جوف الآلة

تاريخ النشر: 13 نوفمبر 2000 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

مالك العثامنة 

 

"لماذا يميل العرب دوما الى فكرة أن الانتخابات الأميركية هي اقتراع بين الأميركيين على مصالح العرب؟!..الأميركيون – بكل أجناسهم – يهتمون فقط بالداخل ..والعالم الخارجي أولوية أخيرة في أي انتخابات!!". 

بهذه العبارة الموجزة أجابني صحفي أميركي مخضرم حين استفسرت منه عن رأيه حول تأثير نتائج الانتخابات الأميركية على منطقة الشرق الأوسط. 

وسواء اختلفنا أم اتفقنا مع الرد آنف الذكر إلا أن الحقيقة التي لا غبار عليها تكمن في أن الأميركي العادي لا يهتم فعلا بالعالم القابع خلف محيطه إلا بقدر ما يؤثر هذا العالم على معيشته اليومية.!! 

حتى جيمس زغبي .. أحد أكبر الرموز العربية الإعلامية والسياسية في الولايات المتحدة يفكر كأي أميركي آخر ،ويعلن أنه ديمقراطي ولن يغير موقفه حتى "لو هددت حياته" !!ويضيف معللا (أميركيته التي ليست بحاجة أصلا الى تعليل) أن الديمقراطيين لهم برامج تعليمية وصحية تتفق وما يريده هو كمواطن أميركي يدفع كباقي المواطنين ضرائب للحكومة مقابل خدمات تقدمها له. 

جيمس زغبي وغيره من "العرب البائدة" في القارة الأميركية يعبرون عن واقع لا نريد استيعابه نحن "الجذور" في مسقط الرأس. 

وهذه "العقلية"العروبية التي نفكر بها هي نفسها التي لا تجعلنا نستوعب أيضا أن نجاح بوش وهزيمة غور بالمقابل ليست انتصارا عربيا سيعيد الحق "التاريخي"الى أصحابه!!والعكس صحيح ،فنجاح غور لن يبرد نار الثأر الساكنة فينا من جورج بوش (الأب) والذي استباح الحمى والأرض ذات تخاذل عربي – عربي . 

غور أو بوش ، الجمهوريون أو الديمقراطيون ،وحتى رالف نادر نفسه،المرشح الأخضر ذو الأصول اليعربية لن يتصرف إلا كرجل دولة أميركي في دولة عظمى لها سياساتها الاستراتيجية ..والثابت الاستراتيجي الوحيد في السياسة الأميركية هو المصلحة ،والمصلحة فقط. 

ومن هذا المنطلق (الثابت) يمكن لأي محلل أو منظر أن يبني أفكاره حول الفائدة التي يمكن للعرب جنيها من فوز هذا أو ذاك..! 

وعليه.. 

إسرائيل نقطة توازن للمصالح الأميركية في المنطقة ، ومن العبث الاعتقاد بتأثير إسرائيلي أو هيمنة إسرائيلية على الولايات المتحدة ، بدلا من الاقتناع بفكرة أكثر واقعية وقبولا وهي تبادل مصالح مشترك بين أميركا وإسرائيل ، وهنا تكمن المناورة التي يمكن للعرب (كدول) أن يلعبوا في هامشها وعلى المدى الطويل لترجيح كفة الميزان لصالحهم. 

وللشرح أكثر.. 

فالحزب الجمهوري (بنيويا) هم أصحاب المصالح التجارية ورجال الصناعة ، أو كما درج الأميركيون على تسميتهم بـ(FAT CATS) وهم جماعات ضغط مؤثرة في أكبر دولة رأسمالية في العالم، ومن المعلوم أن أصحاب رأس المال يبحثون دوما عن وسائل لتنمية هذا "الرأسمال"، ومن هنا فإن كل سياساتهم ستقوم على هذا الأساس ، في البحث الدؤوب عن شريك ناجح أو حتى قومسيون شاطر. 

والحزب الديمقراطي ، -والتي أثبتت إدارة كلنتون الأخيرة أنهم مرتبطون بعلاقة "عروة وثقى" مع الكيان الإسرائيلي – يبحثون عن السبل التي تضمن لهم تنفيذ برامجهم والتي لا تتأتى إلا بالوصول الى الحكم المرتبط بأصوات يهودية لا تعطي إلا إذا أخذت بالمقابل ، فيما سيصب بالنهاية في مصلحة إسرائيل. 

فلماذا يراهن الديمقراطيون على أي حصان خاسر آخر؟!؟ 

أميركا.. 

عجلة مستمرة الدوران ، وآلة ضخمة من المسننات التي لا تتوقف كي لا تموت، والدولار ليس مخزنا للقيمة بل فلسفة حياة تقوم عليها الآلة الأميركية ،ولا بد للدولار أن يمشي ويتحرك على مبدأ "PASS THE DOLLAR" ، لكي يبقى الأقوى والمهيمن في العالم. 

ونحن في بلاد "الخبز والحشيش والقمر" نرفض استيعاب اللحظة الآنية ، وما زلنا نفكر بمنطق العشيرة والمجاملة وحسابات الجميل ورده! . 

والإسرائيليون من خلال يهودهم هناك ، فهموا لعبة الدولار بحرفية، وباتوا يلعبونها بشيكلهم نفسه. 

والصوت العربي "المؤثر" في جوف الآلة الأميركية لا يملك الوقت الكافي للتوقف قليلا والنظر إلى "خارج"الآلة حيث الشرق والجذور.فالتوقف لحظة يعني ببساطة الانسحاق بالمسننات التي تستمر بالدوران. 

باختصار ووضوح.. 

نحتاج الى أكثر من تمنيات بلهاء لصالح مرشح رئاسي ضد آخر، ونحتاج الى مراجعة ذاتية لكي نتصرف بشكل أكثر رشدا وعقلانية في انتخابات قادمة، والأوراق الرابحة تحت متناول الجميع ،لكن ترتيبها وفهم "اللحظة" المناسبة هي الأهم، وفي الوقت الحالي فلتكن العولمة أول الطريق..!