حاجز حوارة.. مسلسل جديد في معاناة الفلسطينيين

تاريخ النشر: 03 مايو 2003 - 02:00 GMT
البوابة
البوابة

فلسطين: ناديا ابو زاهر 

بعد عدة ساعات من الانتظار تحت أشعة الشمس، اتكأ أحد الصبية على حافة عربته الخشبية الخضراء التي يستخدمها لنقل أغراض المارين من على حاجز حوارة العسكري مقابل شيقل أو اثنين، مترقبا دوره كبقية الناس المنتظرة على الحاجز الذي يعج بالمارة وبضجيجهم وتذمرهم من تصرفات الجنود ومزاجيتهم، ومتأملا الجنود الذين يفتشون المارة واحدا تلو الآخر سارحا بفكره بعيدا لا أحد يعلم ما يحمله رأسه الصغير من أفكار في تلك اللحظة . لكن سرعان ما انقطعت أفكاره عندما قفز أحد الجنود من خلف الحاجز مقتربا إليه بخطوات سريعة وانهال عليه بالضرب دون مبرر. لم يعلم هذا الصبي كيف يحمي نفسه سوى أن قام برفع يديه الصغيرتين فوق رأسه ليحميه من الضربات التي وجهها إليه الجندي بعقب بندقيته الحديدية، دون أن يطلق ولو صرخة واحدة للاستنجاد. صمت الجميع فجأة وسط استغراب ودهشة بما فعله الجندي بهذا الصبي، لم تسمع بعدها سوى عبارات "لا حول ولا قوة إلا بالله" "الله على الظالم" "الله ينتقم منهم". جر الصبي عربته وانطلق بخطوات مسرعة مترقبة بعيدا دون أن يعرف سبب تصرف الجندي معه.  

لم يشفع صغر سن هذا الصبي الذي لا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره من الاعتداء عليه، كما لم تتمكن المواثيق الدولية لحماية حقوق الطفل من حمايته. رأس الصبي كانت أشد قساوة من بندقية الجندي الحديدية فقد عاد في اليوم الثاني لنفس المكان دون أن يلق بالا لتسابق الشخصيات على المناصب الوزارية في السلطة الوطنية الفلسطينية، أو الصراع القائم بين رئيس الحكومة أبو مازن وبين الرئيس ياسر عرفات. فكل ما يهمه هو أن يوفر لقمة عيش له ولعائلته. 

اعتداء متكرر 

أصبح مألوفا أن ينصب غضب الجنود على المارة، فكثيرا ما يقوم الجنود برمي هويات المارة أو احتجازها لساعات طويلة، والعبث بأغراضهم أو رميها، أو عدم السماح لهم بالمرور، لكن الاعتداء بالضرب دون مبرر لم يكن مألوفا، ويبدو أن مشهد الاعتداء بالضرب على المواطنين العابرين من الحاجز تكرر كثيرا في الآونة الأخيرة. تقول أحلام من حوارة وهي موظفة في نابلس تضطر العبور عن الحاجز كل يوم: "خلال هذه الفترة شاهدنا أحد الجنود يعتدي بالضرب على المواطنين دون مبرر".  

وعلى ما يبدو أن مضايقات الجنود للمارة تزداد بشكل لم يكن مسبوقا: "عندما أردت أن أعبر الحاجز كالمعتاد قام أحد الجنود بمصادرة جواز سفري دون مبرر، وقد كان بجانب الجندي وعاء به دهان أسود وقد خفت أن يقوم بوضع جوازي بوعاء الدهان" قالت أحلام."لا يستبعد عليهم القيام بأي شيء" أضافت.  

شهود عيان أكدوا حقيقة تزايد الاعتداءات على حاجز حوارة في الفترة الأخيرة. إحدى المواطنات من قرية حوارة قالت أن الجندي قام بالاعتداء بالضرب على أخيها. كانت تريد أن تتوجه إلى نابلس هي وابنتها لعمل بطاقة هوية لابنتها. "اقتربت من الجندي لكي يفتش هويتي وبينما كان يفعل ذلك حتى انهال أحد الجنود بالضرب على أحد المواطنين" قالت. لم تكن تعرف في البداية أن الشخص المعتدى عليه هو أخوها. "أمسكت الجندي وحاولت أن أمنعه من ضرب المواطن وقد فوجئت بأنه أخي" أضافت. صرخ الجندي بها مهددا إياها، بمنعها من المرور إذا لم تبتعد.  

انتظار صعب 

هل جربت أن تنتظر أمرا ما عدة ساعات؟ لا بد أن الجميع قد فعل أنه أمر مزعج بلا شك، فالترقب والانتظار من أكثر الأشياء المزعجة للإنسان. لن تدرك مدى الانزعاج والتوتر الذي قد تشعر به نتيجة انتظارك إلا إذا وقفت تحت أشعة الشمس أو المطر، وسط ضغط الناس وتزاحمهم وتدافعهم وهم ينتظرون بفارغ الصبر أن يأتي دورهم على حاجز حوارة. كلمات سخط وتذمر تسمعها من كل مكان على رؤساء العرب الذين تركوا الشعب الفلسطيني يتعرضون لمثل هذه المهانة على الحواجز. ومع كل هذا الانتظار هل لك أن تتخيل أن لا يتم السماح لك بالمرور؟ 

سمعنا تذمر أحد المارة بينما كنا ننتظر كالبقية دورنا حتى يسمح لنا بالعبور: "الله أكبر لقد أرجعوني عدة مرات عن الحاجز دون حتى أن يتفحصوا هويتي". رغم ذلك لم يكف عن المحاولة. نصحه أحد الموجودين على الحاجز أن يخلع قبعته السوداء التي يرتديها عل الجندي لا يتعرف عليه. 

نحن بالطبع جاء دورنا ولم نعرف ماذا حصل مع هذا الشاب وهل سمح له بالعبور أم لا؟ لكننا شهدنا حادثة أخرى على نفس الحاجز شبيهة بهذه الحالة، حيث لم يسمح لإحدى الفتيات بالعبور وبقيت على هذه الحالة حتى نصحها أحد المارة أن ترتدي شيئا آخر حتى لا يميزها الجندي، وكم كانت دهشتنا حينما شاهدنا نفس الجندي الذي كان يرجعها من بعيد كلما اقتربت، يسمح لها بالعبور لأنه لم يميزها عندما غيرت ملابسها. تأكدنا عندها أن الموضوع متعلق ليس بشيء إلا بمزاجية هذا الجندي.  

رغم هذا وذاك فلم يعد مضمونا لك بعد كل هذا الانتظار وبعد عدم السماح لك بالمرور أن ترجع نظيفا إلى بيتك. لا يوجد مبالغة في ذلك بعد أن قام الجنود برش دهان أسود على المارة. هدى محمد من حوارة وصفت ذلك: "لم نعرف ماذا حصل، حسبنا أن السماء قد أمطرت، لكن هذا المطر أسود هذه المرة، فقد قام الجنود برش دهان أسود علينا" اضطرت هدى أن تغادر سريعا كي تغير ثيابها الذي تلطخ الدهان. 

إذا كنت طالبا فلن تمر‍‍‍‍‍‍‍‍‍ 

طلبة الجامعات هم أكثر من يتم التشديد عليهم على الحواجز ويتم منعهم من المرور، فغالبية الطلبة خارج مدينة نابلس استأجروا سكنات في المدينة حتى لا يضطرون العبور عن الحاجز. عندما يريد الطلبة التوجه إلى بيوتهم في نهاية الأسبوع أو التوجه إلى الجامعة بعد انتهاء العطل كثيرا ما يحاولون إخفاء كتبهم حتى يستطيعوا العبور وفي كثير من الأحيان لا يحضرون معهم كتبا، ناهد عودة طالبة بكلية العلوم بجامعة النجاح الوطنية تقول: "عندما أريد أن أمر عن الحاجز أترك كتبي في بيت الطالبات حتى لا أتعرض للبهدلة من الجنود". فيما تقول سهير طالبة بكلية الاقتصاد بجامعة النجاح أن الجنود منعوها من العبور وهي حامل فقط لأن بحوزتها كتب.  

إذا اكتشف الجندي بأنك طالب أو طالبة فإنه سيتم إرجاعك. "كثير من الأحيان لم يسمح لي الجنود بالمرور حال اكتشافهم بأنني طالبة الأمر الذي تسبب ضياع الامتحانات، الطلبة مغضوب عليهم" تضيف عودة.  

مضايقات تطال الفتيات 

المضايقات التي يقوم بها الجنود باتت تزعج الجميع وقد طالت الفتيات، إحدى الفتيات اللواتي كن ينتظرن على الحاجز أبدت انزعاجها مما قام بها أحد الجنود على الحاجز. "قام أحد الجنود بدفعي بشدة إلى الخلف بحجة أنه يريد أن ينظم الصف". وفي كثير من الأحيان يعاكس الجنود الفتيات.  

من أكثر الأمور التي تزعج الفتيات هي المعاكسات من الجنود، لا تستطيع الفتاة أن تفعل شيئا حيال هذا الموضوع، لأن الجندي لن يسمح للفتاة بالمرور. إحدى الفتيات الجميلات اشتكت من استمرار تعرضها للمعاكسة من الجنود عندما تمر عبر الحاجز: "من أين لك هذه العيون الجميلة الخضراء وهذا الطول، هذا ما سمعته كثيرا من الجنود لدا مروري عن الحاجز". لا تعرف هذه الفتاة ما تفعل حيال هذا الموضوع لأنها مضطرة للمرور عبر الحاجز كل يوم. 

انتفاضة الحاجز 

أكد عدد من المارة أن حاجز حوارة من أكثر الحواجز صعوبة وأكثرها اكتظاظا، وأن الجنود على هذا الحاجز متشددون ويصبون نقمتهم على المارة، ربما أن سبب ذلك يعود إلى وجود معسكر الجيش الإسرائيلي الذي لا يبعد عنه عدة أمتار أو بسبب وجود مستوطنات إسرائيلية مثل ايتسهار أو لأن موقعه استراتيجي. لكن لا أحد يعلم إلى متى سيتحمل المواطنون ما يتعرضون له من إهانات؟. اليوم وبينما كنا متوجهون إلى عملنا سمعنا صوت رصاصة انطلقت نتيجة مشادة كلامية بين جندي وأحد المواطنين، صمت الجميع فجأة ليتحققوا من حقيقة ما حدث ثم عاد الضجيج من جديد بعد أن تأكدوا بأن أحدا لم يصب. والسؤال الذي لا بد من طرحه ماذا كان يمكن أن يحصل لو أصابت الرصاصة هذا الشاب؟ هل يمكن أن يسكت الناس أم أن ذلك كان سيسفر عن انتفاضة جديدة يطلق عليها هذه المرة انتفاضة الحاجز؟