جلطة الفنانين و"إنفلونزا" السياسيين! -خالد أبو الخير

منشور 21 شباط / فبراير 2013 - 05:21
1
1

خالد أبو الخير

 

برز في الاردن في حقبتي الستينيات والسبعينيات فنانون متميزون، كانوا سيكونون بحق في مصاف الفنانين العالميين لو أتيحت لهم الفرصة وحظوا بالدعم المطلوب. في كل برنامج وزاري، على مدار أربعين عاماً، كانت الحكومات تحرص على تأكيد اهتمامها بالفنون، ودعمها الراسخ لها، ومع هذا شاهدنا فنانينا يموتون أمام أعيننا نتيجة الفقر والجلطات والإهمال والنسيان. ولعل من السخرية أننا نباغت بسماع نبأ جلطة داهمت أحد الفنانين ولا نسمع "بانفلونزا" تداهم سياسيا ما؟

من يذكر ربيع شهاب الآن، الفنان الذي ملأ أيامنا حبوراً بشخصياته وأدواره المتميزة وأبرزها عليوة"، وعبارة "ما هو الصحيح يعني"، التي درجت على لسان الناس، قبل أن تباغته جلطة دماغية أقعدته بيته وأسكنته فراشه، واستهلكت سنوات عمره في علاج لم ينجح بإعادته الى المسرح ومعترك الحياة.

من يذكر زميل ربيع شهاب في المهنة والجلطة "الدماغية ايضاً" الفنان هشام يانس الذي فجر أنهار الضحك من أفواه شعب قيل فيه ظلماً انه لا يضحك، ودشن وزميله نبيل صوالحة ثم أمل الدباس التي انضمت الى مسرحهما فيما بعد، السخرية من الزعماء، قبل أن ينفجر الربيع العربي.

عام 2007، داهمت هشام يانس جلطة مباغتة وهو يسير في الشارع، ما زال يعاني من تبعاتها حتى اليوم. لكن الفنان محمود صايمة شذ عن زميليه "شهاب ويانس" إذ مات بالذبحة الصدرية، وليس الدماغية. وصايمة الذي اشتهر بدوره في شخصية حمدي بمسلسل العلم نور، وبأدواره الكوميدية مع زميله حسين طبيشات.

الفنان الذي امتاز بخفة الدم كان يفاخر بعمله وتحمله المسؤولية منذ الصغر، فقد عمل بائع «اسكيمو» و"قشطة بحليب" و"قشطة بالعسل"، وقدم العديد من الأعمال المسرحية والدرامية، اخرها مسرحية «زووم عالمحسوم» التي كرس من خلالها معاناة الشعب الفلسطيني.

قضاء الله حق، ولكن المفارقة وحدها تظهر ان من اضحك الناس يجلط، ومن يسبب الشقاء لهم وينغض حياتهم برفع الاسعار مثلاً، يظل سادراً فيها.

ومثل زملائها في الشهرة، غادرت الفنانة رشيدة الدجاني الحياة بطريقة تشبه ما قد يجري في المسلسلات. فهذه الفنانة التي ملأت الشاشة الفضية بأدوارها العديدة اختفت فجأة من الحي الذي تسكنه، ما أشعل الشك في قلوب جيرانها الذين كسروا الباب عليها ليجدوها ميتة، بعد مرور أيام على وفاتها. الدجاني كانت قد صرفت الفتاة التي

كانت تخدمها لعجزها عن دفع مرتبها، ولطالما شوهدت في مستشفى البشير تذهب للحصول على علاج الضغط والسكري اللذين ألما بها.

..هكذا يموت الفنان الاردني.. أما المراثي فلا بأس بأن يكون لوزير ما، الفضل في تدبيجها وإلقائها.

قصص الفنانين الذين ماتوا ونسوا اكثر مما يمكن أن تعد، ربما لا يكون آخرهم الفنان عثمان الشمايلة الذي أعلن عن موته قبل أن يموت.. فهل يستعجلون رحيل الفنان؛ لأنه عبء عليهم وقبل أن يجف حبر المراثي أو تفقد رونقها.

يروي فنانون كيف تسمم زملاء لهم بسبب الوجبات الفاسدة التي أحضرها المنتج أو ذاك إلى مواقع التصوير بخلاً، وكيف اضطر أحدهم إلى علاج نفسه بماله الخاص لأنه سقط في حفرة أو عن حصان أثناء التصوير، بل يحظر على الفنان الحصول على نسخة من عقد العمل احياناً، وإذا طالب بها يوضع على قائمة سوداء.. ويروون كيف بات يحاسب الفنان على عدد المشاهد بدلاً من الحلقة، ورغم ذلك ثمة فنانون رائعون.

السياسيون ولو جاءوا وزراء ليوم واحد يؤمنون أنفسهم، ويحظون بتقاعد وتأمين صحي راق على حساب المال العام، أما الفنانون وإن افنوا أعمارهم في جلب الابتسامة للناس، وتنويرهم وإيصال رسالة الفن اليهم، فمصيرهم النسيان.

نديم صوالحة، سهيل الياس، محمد العبادي، عبير عيسى، اسامة المشيني الذي رحل مبكراً، ريم سعادة، موسى حجازين جميل عواد وغيرهم، أطال الله في أعمارهم، فنانون على مستوى عال، مثلما لدينا فنانون آخرون من جيل تال، هرموا رغم إنهم ما زالوا شباباً.


© 2000 - 2019 البوابة (www.albawaba.com)

مواضيع ممكن أن تعجبك