لكل مهنه خصوصيتها، وللحلاقة تحديداً خصوصية عريقة، كون العلاقة بين الحلاق والزبون تتعدى في أحيان كثيرة عملية الحلاقة إلى الصداقة العابرة التي لا تخلو من حميمية، بل أن الحلاقين لعبوا في الماضي دور الأطباء النفسيين بالنسبة لزبائنهم.
ويزيد من أهمية المهنة أنها تحتاج إلى هدوء أعصاب يصل إلى حد البرود، والكثير من الذوق والأدب، فاحتمال الزبائن بمشاربهم المختلفة وأذواقهم، مهمة لا يتقنها إلا طويلو البال وهادئو الأعصاب. ولكن.. هل يمكن لأصحاب الأعصاب النارية تعلم المهنة؟
للإجابة عن هذا السؤال نورد الحكاية التالية:
عزم رجل يدعى "هذال" على تعليم ابنه مهنة الحلاقة، واصطحبه إلى أحد الحلاقين الذين كانوا يعرفون هذال جيداً، ويخشونه، لطبعه الناري وضلوعه في المشاكل، فلم يستطع الحلاق رد هذال خائباً، وقبل أن يعلم الابن على مضض، فقال هذال لابنه مودعاً: والله إن لم تتعلم الحلاقة بسرعة لأقصن رأسك؟
أمضى الابن، ويدعى فادي، أسبوعين في الصالون، يتعلم قص الشعر وحلق اللحى وتنظيف البشرة وما الى ذلك.
ذات يوم.. جاء الأب للاطمئنان على وضع ابنه، فارتأى الحلاق أن يعهد للابن مكرهاً بمهمة بسيطة، أتقنها تماماً هي حلاقة لحية أحد الزبائن. وفعلاً شرع فادي الذي كان يرتجف خوفاً بحلاقة ذقن الزبون، وفجأة.. جرحه جرحاً بسيطاً، فاستشاط هذال غضباً وتقدم من ابنه وصفعه صفعة قوية.. أسقطته أرضاً.
ابتلع فادي الإهانة، وعاود حلاقة ذقن الزبون، فجرحه جرحاً آخر، فسارع الأب وتناول عصاً كانت بيده، وانهال بها ضرباً على فادي، وعندما تدخل الحلاق لتهدئة الوضع، نال عصاتين قويتين على الأقل...
الزبون بدوره، رفض أن يستمر في الحلاقة، وحاول الهرب، لكن هذال استوقفه ملوحاً بالعصا، فاضطر مرغماً أن يجلس مجدداً.
عاود فادي الحلاقة وهو ينظر إلى وجه الزبون بعين وإلى أبيه بالعين الأخرى، الأمر الذي أثار الأب، فأراد أن يهدد ابنه بطريقة عملية، فأخرج بندقيته الكلاشينكوف التي كان يحتفظ بها تحت عباءته، وصوبها تجاه فادي الذي قطع أذن الزبون.. من فرط الخوف، لكن الزبون ظل صامتاً.. كاتمًا ألمه، خوفاً من أن يصرخ فتحدث الكارثة، بينما سارع صاحب الصالون للقول لتلميذه النجيب: فادي.. أرجوك، خبئها بسرعة.
عزيزي القارئ، بماذا تذكرك هذه الحكاية؟ وهل وجدت تشابهاً بينها وبين الحلاقة السياسية التي تتم عادة.. على الناشف؟!
