الجنس دون وقاية واستخدام الحقن الملوثة في مجتمع وحضارة مبنية على تعاليم دينية يكون فيها القرآن المصدر الوحيد للحماية. 

قال أسامة الطويل مستشار برامج الأمم المتحدة للإيدز في مصر للبوابة: "إن موقف هذه المنطقة لا يختلف عن موقف الدول الأخرى عند بداية انتشار وباء الإيدز قد يكون لديكم الشعور بالتمييز ولكن ذلك لا يختلف عن البلدان الأخرى قبل خمس سنوات". وأشار الطويل إلى أنه بالنسبة للنواحي الدينية والاجتماعية الفريدة في هذه المنطقة فإنه يوجد حوار بين الزعماء الدينيين والمسؤولين حول مرض الإيدز إذ ليست هناك سياسة محددة لدى الزعماء الدينيين، ويكون الأمر في بعض الأحيان اجتماعيا وليس دينيا.. المحرمات الاجتماعية موجودة، كالتحدث عن الجنس وهو شيء عام في المجتمع، يوجد شعور بالعيب بسبب التعرض للمرض وقلة الخدمات الاستشارية لذا فهناك حلقة .." 

كان مرض الإيدز يرى دائما على أنه مرض مستورد وشيء غريب يتسلل داخل البلاد على هيئة أجانب يجب الابتعاد عنهم وفي الوقت الذي يكون فيه المتهم بالمرض في غالب الأحيان أجنبيا، يظل الدين هو المنقذ الذي يوثق به. وتقول الرسالة التي توجهها السلطات المحلية: إنك إذا بقيت على طريق الإسلام الصحيح فإنك سوف لن تعاني من أي مكروه. وفي عرض تلفزيوني مصري يعود إلى التسعينات ظهرت آية من القرآن تحرم الجنس غير المشروع وبعدها صورة للكرة الأرضية في الوقت الذي كان يسمع فيه صوت القارئ وهو يقول : "يستعمل الناس في الخارج الأدوات الواقية لمنع انتشار الإيدز، ولكن إذا حافظ شبابنا على مبادئهم الدينية والأخلاقية فلن يعانوا من أية أخطار". 

قد يبدو هذا الموقف العام بأنه بريء أو حتى مثالي أو غير فعال أمام الحقيقة ولكن كيف يتسنى للسلطات نشر الرسالة دون احترام الشعائر الدينية والعادات الاجتماعية. 

لا تهمل وسائل الإعلام في الشرق الأوسط الموضوع بصورة تامة، ومن جهة أخرى، فهي تحدد الحالات المكتشفة بأؤلئك الأشخاص الذين يرتبطون بأجانب في بلادهم. وفي 8 تموز/ يوليو حذرت وزارة الصحة المصرية مواطنيها من استخدام العاملات الأجنبيات ملمحة إلى إمكانية حملهم لفيروس الإيدز، وأضافت الوزارة أنه قد تم اكتشاف 16 إصابة بين هؤلاء العاملات مما أدى إلى تسفيرهن على الفور، وهي طريقة شائعة للتعامل مع هذه المشكلة. بالإضافة إلى ربط المرض بالأجانب فإن هناك اتجاها واضحا لدى وسائل الإعلام المحلية لعرض المشكلة على أنها تتعلق غالبا بالمنبوذين في المجتمع وارتباطها بالمخدرات، والجريمة والتصرف اللاأخلاقي. ونشرت الصحافة الإيرانية مؤخرا تقارير حول نظام السجن المحلي وحجج رؤسائه في السيطرة على الوباء داخل أسوار الإصلاحية. 

وقد ألقي المزيد من الضوء على الموضوع خلال السنين القليلة الماضية وتوصلت السلطات المحلية أخيرا إلى القناعة بالحاجة لإيصال التثقيف إلى شعبها، إلا أن الانفتاح العام ما يزال بعيد المنال، ولكن هناك بعض الخطوات التي اتخذت لتزويد الجمهور بالمعلومات الشاملة وخاصة الصغار منهم. 

وقد احتفل العالم العربي في الأول من كانون الأول/ ديسمبر عام 1999 بيوم الإيدز العالمي مركزا هذه السنة على الأطفال، وتتحدث الفكرة الخاصة بالاعتراف بأهمية هذا النشاط لارتباطه بالفئة التي تحتاج لحماية أكثر في مجتمع محافظ، وتتحدث عن تغير النظرة نحو هذا الموضوع الحساس. 

تبذل السلطات الصحية المزيد من الجهود لحماية مواطنيها الذين يسافرون إلى الخارج، وتوزع منشورات حول الإيدز في مطار القاهرة بينما يتلقى السعوديون المسافرون إلى بانكوك تحذيرات حول حجم الوباء هناك، وإدراكا منها أن المرض لم يعد مرضا مستوردا أخذت السلطات المحلية ببذل العديد من الجهود المحلية للوقاية منه. 

وفي لبنان، على سبيل المثال أنشئت خدمة حديثة وجهت نحو توسيع التوعية بالإيدز عن طريق الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، وتأخذ هذه الحملة التي قامت بها أربع منظمات مجتمعة شكل خط ساخن يديره عمال الرعاية الصحية من ذوي الخبرة الواسعة في هذا المجال، وتعتبر هذه الخدمة جزءا من الحملة الموجهة في الدرجة الأولى نحو الجماعات الأقل مقاومة للمرض والمحتاجين إلى أجوبة واستشارات غير متوفرة. 

وقد تم الإعلان عن الخط الساخن في جميع أنحاء البلاد وهي خطوة أدت إلى ازدياد عدد الناس الذين يسعون للحصول على مساعدة بشكل واسع، وقد بلغ سن المتصلين بين 17-35 عاما وكان 70% منهم ذكورا. ويكافح الخبراء العاملون في الخدمة للتعليم والمساعدة بناء على خبرتهم الواسعة محاولين جهدهم اجتياز الخط الرفيع الذي يفصل بين أن يكونوا معلمين أو منتهكين خصوصية الأفراد، وبوضع الثقافة في عين الاعتبار، فهم على إدراك بالقيود ويأملون بالنجاح في إيصال رسالة تعليمية إلى أكبر عدد من الناس قدر المستطاع. 

وفي الوقت الذي يدخل فيه العالم الألفية الجديدة، فإنه يواجه مشاكل لا حصر لها، ومنها مشكلة تحصد أرواح الملايين من الناس، فبينما تظل القارة الإفريقية أكثر الأماكن المبتلاة بالمرض، قارة تختفي بالتدريج، لا يزال الشرق الأوسط يظهر كمنطقة آمنة نسبيا، ومع ذلك فإن هذا المرض المراوغ يبدو بأنه الرابح مع مرور الزمن. إن هناك حاجة عاجلة للتثقيف والدعم وبدون اتخاذ الموقف المناسب، فإن العديد سيخسرون لا محالة هذه المعركة الطويلة. 

أما العالم العربي الذي تحميه غالبا العادات والتقاليد فإنه حافظ على نفسه ضد المرض. 

ومن جهة أخرى، فإن الحاجة المتزايدة لاتخاذ موقف مختلف، قد خلقت تغييرات معينة وقد أدى ذلك إلى المزيد من الانفتاح ولكن يؤمل بأن يساهم هذا في الشعور العام بأنه يجب عمل شيء ما، وكلما كان ذلك مبكرا أكثر كان أفضل – (البوابة).