ربما من ضيق، من اختناق، من رفضي المزمن لامتهان إنسانيتي وتحويلي إلى مجرد ترس في ماكينة تدور.. اقتنصت قضمة من من وقتي المكتنز حد التخمة بالعمل والغبار والسخام ، غادرت فيها علب الرخام والصفيح، وسرت لا ألوي على هدي، في دروب الغابة.. الدروب التي توصل للمدى.
لا تنبيك الغابة بما يعتمل في نفسك إلا إذا توغلت في قلبها، وتركت الدروب الآيلة لاندثار تقودك إلى حيث العشب الغض والصخور الثابتة وقامات الأشجار العالية.
مرّ المطر يوم أمس هنا، فبلل التربة، وترك في تجاويف صخرها أنية ماء لعابرين وكائنات لم يمروا من هنا.. لكنها صفة الغابة: كرم لا يحد يدعو للتأمل.
الشجرة العالية، صنوبرة متفرعة، استثارت نفسي للانفتاح والامتداد، بدت ملكة وحيدة تفيض عطاء وتغمر المدى إشراقاً.. ناثرة عبقها البهي في الريح.
كثير من الأشجار ما زالت تذكر كلما عبرت الريح بين أغصانها أثر العاصفة التي أطاحت بإخواتها.. وبقيت جثثهن، ندية في السفوح.
استوقفتني تلك الأشجار المقتلعة من جذورها، منها ما تيبس تماماً، ومنها.. ما زال يقاوم، بيد أن الموت في الغابة، مثل الحياة، يمر دون عناء أو طقوس ندب وهراء.
تدرك هنا؛ أنه وحده الإنسان من يقيم للموت وزناً.
الغصن اليابس الذي باغتني وعلق بحذائي، ربما أراد أن يقول لي: إبق.. لا تغادر، جد شجرتك واندثر.
في الغابات، أطلت شقائق النعمان، بابتسامة ساخرة ، كشاهد متيقن من عدم جدواه، على التذكر، والغياب والنسيان.